الرئيسية / أخبار / شرق أوسط ما بعد الحرب: بين وهم النهاية وولادة نظام إقليمي مضطرب

شرق أوسط ما بعد الحرب: بين وهم النهاية وولادة نظام إقليمي مضطرب

د. شهاب المكاحله

مقدمة: هدنة هشة في إقليم لا يعرف الاستقرار

ليس من المبالغة القول إن الشرق الأوسط بعد الحرب الجارية—حتى مع استمرار وقف إطلاق النار الهش بين United States وIran—لن يعود إلى ما كان عليه قبلها. فالمنطقة لا تعيش نهاية حرب بقدر ما تعيش تجميدًا مؤقتًا لصراع لم تُحل جذوره بعد، حيث انتقلت المواجهة من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض، ومن الانفجار العسكري إلى إدارة التوازنات تحت الضغط. وما يبدو استقرارًا اليوم ليس إلا لحظة استراحة بين موجتين، لأن طبيعة الصراع ذاته لم تتغير، بل تغيرت فقط أدواته وحدته وإيقاعه.

إن جوهر التحول لا يكمن في نتائج الحرب المباشرة، بل في الأسئلة التي فرضتها على الجميع: من يملك حق صياغة قواعد الإقليم؟ ومن يحدد شكل توازناته؟ وهل ما زال النظام الدولي قادرًا على إدارة هذا الإقليم، أم أنه أصبح جزءًا من أزماته؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي ما سيحدد شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، لأن الإقليم لم يعد يتحرك داخل إطار ثابت، بل داخل منظومة مفتوحة على إعادة التشكل الدائم.

التوازنات الجديدة: بين قراءة خاطئة ومنطق القوة الحقيقي

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الحروب تكشف بوضوح موازين القوى النهائية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالحرب تكشف القدرة على الصمود، لكنها لا تكشف بالضرورة التوزيع الحقيقي للقوة. فالقوة ليست فقط في السلاح المستخدم، بل في الاقتصاد القادر على الاستمرار، وفي العمق السياسي الذي يسمح بإعادة التموضع، وفي القدرة الدبلوماسية على تحويل الخسارة إلى تفاوض، أو التفاوض إلى مكسب. ولذلك فإن محاولة تفسير ما بعد الحرب على أنه نتيجة حاسمة تعيد تشكيل الإقليم بشكل نهائي هي قراءة سطحية تتجاهل أن التوازنات الحقيقية في الشرق الأوسط لم تكن يومًا نتاج معركة واحدة، بل نتاج تراكم طويل من البنى الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية.

ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة رسم الإقليم على أساس نتائج الحرب فقط ستكون محاولة لبناء نظام فوق أرض غير مستقرة. فالإقليم لا يُدار بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق تعدد القوى وتداخل المصالح وتشابك التهديدات. وهذا يعني أن أي صياغة مستقبلية يجب أن تقوم على قاعدة أساسية مفادها أن لا دولة، مهما بلغت قوتها، قادرة على فرض هندسة إقليمية منفردة، لأن طبيعة الإقليم نفسه ترفض الاحتكار السياسي أو الأمني أو الاستراتيجي.

المضائق البحرية وعودة الجغرافيا كأداة صراع

من أبرز ما أظهرته الحرب أن الجغرافيا عادت لتكون لاعبًا مركزيًا في السياسة الدولية، لا مجرد خلفية للأحداث. فالممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تحولت من شرايين للتجارة العالمية إلى نقاط ضغط استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل سلوك الدول الكبرى والإقليمية على حد سواء. وقد كشفت المواجهة أن مجرد تهديد حرية الملاحة يمكن أن يربك الاقتصاد العالمي ويعيد توزيع الأولويات الأمنية، وهو ما يجعل من هذه المضائق عنصرًا محوريًا في أي تسوية مستقبلية.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام هذه الممرات كورقة ضغط مؤقتة، بل في تحويلها إلى مناطق نفوذ أحادية، أو تكريس ترتيبات استثنائية تخرج عن إطار القانون الدولي. فحرية الملاحة ليست قضية تقنية، بل هي أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي الحديث، وأي تآكل فيها يعني عمليًا إعادة تعريف قواعد العولمة نفسها. ولذلك فإن أي مستقبل مستقر للإقليم يقتضي العودة إلى مرجعيات قانونية واضحة، لا إلى توازنات قسرية تفرضها لحظة الصراع.

الإقليم والنظام الدولي: علاقة غير متوازنة تتكرر بصيغ مختلفة

لقد أظهرت الحرب أن العلاقة بين الشرق الأوسط والنظام الدولي لا تزال محكومة بمنطق اختلال مزمن، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى مع هشاشة البنى الإقليمية بطريقة تجعل من الصعب الفصل بين الاستقرار المحلي والتوازن العالمي. ورغم صعود قوى دولية جديدة، فإن نمط العلاقة لم يتغير جذريًا، إذ ما زالت المنطقة تتعامل مع النظام الدولي بوصفه مصدرًا للحلول والأزمات في آن واحد، وليس كمنظومة قواعد مستقرة.

إن المشكلة ليست في وجود قوة مهيمنة، بل في غياب صيغة واضحة تنظّم العلاقة بين الإقليم وهذه القوة. فغياب الحدود الوظيفية بين ما هو دولي وما هو إقليمي جعل التدخل الخارجي جزءًا من المعادلة الداخلية، بدل أن يكون عامل توازن خارجي. وهذا ما جعل العديد من الأقاليم الأخرى تنجح في بناء نماذج أكثر استقرارًا، مثل نماذج شرق آسيا التي استطاعت أن تنظم علاقتها بالقوى الكبرى ضمن أطر واضحة تقلل من احتمالات الانفجار.

دول الجوار والأمن العربي: معضلة مفتوحة بلا إطار جامع

واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في الشرق الأوسط تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول العربية ودول الجوار غير العربية، وهي علاقة لم تعد تُدار فقط بمنطق السياسة التقليدية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي الشامل. فالتداخل بين المصالح، وتعدد ساحات النفوذ، وتحول بعض الدول إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي، جعل من الصعب الحفاظ على نمط مستقر من العلاقات.

لكن الأزمة الأعمق تكمن في غياب رؤية عربية موحدة للأمن القومي، إذ لا يزال هذا المفهوم مجزأ بين دوله، حيث تختلف الأولويات والتهديدات من منطقة إلى أخرى. وهذا التباين، رغم طبيعته الموضوعية، يتحول إلى نقطة ضعف عندما يغيب الإطار الجامع الذي يحوّله إلى تنوع داخل رؤية استراتيجية واحدة. فالأمن القومي لا يُبنى على تطابق المخاطر، بل على إدراك مشترك بأن استقرار أي جزء من الإقليم يؤثر على الكل.

خاتمة: إقليم بين إعادة التأسيس أو إعادة إنتاج الأزمة

الشرق الأوسط بعد الحرب يقف عند لحظة مفصلية، لكنه ليس بالضرورة في طريقه إلى نظام جديد أكثر استقرارًا. فالمبادئ التي يفترض أن تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب—من عدم الهيمنة، إلى احترام السيادة، إلى تنظيم العلاقة مع النظام الدولي—لا تزال تصطدم بواقع سياسي معقد، حيث تتداخل القوة بالمخاوف، والمصالح بالهواجس، والفرص بالتهديدات.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشرق الأوسط سيخرج من هذه الحرب بشكل مختلف، بل ما إذا كان قادرًا على تحويل هذا الاختلاف إلى نظام مستقر، أم أنه سيعيد إنتاج أزماته بصيغ جديدة. فالتاريخ في هذا الإقليم لا يسير في خطوط مستقيمة، بل في دوائر متكررة، وكل حرب فيه لا تغلق صفحة، بل تفتح صفحات جديدة من الأسئلة المؤجلة.