أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / من مايو 1968 إلى احتجاجات 2026: هل يخذل اليسار الفرنسي الشارع مرة أخرى؟

من مايو 1968 إلى احتجاجات 2026: هل يخذل اليسار الفرنسي الشارع مرة أخرى؟

خير الله خير الله 

لم تكن انتفاضة مايو 1968 في فرنسا مجرد احتجاج طلابي على قرارات جامعية، بل كانت لحظة انفجار اجتماعي وسياسي هزّت أسس النظام الفرنسي، وامتدت آثارها إلى أجزاء واسعة من أوروبا. يومها، خرج الطلاب من حرم جامعة نانتير احتجاجاً على فصل عدد من زملائهم وإغلاق الحرم الجامعي، قبل أن تتسع المواجهة مع إغلاق السوربون، فتتحول الاحتجاجات إلى حركة جماهيرية شارك فيها العمال والنقابات، ورفعت شعارات تجاوزت حدود التعليم لتطال طبيعة النظام الرأسمالي نفسه.

كان للحرب الأميركية في فيتنام، وتراجع الخدمات العامة، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب والواقع الاجتماعي، دورٌ في توسيع رقعة الاحتجاجات. لكن المفارقة التي بقيت في ذاكرة اليسار الفرنسي لم تكن في حجم الانتفاضة وحده، بل في موقف بعض القوى التي كان يُفترض أن تكون حليفتها الطبيعية.

عندما ابتعد الحزب عن الشارع

اتخذ الحزب الشيوعي الفرنسي، بقيادة أمينه العام آنذاك جورج مارشيه، موقفاً متحفظاً من الحركة الطلابية، ووجّه انتقادات إلى بعض قادتها، واصفاً إياهم بالتطرف والاستفزاز. وكانت الصدمة أشد لدى قطاعات من الطلاب اليساريين بسبب موقف الفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير، الذي شكّلت أفكاره مرجعاً فكرياً لعدد منهم، لكنه اصطف مع موقف الحزب وانتقد ما اعتبره «طفولية يسارية».

لم يكن الخلاف إجرائياً أو عابراً؛ فقد مسّ سؤالاً جوهرياً ظل يلاحق الحركات اليسارية: هل ينبغي للأحزاب أن تتبع الحراك الشعبي حين يخرج عن حساباتها التنظيمية، أم أن عليها ضبطه وإعادته إلى المسارات التي تراها أكثر واقعية؟

كان من نتائج هذا الخلاف حدوث قطيعة فكرية بين ألتوسير وعدد من تلامذته، بينهم جاك رانسير، الذي وجّه نقداً عميقاً إلى أستاذه في كتابه درس ألتوسير. وبذلك لم تعد الأزمة محصورة في الشارع الفرنسي، بل امتدت إلى قلب الفكر اليساري نفسه، حيث تصادمت سلطة الحزب مع استقلال الحركة الشعبية.

ثم جاءت اتفاقات غرينيل، التي أفضت إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية مهمة، لكنها لم تحقق التحول السياسي الجذري الذي حلم به كثير من المحتجين. ومع تراجع زخم الانتفاضة، تمكن الرئيس شارل ديغول من استعادة المبادرة، وحقق أنصاره فوزاً كبيراً في الانتخابات التشريعية اللاحقة. وهكذا انتهت لحظة ثورية واسعة من دون أن تنتهي البنية السياسية التي تحدّتها.

لم تكن تلك التجربة دليلاً على أن الإصلاحات الاجتماعية بلا قيمة، بل على أن المكاسب المطلبية لا تعني بالضرورة تحقق الأهداف السياسية الأوسع للحركة. كما كشفت أن الاحتجاج، مهما اتسع، قد يفقد قدرته على التغيير إذا انقسمت قواه أو عجزت عن تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي مستدام.

احتجاجات جديدة وأسئلة قديمة

بعد ما يقارب ستة عقود، تعود إلى الواجهة أسئلة تشبه تلك التي أثارتها انتفاضة 1968. فالاحتجاجات الطلابية التي يتناولها هذا المقال في سياق عام 2026 تتمحور حول أزمة التعليم، ونقص المعلمين، والحديث عن إلغاء وظائف تدريس دائمة، وتدهور أوضاع المدارس واكتظاظ الصفوف، فضلاً عن الاعتراض على شروط القبول الجامعي وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة.

هذه المطالب لا تخص الطلاب وحدهم. فعندما تتراجع جودة التعليم، وتتآكل الخدمات، ويشعر الشباب بأن الفرص تضيق أمامهم، تتحول القضية من خلاف على سياسة حكومية إلى سؤال أوسع بشأن العدالة الاجتماعية ومستقبل الدولة. ولهذا يمكن أن تنتقل الاحتجاجات من الجامعات والمدارس إلى النقابات وأماكن العمل، وأن تتوسع لتشمل فئات اجتماعية تختلف مصالحها المباشرة لكنها تتقاطع في شعورها بأن السياسات القائمة لا تستجيب لاحتياجاتها.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح موقف الأحزاب اليسارية اختباراً حقيقياً لمدى ارتباطها بالقواعد الاجتماعية التي تدّعي تمثيلها. فهل ترى في الاحتجاج فرصة لطرح بديل سياسي، أم تنظر إليه باعتباره اضطراباً ينبغي احتواؤه حتى لا يهدد التوازنات القائمة؟

إن المقارنة بين عامي 1968 و2026 لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً. ففرنسا اليوم تختلف عن فرنسا الستينيات في بنيتها الاجتماعية والسياسية، وفي طبيعة أحزابها ونقاباتها ووسائل التعبئة فيها. لكن السؤال المتكرر يبقى قائماً: ماذا يحدث عندما تتسع الفجوة بين مطالب الشارع وحسابات المؤسسات السياسية؟

فلسطين في قلب الاحتجاج

كما كانت معارضة حرب فيتنام أحد العوامل التي وسّعت دائرة التضامن مع احتجاجات 1968، أصبحت القضية الفلسطينية حاضرة في قطاعات من الحراك السياسي والاجتماعي الفرنسي المعاصر. وقد ربط متظاهرون بين المطالبة بالعدالة الاجتماعية في الداخل ورفض الحرب ومعاناة المدنيين في غزة، فظهرت الأعلام الفلسطينية والشعارات المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني في مسيرات مختلفة.

ولا يعني هذا أن جميع المشاركين في الاحتجاجات يتبنون المواقف نفسها، أو أن القضية الفلسطينية تختصر دوافع الحراك. لكنه يعكس تقاطعاً بين قضايا داخلية تتصل بالخدمات والعدالة الاقتصادية، وقضايا دولية تتعلق بالحرب وحقوق الإنسان ومصداقية الخطاب السياسي الغربي.

وهنا تبرز مسألة أوسع: كيف يمكن للدول الأوروبية أن تدافع عن حقوق الإنسان بوصفها مبدأ عالمياً، فيما تتعرض مواقفها بشأن النزاعات الدولية لانتقادات تتعلق بالانتقائية؟ إن الإجابة لا تكون بالمقارنة الانفعالية بين الدول، بل بتطبيق معايير واضحة ومتسقة على الانتهاكات، أياً كان مرتكبوها أو ضحاياها.

الأمن أم السياسة؟

عندما تلجأ الحكومات إلى التعامل الأمني مع الاحتجاجات، فإنها قد تتمكن من استعادة النظام مؤقتاً، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب التي دفعت الناس إلى الشارع. وقد تتحول مشاهد العنف، إذا ثبت استخدامها بصورة مفرطة، إلى عامل إضافي في توسيع الاحتجاج بدلاً من احتوائه.

وفي المقابل، لا يمكن مساواة الاحتجاج السلمي بأعمال التخريب أو الاعتداء على الأشخاص والممتلكات. فحرق المتاجر ونهبها وتدمير المواقع التاريخية، متى ثبتت هذه الأفعال، لا يندرج تلقائياً تحت حرية التظاهر، كما أن وجود أعمال عنف لا يبرر التعامل مع جميع المحتجين باعتبارهم مسؤولين عنها. ويتطلب أي تقييم جاد التمييز بين المتظاهرين السلميين، ومن يرتكبون جرائم، وطريقة استجابة أجهزة الأمن لكل فئة.

هذا التمييز ضروري خصوصاً عندما تمتد الاضطرابات إلى ضواحي المدن التي تضم شرائح فقيرة ومجتمعات ذات أصول مهاجرة. فالتهميش والتمييز، حيثما وُجدا، يحتاجان إلى معالجة سياسية واجتماعية، لا إلى اختزال جماعات كاملة في صورة نمطية مرتبطة بالفوضى. وفي الوقت نفسه، لا يجوز افتراض أن كل عمل تخريبي هو تعبير سياسي أو أن خلفه جهة واحدة، من دون أدلة مستقلة.

وقد زادت الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب الفرنسية من تعقيد المشهد. فبعض قوى الوسط واليمين حمّل حزب فرنسا الأبية وزعيمه جان لوك ميلانشون، إلى جانب مجموعات يسارية متطرفة، مسؤولية سياسية عن تصاعد الاضطرابات. في المقابل، طرح ميلانشون تساؤلات بشأن طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة، ملمحاً إلى أن استمرار الفوضى قد يخدم من يريد الظهور بمظهر المدافع عن النظام. أما مارين لوبان، زعيمة اليمين القومي، فقد حمّلت اليسار المتطرف مسؤولية أعمال الشغب.

لكن الاتهامات السياسية، مهما كانت حادة، لا تقوم مقام التحقيق. فتحديد المسؤولية عن أعمال العنف يتطلب أدلة واضحة، لا مجرد استثمار الأزمة لتسجيل نقاط انتخابية، ولا سيما في بلد يستعد لاستحقاق رئاسي. وكلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت احتمالات توظيف الاضطرابات في الصراع على تعريف من يمثل النظام، ومن يمثل الاحتجاج، ومن يتحمل مسؤولية الأزمة الاجتماعية.

الحزب الشيوعي أمام اختبار جديد

في هذا المناخ، يبرز موقف الحزب الشيوعي الفرنسي بوصفه محوراً في النقاش حول علاقة اليسار بالشارع. فقد دعا أمينه العام فابيان روسيل إلى الحفاظ على فرنسا التي تحترم شعبها وتحمي أطفالها، وطرح فكرة عقد مؤتمر اجتماعي عاجل يضم النقابات وأصحاب العمل وممثلي الشباب، لمعالجة مطالب تتعلق بالتعليم والعمل والخدمات والظروف المعيشية.

يمكن قراءة هذه الدعوة باعتبارها محاولة لفتح مسار تفاوضي يخفف الاحتقان ويمنح المطالب الاجتماعية إطاراً مؤسسياً. فالحوار الاجتماعي ليس في ذاته تنازلاً عن التغيير، كما أن التفاوض قد يحقق مكاسب ملموسة لا يمكن تجاهلها. غير أن السؤال الحاسم يتعلق بما إذا كان الحوار سيعالج أسباب الأزمة فعلاً، أم سيقتصر على امتصاص الغضب وتأجيل القرارات الصعبة.

هنا تعود المقارنة مع عام 1968. فقد أفضت اتفاقات غرينيل إلى تحسينات اجتماعية، لكنها لم تحقق الأهداف السياسية التي تطلع إليها كثير من المشاركين في الانتفاضة. لذلك فإن استحضار تلك التجربة لا ينبغي أن يقود إلى رفض التسوية من حيث المبدأ، بل إلى المطالبة بضمانات تجعلها أداة لتحقيق تغيير حقيقي، لا مجرد وسيلة لإنهاء الاحتجاج.

والفارق بين الحزب الذي يساند الحركة الاجتماعية والحزب الذي يسعى إلى احتوائها يظهر في قدرته على الحفاظ على استقلال المطالب الشعبية، وفي استعداده لمواجهة السياسات التي أنتجت الأزمة، لا في قدرته على إصدار بيانات تدعو إلى الهدوء وحده. فإذا تحوّل الحوار إلى بديل عن معالجة نقص المعلمين، وتدهور المدارس، وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن الفجوة بين الشارع والمؤسسات ستظل قائمة، حتى لو خفتت التظاهرات لبعض الوقت.

هل يتعلم اليسار من التاريخ؟

ليس المطلوب من الحزب الشيوعي الفرنسي أو غيره من الأحزاب اليسارية تبنّي كل ما يصدر عن الشارع بلا تمييز. فالحركات الشعبية ليست كتلة واحدة، وقد تتباين مطالبها ووسائلها وأهدافها. كما أن رفض التخريب والعنف لا يعني بالضرورة الاصطفاف مع الحكومة. لكن المطلوب هو ألا يصبح الدفاع عن الاستقرار ذريعة لتجاهل المظالم الاجتماعية، وألا تتحول الواقعية السياسية إلى اسم آخر للتخلي عن الفئات التي يفترض أن يمثلها اليسار.

لقد أظهرت تجربة 1968 أن الحركات الاحتجاجية قد تحقق مكاسب مهمة، ثم تتراجع سياسياً عندما تفقد وحدتها أو تعجز عن بناء بديل. وأظهرت أيضاً أن الأحزاب التقليدية قد تربح وقتاً من خلال التسويات، لكنها لا تستطيع إلغاء الأسئلة التي أطلقت الاحتجاج من أساسها.

إذا كانت احتجاجات 2026 تعكس أزمة في التعليم والخدمات والقدرة على العيش، فإن معالجة هذه القضايا لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية أو المناورات الانتخابية. كما أن مسؤولية اليسار لا تنحصر في تنظيم المسيرات أو انتقاد الحكومة، بل تشمل تقديم برنامج قابل للتنفيذ يربط المطالب اليومية بإصلاحات مؤسسية أوسع.

السؤال الذي واجه اليسار الفرنسي عام 1968 يعود اليوم بصيغة جديدة: هل يستطيع أن يكون جزءاً من التغيير، أم سيكتفي بالتفاوض على حدود ما يسمح به النظام القائم؟ لا تكمن الإجابة في الشعارات وحدها، بل في المواقف التي يتخذها عندما يصبح دعم الشارع مكلفاً سياسياً.

فالتاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة، لكنه يترك دروساً لمن يريد أن يتعلم. وأهم هذه الدروس أن الإصلاح قد يكون خطوة ضرورية، لكنه يفقد قيمته إذا تحول إلى وسيلة لإغلاق باب التغيير قبل أن تتحقق المطالب التي فتحت ذلك الباب.

كاتب لبناني