الرئيسية / أخبار / المكاحله: السردية الصهيونية في مأزق

المكاحله: السردية الصهيونية في مأزق

د. شهاب المكاحله

لم تكن الصدمة التي أحدثتها مقابلة كارلسون تلك محصورة بما قيل على الهواء. فبعد انتهاء المقابلة التي دامت ساعة وأربعين دقيقة مباشرة، دار بيني وبين كارلسون حديثٌ شخصي ومباشر، عبّر خلاله بوضوح عن ذهوله واستيائه العميقين مما سمعه من ممثل رسمي للولايات المتحدة، يُفترض به أن يكون دبلوماسياً، لا ناطقاً باسم عقيدة توسعية مغلّفة بخطاب ديني. وقال كارلسون إن ما قيل عقب تلك المقابلة كان أكثر وأخطر وكشف تآمر البعض على تصفية كل ما هو ضد إسرائيل سواء بقضم الأرض أو بتغيير الديموغرافيا والجغرافيا.

قال كارلسون، بلهجة لا تخلو من المرارة، إن ما كشفه السفير الأمريكي لم يكن مجرد رأي شخصي أو انحياز أيديولوجي، بل اعتراف صريح بأن كل ما جرى تسويقه لعقود — من مسارات تفاوض حول الدولة الفلسطينية، إلى “عملية السلام”، إلى المجالس والهيئات الجديدة التي تُقدَّم اليوم بوصفها أفقا للحل—لن ينتهي إلا إلى سراب سياسي متعمد. وأضاف أن الأخطر ليس في فشل هذه المسارات، بل في القناعة التي لمسها لدى السفير بأن هذا الفشل مقصود ومُدار، وأن “السلام: لم يكن يوما هدفا حقيقيا، بل أداة لإدارة الصراع وكسب الوقت، ريثما تُفرض وقائع السيطرة والضم بالقوة.

هذا الكلام، الصادر من إعلامي ينتمي إلى التيار المحافظ الأمريكي، ومن داخل المعسكر الذي طالما شكّل الحاضنة الأشد صلابة للدعم غير المشروط لإسرائيل، لا يمكن التقليل من شأنه. فهو يكشف ما حاولت الدبلوماسية الغربية طمسه طويلاً: أن المشروع الإسرائيلي، كما يُفكَّر به في دوائر نافذة، يتجاوز فلسطين، ويستند إلى سردية توراتية صهيونية ترى في المنطقة العربية مجالاً مفتوحاً للهيمنة، وتستحضر— صراحة أو ضمناً — أحلام السيطرة على سبع دول عربية بوصفها امتداداً لما يُسمّى “الحق التاريخي”.

لم يخطر ببال الحركة الصهيونية العالمية، ولا لوبياتها المتغلغلة في العواصم الغربية، أن 140 دقيقة فقط قد تكون كافية لتقويض سردية جرى تشييدها بعناية على مدى عقود. سردية روّجت لها إسرائيل بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش، قبل أن تتفكك هذه المرة من الداخل، وعلى لسان أحد أكثر رموز التيار الإنجيلي دعمًا لها في الولايات المتحدة.

ولا تزال أصداء تلك المقابلة — التي بُثّت يوم الجمعة 20 فبراير— تلقي بظلالها الثقيلة على المشهدين العربي والدولي، ليس فقط بسبب حدّة التصريحات، بل لأن ما قيل جاء بلا أقنعة: حديث مباشر عن “الحق”، عن الحدود، عن السيادة، وعن السلام بوصفه خطاباً فارغاً لا التزاماً سياسياً.

محاولات احتواء ما ورد في اللقاء عبر تصويره “رأياً شخصياً صادراً عن هاكابي، تصطدم بحقيقة موقعه الرسمي. فالرجل لم يتحدث بصفته واعظاً إنجيلياً أو منظّراً دينياً، بل كسفير يمثل واشنطن في تل أبيب. ومن هنا، تضاعف وزن الكلمات، وتحولت المقابلة إلى مؤشر خطير على اتجاهات داخل دوائر التأثير الأمريكية، أو على الأقل على حدود ما يُسمح بقوله علناً من داخلها.

قبل لقاء هاكابي، أجرى كارلسون مقابلات مع شخصيات مسيحية من الشرق الأوسط، تناولت أوضاع المسيحيين في المنطقة، بما في ذلك شهادات صريحة عن الانتهاكات التي يتعرضون لها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا المسار أثار، وفق ما تسرّب، انزعاج السفير الأمريكي، الذي بادر بالمطالبة بحوار “لتقديم الرواية المقابلة”.

غير أن ما أُريد له أن يكون منصة للدفاع عن إسرائيل، تحوّل إلى محاكمة سردية مفتوحة. فالدفاع انقلب اعترافاً، والأسئلة البسيطة تحولت إلى قنابل منطقية كشفت هشاشة الخطاب الصهيوني حين يُوضع تحت الاختبار.

حتى ما قبل بدء التسجيل، بدت الملابسات كاشفة. وصف كارلسون الأجواء بأنها أقرب إلى عقلية “الدولة البوليسية”: تشدد أمني، تنصل من توفير الحماية لفريق إعلامي، تغيير موقع المقابلة في اللحظات الأخيرة، ثم إجراءات تفتيش مهينة بعد انتهائها.
وهنا طُرحت أسئلة بديهية ولكنها خطيرة: هل يتصرف السفير الأمريكي بوصفه ممثلاً لمصالح الولايات المتحدة أم كمنفذ لأجندة تل أبيب؟ ولماذا بدا الحذر من إغضاب الجانب الإسرائيلي أكبر من أي حذر من انتقاد المؤسسة الأمريكية نفسها؟

تفكيك السردية الصهيونية

ترتكز السردية الصهيونية على فكرة “الأرض الموعودة” وتأويلات توراتية تمتد — في خيالها السياسي — من النيل إلى الفرات، مقترنة بمفاهيم الاصطفاء واحتكار الحق. غير أن المقابلة كشفت أن هذه الركائز لم تعد مسلّمات حتى داخل الأوساط المسيحية الغربية الداعمة تقليديا لإسرائيل.

طرح كارلسون أسئلة عن قابلية النصوص الدينية القديمة للإسقاط على الواقع السياسي المعاصر، وعن التعدد التاريخي لفلسطين، وعن تعاقب الشعوب والأديان عليها. وعندما جرى التطرق إلى أصول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدا الارتباك واضحاً: كيف يُبنى ادعاء “العودة التاريخية” على سلالات أوروبية حديثة؟ وكيف يُختزل التاريخ في رواية واحدة تُقصي كل ما عداها؟

أما الذروة الأخلاقية، فكانت عند الحديث عن غزة. إقرار بوجود احتلال، وتبرير لاستخدام القوة ضد الأطفال، قوبلا برفض قاطع من كارلسون لأي مبرر أخلاقي أو إنساني. هنا سقط القناع بالكامل، وانكشف التناقض بين خطاب “القيم” والممارسة الفعلية.

الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن هذه الأسئلة لم يكن لها أن تُطرح علناً بهذا الوضوح لولا غزة. فالصمود الفلسطيني في وجه آلة الإبادة أعاد القضية إلى مركز الاهتمام العالمي، وكسر تابوهات ظلت لعقود تُحاصر كل من يقترب منها باتهامات جاهزة. اليوم، باتت الأسئلة “المحرمة” مادة نقاش في الإعلام الغربي، لا همسا على الهامش.

اللوبي الصهيوني… ارتباك الداخل

الأكثر إزعاجا للوبيات المؤيدة لإسرائيل أن هذه الهزة جاءت من الداخل. من بيئة كانت تُعد الحاضنة الأكثر صلابة للسردية الصهيونية. ولهذا لم يتأخر رد الفعل؛ إذ بدأت حملات الضغط والتشويه، وظهرت دعوات علنية لمعاقبة كارلسون وعزله سياسيا، في مؤشر واضح على عمق الارتباك.

ما جرى ليس مجرد مقابلة إعلامية مثيرة للجدل، بل لحظة انكشاف تاريخية. سقطت سرديات مُعلّبة تحت اختبار الأسئلة البسيطة، وظهرت فجوة صارخة بين خطاب واشنطن عن السلام واحترام السيادة، وبين ما يُقال في تمثيلها الدبلوماسي على الأرض.

أما “مسرحيات التفاوض” حول الدولة الفلسطينية — قديمة كانت أم مُعاد تدويرها عبر مجالس سلام جديدة — فقد كُشف جوهرها: سراب سياسي يُستخدم لإضاعة الوقت، بينما يُدفع بالمنطقة نحو مشروع توسعي مؤدلج، لا يرى في العرب سوى خرائط مؤجلة.

تلك هي لحظة الانكشاف…
وما بعدها لن يكون كما قبلها.