المهندس سليم البطاينه
للأسف هذا هو حال العرب اليوم كل دولة تحمل أزماتها على ظهرها وتدور حول نفسها و هم بلا نفوذ وبلا صوت وبلا وجه ! وسماء الشرق بلا غطاء من غزة وصولاً للدوحة !
بعد توقيع اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان هناك مساران للتحليل والقراءة بشأن وضع المنطقة و الاقليم بعد انتهاء الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد ايران:
ـ الأول: لا يزال مقتنع ان اعادة رسم الخرائط، وتقسيم النفوذ بيد أمريكا وأسرائيل !
ـ والثاني: اقتنع اخيراً بنهاية أسطورة الحماية الأمريكية، وبدأ يعيد حساباته في بناء توازن جديد، لا تختطفه إسرائيل ولا تحتكره امريكا.
وأن كان من المبكر الحكم على مخرجات اتفاق مكة ، لكن من المبكر ايضاً التقليل من أهميته، فالاتفاق في تقديري لا ينبغي النظر اليه باعتباره حلف عسكري فحسب، بل بداية تفكير جديد وتغريد خارج السرب في منظومة الامن القومي.
قبل أن نفكك لماذا تم هذا التحالف ، وما يريده المتحالفون؟ علينا أن نسأل: من المقصود ؟ فكل التحالفات الدفاعية والأمنية تقوم على أساس أن هناك عدو مشترك!
فإذا كان المقصود بهذا التحالف هي ايران ،، فإن تركيا وباكستان بما تمتلكاه من قوة لن تخاطرا بدخول الحرب أصلاً ضد ايران.. كما ان تركيا وباكستان لا زالتا حتى اللحظة تؤديان دور الوسيط بين واشنطن وطهران
اما اذا كان المقصود اليمن ف ان باكستان في الاصل رفضت عام 2015 مشاركة السعودية في حربها ضد اليمن.
عملياً الأردن خارج اتفاق مكة الدفاعي، وليس طرفاً في الحرب الحالية، لكنه في قلب الجغرافيا وضمن نطاق التأثير ، وداخل منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة ، وتختلط فيها المصالح الجيوسياسية والاقتصادية !
والاهم انه امام اختيار مختلف عن الاختيارات السابقة، مما يجعله عُرضة لتداعيات أي تصعيد دون ان يكون طرفاً فيها.
بعد إعلان تحالف مكة لم يعد السؤال في الأردن من معنا، ومن ضدنا؟ بقدر ما يتعلق بقدرتنا إلى تجنب الانخراط في تحالفات تتشكل خارج ارادتنا، والانجرار إلى محاور الصراع.. فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة تكون اكثر قدرة على حماية مصالحها، واختيار ما يناسبها ورفض ما يضر بمصالحها، بينما يؤدي الاعتماد على خيار واحد إلى تضيق مساحة الحركة.
الشيء الغريب انه وبعد الإعلان عن توقيع اتفاق مكة، وفي حالة بدت كجس النبض، كتب الدكتور الإماراتي ( عبدالخالق عبدالله ) على حسابه بموقع X قائلا: تحالف جيوسياسي وجيواقتصادي جديد قيد التشكيل في غرب اسيا يضم الهند وإسرائيل والإمارات لمواجهة حالة السيولة الإقليمية و التهديد الإيراني والعبث التركي، ولملء الفراغ في حال تراجع الحضور الأمريكي في المنطقة.
فحين نقرأ تفاصيل اتفاق مكة تتداعى اسئلة و استفسارات لا يمكن المرور عنها مرور الكرام.
ـ أولها: غياب مصر الذي هو أكثر أهمية من وجود تركيا وباكستان، فمصر دولة محورية ذات وزن جيوسياسي في الامن العربي، ومركز ثقل في معادلة اعادة التوازن لوقوعها عند تقاطع معظم الملفات ذات الصلة بالأمن القومي! فهي تشرف على البحر الأحمر وقناة السويس.
ـ ثانيها: هل سيكون البحر الأحمر بمثابة الاختبار العملي الأول للتحالف السعودي التركي الباكستاني، بسبب تداخل امن الملاحة وباب المندب، والتهديدات الحوثية، وآمن القرن الأفريقي؟
فقد أثبتت حرب الخليج الرابعة الدائرة حاليًا أن قوة الجغرافيا الصلبة باتت تفرض نفسها و اصبحت قادرة على تعطيل الملاحة عبر الممرات والمضائق البحرية.
الشيء الثالث ان هناك صراع يدور حالياً حول خط التجارة الذي يمتد من الدمام في السعودية مروراً بالأردن وسوريا وتركيا ومن ثم إلى أوروبا، وهذا المشروع لا تريده إسرائيل ! فهي تريد الخط الهندي عبر دول الخليج والأردن وإسرائيل، إلى أوروبا الاردن وتحسباً لسيناريوهات في علم الغيب.
لا يحتاج الاردن الى الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك كي يرى الخطر، ولا يحتاج إلى عزل نفسه، ولا إلى وضع اوراقه بيد احد.. وهذا يفرض علينا حسابات دقيقة في ادارة علاقاتنا داخل المنطقة والإقليم معاً بإعادة تعريف دورنا وموقعنا في معادلة امن المنطقة، وان نقرأ ونُحلل ما يحصل بعيون وعدسات أردنية، لا بعدسات الآخرين، وان يكون لدينا مشروع وطني يلتف الجميع حوله، يحمينا من تداعيات الفوضى الإقليمية والجوار، فأقرب جيراننا رسموا خرائط تأمين النفس.
في النهاية لن تكون هذه التحالفات مجرد نهاية حرب، بل بداية زمن جيوسياسي، وجيواقتصادي جديد، تعاد فيه تعريف قواعد القوة ورسم النفوذ من جديد.
كاتب ونائب اردني سابق
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
