الرئيسية / أخبار / «القومية… هي الحرب»

«القومية… هي الحرب»

بيير لوي ريمون

القومية، هي الحرب» قول معروف لفرنسوا ميتران الرئيس الفرنسي السابق، أسال حبرا كثيرا، بعد أن تم تأويله تأويلا خاطئاً أصلا. كثيرون اعتقدوا أن ميتران كرس بهذا الكلام إنكارا عضويا للشعور الوطني، مقدما عليه «الأممية»، كما حددها الشيوعيون، أي الشعور بالانتماء العالمي إلى الأمة جمعاء، وليس أمة واحدة، لكن تبين أن ميتران بات من أشد دعاة القومية، فهل تبين كذلك أنه نقض كلامه؟
لا أعتقد ذلك، وقد اخترت تناول الموضوع، لكوننا نعيش حاليا اختلافا جذريا في تعريف القومية، يحدد هوية الشعوب، خاصة الهويتين الأوروبية والأمريكية، في ظل المواجهة الأيديولوجية الشرسة، التي رسّخت الهوية الثقافية وثقافة الهوية بين المعسكرين. في اعتقادي، لقد أدى الانحراف عن الثوابت إلى إضفاء ضبابية شديدة على تعريف عملي لمفهوم القومية. وحتى يكون التعريف عمليا، لا بد له من أن يكون نزيها. من هنا وجب التفريق بين تعريفين، أو بالأحرى، بين تصورين، أحدهما قائم على التقوقع والانكماش والانكفاء، وثانيهما مرتكز على الانفتاح والتوسع والإشعاع.

كان فرانسوا ميتران قد اختار ثانيهما بالتأكيد، وللتدليل على هذا التوجه، تكفي سياقة أمثلة مطروقة، بل مستهلكة لشهرتها، لكن على غاية من الفعالية لمكانتها الاستراتيجية، أعني المشاريع الوطنية، التي تحولت إلى نماذج دولية قابلة للتصدير، مثل القطار فائق السرعة (TGV)، طائرات أيرباص، العتاد العسكري (داسو)، قطارات الأنفاق والترامات (ألستوم)، تطوير القطاع السمعي البصري العمومي… من هنا، شكلت مسألة «التأميم» إحدى الركائز الأساسية للسياسات الاشتراكية الفرنسية، لكن ما كان يحكمها لم يكن مجرد تطبيق لنهج الاقتصاد المسير، بل كان تصميما على ربط الإنتاج الوطني بالشعور القومي. تعد الخلفية التي نعيش اليوم على وقعها، خير مثال على إعلاء وجه معكوس لمفهوم القومية تماما، كما تروج له الأيديولوجيا «القومية» التي تجتاح العالم حالياً. فقد بتنا نعيش على أنغام قومية انسلخت عن السياسة، بما أصبح للسيادة والوطنية من بعد نفعي محكوم بالصفقات والتجارة، على حساب الإشعاع والثقافة. الثقافة، بيت القصيد الذي، بغيابه، غابت «التجارة الناعمة»، تلك التي كان ينادي بها مونتسكيو، وتلك التي ظلت تنمي الأمم بما تتيحه عائدات الاستثمار من فرص لنمو ثلاثي الأبعاد، اقتصادي، اجتماعي وأخلاقي.
لم تزاوج التجارة الناعمة القوة الناعمة، قامت محلها القوة الخشنة جنبا إلى جنب مع التجارة الخشنة، فبعثرتا وشتتا وشرذمتا كل مكونات الوطنية والشعور الوطني بما لم يترك مجالا، لأي خطة منطقية يحركها الازدهار والانفتاح والجودة واحترام الأفراد. حينها، قام المد الشعبوي في وجه المد القومي. المد القومي الذي ليس عيبا في ذاته كلا، لكن شريطة أن تضمن مكوناته إشعاع الأمم لا تشنجها. لكننا وقعنا فرائس نظام عالمي جديد مبني على نفعية الأرباح والمكاسب، تلك النفعية المقلوبة التي تخدم مصالح الشأن الخاص، بدل أن توضع تحت تصرف الشأن العام. حب الوطن من الإيمان، لكن أي وطن؟ وطن طموح محفز مرحب منفتح، وليس وطنا منغلقا يدعي الصراع من أجل البقاء، مدفوعا بفهم تضليلي للحضارة. حينها، نعم، القومية هي الحرب.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي