الرئيسية / أخبار / ستاتيكو الحرب وتغيُّر أدوار مضيق هرمز

ستاتيكو الحرب وتغيُّر أدوار مضيق هرمز

ورد كاسوحة

ثمّة ما يوحي، بعد كُمون الحرب في مرحلتها النشطة، باستقرار نظام مُعيّن للهُدَن، بحيث يجري تمديد أيّ هدنة تُبرَم بين الطرفين، الأميركي والإيراني، بمجرّد انتهائها في المهلة المُحدَّدة. الأمر يتجاوز مسألة الاستنزاف في القدرات القتالية لدى كلٍّ من طرفي الحرب، إلى استقرار حالة من الستاتيكو تتعذّر بموجبها العودة إلى مرحلة القتال النّشِط.

والحال أنّ التعذُّر هنا لا يعود فحسب إلى الخشية من التكلفة المحتملة لجولة صراع عسكري جديدة، بل كذلك لأنّ ثمّة «نظاماً إقليمياً» بدأت تتّضح معالمه، على ضوء اعتماد نظام الهُدَن كبديل عن استمرار الصراع بوتيرته العالية أو المرتفعة الحدّة.
هذا النظام الذي أفضت إليه موازين القوى غير المتناظِرة في الحرب، يقوم ـــــ في ظلّ صعوبة، إن لم يكن استحالة، حصول تسوية مكتمِلة ـــــ على تجميد مسبّبات القتال المباشِرة، لمصلحة إرساء توازن، قوامُه الحصار المتعدّد الطبقات الذي يفرضه الطرفان، المعتدِي والمعتدَى عليه، على مضيق هرمز، وبشكل أوسَع على خليج عمان وصولاً إلى بحر العرب.

الحصار الإيراني للمضيق، الذي بَدَأَ معه كلُّ شيء، بما في ذلك تعديل موازين القوى لغير مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يوفّر لإيران الأداة غير المتناظرة الأكثرَ فعالية من بين كلّ الأدوات الأخرى في هذا النوع من الحروب، فحسب، بل وَضَع أيضاً الطبقة الأولى، إذا صحّ التعبير، في التغيير الشامل للوضع الجيوسياسي لمضيق هرمز.

قبل الحرب، كان المضيق هو البنية التحتية الحيوية الأكثر موثوقيةً واستدامةً على مستوى العالم لإمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال، ولذلك بدَت وظيفته الجيوسياسية مرتبطةً أكثر بتسهيل تدفُّقات التجارة النفطية العالمية، عبر إتاحة انسيابِها على نحو حرّ وغير مُقيَّد، وهو ما كان يتطلّب حصول تعاونٍ بين الدول المشاطئة للمضيق والمطلّة عليه، ولا سيّما منها إيران وسلطنة عمان.

الأولوية المطلَقة هنا، حتى في حال النفوذ الإيراني الإقليمي السابق للحرب، كانت لتكريس الحقّ الطبيعي للدول في عبور المضيق عبر ناقلاتها وسُفُنها، من دون إعاقة أو فرض قيود من أيٍّ نوعٍ عليها. الاستفادة المتبادَلة من السماح بحرّية تدفّق المواد النفطية الخام، كرّست نوعاً من التقليد الجغراسياسي، لم يكن ممكناً المساس به أو تغييره، لولا انتفاء هذا الطابع عنه في الحرب الإمبريالية التدميرية الأخيرة، لمصلحة وضع جيوسياسي جديد، يقيّد التجارة، لا بل يحجر عليها تماماً، من باب قلب أدوار المضيق الجغرافية بالكامل.

يمكن اعتبار ذلك سابقةً في العلاقات الدولية، لجهة إقدام دولة مشاطِئة لمضيق عالمي، تمرّ عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الدولية، على تغيير وظيفة هذا الممرّ البحري الطبيعي، أثناء حالة الحرب، بحيث لا تعود مهمّته تسهيل حركة التجارة النفطية البحرية، بل تقييدها ومعاودة تنظيمها، لكي تتحوّلَ بفعل موقع المضيق ودور إيران فيه إلى عائق غير متناظِر، يحول دون تحقيق أهداف الحرب، كما وضعها منذ البداية، التحالفُ الأميركي الإسرائيلي.

تعطيل التجارة بهذه الطريقة هو من ضمن القيود التي اعتادت إيران كدولة مُحاصَرة منذ عقود على العيش معها، في حين لا تقدِر الولايات المتحدة على خوض مواجهة طويلة بنفس نظام التقييد المُصمَّم ضدّ خصومها

والحال أنّ هذه الطبقة من التقييد التي فَرَضتها إيران لرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة، تجارياً، كانت بمثابة مدخَل لتغيير بنية الحرب نفسِها، بحيث تتحوّل من قتال بالذخائر التقليدية من صواريخ باليستية ومُسيّرات ومقذوفات جويّة، إلى صراع جغرافي وجغراسياسي، يتمّ فيه تثبيت الهُدَن المتلاحقة، بطريقة تسمح من ناحية بخفض وتيرة التصعيد العسكري، وتتيح في المقابل، لنظيرِه الاقتصادي أن يأخذ مداه، عبر جعل المضيق ساحةً لصراعٍ غير متناظِر بين الحصارات المتعدّدة الطبقات.

دورُ الولايات المتحدة في هذه المرحلة المتقدّمة والمعقّدة من الصراع بدا متناسباً، مع التغيير الذي أحدثته إيران في بنية الصراع العسكري، فالقتال الذي قادته مع إسرائيل من الجوّ، ولم يفضِ إلى تحقيق أهدافها من الحرب، تحوَّل، بدوره، في ظروف الصراع غير المتناظِر الذي أملت إيران شروطه، إلى حصارٍ للحصار الإيرانيّ، وهو ما يمكن اعتباره سابقةً في تاريخ الحروب حتى البحرية منها.

العجزُ عن تحقيق الأهداف، في شروط الحرب التقليدية، لم يكن ليقود وحدَه إلى هذا الشكل من المواجهة بين القوتين غير المتكافئتين عسكرياً وجيوسياسياً، لولا قدرة الطرف الأضعَف والأقلّ تسليحاً وتجهيزاً، ليس على إملاء شروطه بالضرورة، بل على تغيير قواعد اللعبة أو الصراع، بطريقة تسمح للقوّة غير المتناظرِة التي يمتاز بها باستخدام أفضل وأكثر نجاعةً وقدرةً لأدوات المرحلة الجديدة في الحرب، وعلى رأسها التحكُّم بحركة السفن والناقلات في مضيق هرمز وتقييدها.

الحصار الأميركي للتقييد الإيراني هنا، لن يكون عاجزاً بالضرورة عن فكّ الحصار الأوّل، ولكنه فعلياً لا يلعب في ملعبه المُفضَّل، كون وظيفة الحصار أميركياً هي السماح باستعادة حرّية الحركة التجارية للناقلات والسفن. وهذه الأخيرة لا تقع، خلافاً للاستخدام الإيراني، ضمن أدوات الحرب الأميركية المُعتادة، على اعتبار أنّ نُظُم العقوبات والتقييد الأميركية مُصمَّمة فحسب لتطبيقها ضدّ الخصوم الجيوسياسيين، أو حتى التجاريين، لا في حروب يطاول مداها وتأثيرها المباشران حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم والعالم.

تعطيل التجارة بهذه الطريقة هو من ضمن القيود التي اعتادت إيران كدولة محاصَرة منذ عقود على العيش معها، في حين لا تقدِر الولايات المتحدة على خوض مواجهة طويلة بنفس نظام التقييد المُصمَّم ضدّ خصومها، حتى لو لم تطاولْها التبعات المباشرة والفورية للحصارين.

في هذه الحالة، تصبح القيود المفروضة من إيران على حرّية تدفّق السلع النفطية عبر المضيق عائقاً، ليس فحسب أمام التخفيف من وطأة أزمة الطاقة الجديدة على حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم والعالم، بل كذلك تجاه القدرة الأميركية على خوض الحرب بوتيرتها الجديدة، بطريقة تسمح باستعادة حرّية التجارة التي لا إمكانية من دونها لبقاء الولايات المتحدة متقدِّمة، ولو خطوة واحدة، على إيران.

* كاتب سوري