الرئيسية / أخبار / انتخابات 2026 الأميركية واحتمالية التغيير في حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية: التحول التشريعي في واشنطن ورسم مستقبل الذكاء الاصطناعي محلياً وعالمياً 

انتخابات 2026 الأميركية واحتمالية التغيير في حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية: التحول التشريعي في واشنطن ورسم مستقبل الذكاء الاصطناعي محلياً وعالمياً 

د. نسرين مستو اسعد

أظهرت نتائج الانتخابات النصفية الاميركية لعام 2026 تداعيات مهمة ليس فقط على الصعيد السياسي المحلي وتأثيرها على المستوى العالمي، بل على مستقبل الذكاء الاصطناعي ومستقبل الحوكمة الرقمية العالمية. فوز الديمقراطيين بأغلبية المقاعد في مجلس الشيوخ ومجلس النواب هو حدث بارز ذات تأثير عميق على سياسة الرقابة والتنظيم الحكومي للذكاء الاصطناعي محلياً كما هو مرحلة جديدة ذات أثر مهم على سياسة المنافسة القائمة مع الصين. في حين أن سياسة الرئيس دونالد ترامب الحالية تركز على تخفيض القيود التنظيمية للذكاء الاصطناعي وتسريع عمليات التحديث والتطوير، فإن نتائج الانتخابات الحالية من شأنها أن تساهم في ازدياد احتمالية الضغوط التشريعية بشأن استخدامات الذكاء الاصطناعي.

مواضيع تتعلق بالحد من إنشاء مراكز بيانات عملاقة، حماية البيانات الشخصية، تقييد التمييز الخوارزمي، الحد من المنافسة الرقمية، التعاون الدولي من اجل إطار تنظيمي عالمي، حماية الأفراد من الاستغلال الرقمي وعولمة البيانات ستكون من أهم الملفات التي سترسم خريطة المرحلة القادمة في السياسات الأميركية المحلية والعالمية. ويستند هذا التوقع إلى تصريحات العديد من الفائزين الديمقراطيين الذين تعهدوا بالتركيز على الذكاء الاصطناعي والقوانين واللوائح التي تحكمه عند توليهم مناصبهم في يناير 2027.

 في تصريح لافت وغير تقليدي لرئيس الكتلة التقدمية في الكونغرس Greg Casar، ديمقراطي عن ولاية Texas قال فيه ان فوز الديمقراطيون ما هو إلا ” الهزة المبكرة لزلزال أكبر بكثير للذكاء الاصطناعي يقلب السياسة الأمريكية رأساً على عقب” جاء التصريح بعد الانتصارات التاريخية التي حققها الديمقراطيون في قلب الولاية التي تعتبر معقل الجمهوريين منذ عام 1988.

كما صرح السيناتور Jon Ossoff، ديمقراطي عن ولاية Georgia، في خطابه بعد إعلان النتائج وفوزه إلى ” إن عمالقة وادي السيليكون يحفرون المخابئ لأنفسهم ويحذرون من أن الذكاء الاصطناعي الذي يخلقونه يهدد بالانقراض البشري”.

في منشور له على منصة X، صرح السيناتور Ed Markey، ديمقراطي عن ولاية Massachusetts، بان ” المديرين التنفيذيين لشركات التكنولوجيا الكبرى سوف يحتاجون إلى زراعة غابات جديدة لجميع مذكرات الاستدعاء التي سوف نطبعها”

 دعا السيناتور عبد الرحمن السيد، أول مسلم منتخب عضواً في مجلس الشيوخ وهو ديمقراطي عن ولاية Michigan، إلى تجميد تطوير الذكاء الاصطناعي حتى تتمكن الحكومة من تشريع ضوابط وقوانين رقابة عامة.

أما النائب Scott Wiener، ديمقراطي من ولاية كاليفورنيا، فقد دعا إلى تحديث هيئة مختصة تشرف على سلامة وأمن الذكاء الاصطناعي.

كما ان هناك مجموعة لا بأس بها من أعضاء الكونغرس، Bernie Sanders, Elizabeth Warren, Chris Van Hollen, Alexandria Cortez, Greg Casar, and Ted Lieu الذين يتبنون مشاريع ومواقف داعمة لإبطاء تطور الذكاء الاصطناعي وفرض قيود على نشر وتعميم نموذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً. لذلك من المتوقع أن تشهد الإدارة الأمريكية تغييرات قانونية وتشريعات جديدة تتعلق بالمبادرات والتوجهات التشريعية التي يقدمها كل من الأعضاء المذكورين انفاً، كما من المرجح أن يكون هناك توجيهات جديدة ورؤى مستقبلية تتعلق بالأولويات في عالم التكنولوجيا ما لم يستعمل الرئيس الجمهوري الحالي حق النقض ويعرقل مسار التشريعات.

تصريحات الديمقراطيين الفائزين تشير ايضاً إلى أن شركات التكنولوجيا وعمالقة الذكاء الاصطناعي سوف يواجهون ضغوطات محلية وتقييدات قانونية في المرحلة القادمة، كما من المرجح أن تكون هناك مساءلة قضائية تتعلق ببعض الملفات كالأمن السيبراني ووكالات التجسس الأميركية.  كما أن إدارة الهجرة والجمارك من المحتمل أنها سوف تواجه تحقيقات تتعلق بالعمليات التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي لتتبع الأفراد والدخول إلى ملفاتهم الشخصية حيث صرح النائب Bennie Thompson, ديمقراطي من ولاية Mississippi، بانه وحزبه من الديمقراطيين سوف يحققون في العمليات التعسفية التي طالت المواطنين التي تمت عبر أدوات الذكاء الاصطناعي وسياسات الهجرة الخارجة عن السيطرة.

مع فوز الديمقراطيين ايضاً قد نشهد عودة قانون “إصلاح حيازة تكنولوجيا المعلومات الفيدرالية” FITARA حيث ستكون هناك رقابة وتقييم للمسؤولين في الوكالات الحكومية فيما يتعلق بحيازة واستعمال تكنولوجيا المعلومات وضمان حماية الأمن السيبراني لجميع شبكات الحكومة الفيدرالية وتعزيز سبل الدفاع وعدم السماح بخرق البيانات.

فوز الديمقراطيين رافقه ايضاً فوز المجتمعات الأميركية في 10 ولايات من خلال 41 استفتاء ومبادرة شعبية توزعت في 13 ولاية. ساهمت الاستفتاءات المحلية في التأثير على القرارات التكنولوجية المصيرية التي تتعلق بـ المدن والمناطق التي شهدت هذه المبادرات.

خاض الأميركيون عشرات التصويتات المحلية التي تتعلق بمراكز البيانات وشروط انشائها منها استفتاءات إلزامية ومنها استشارية. ساهمت هذه المبادرات الشعبية والاستفتاءات التي رافقت التصويت إلى منح المواطنين قدرة قانونية على تعطيل بعض المشاريع المتعلقة بإنشاء مراكز بيانات في مناطقهم وإعادة صياغة بعض المشاريع التي تتعلق بالتكنولوجيا والصناعة والشركات المنافسة. تصويت الناخبين جاء بناء على رفضهم للسياسات الحكومية الحالية المتعلقة بتوسيع رقعة انتشار مراكز البيانات على مساحات كبيرة واستخدام الموارد الأولية من طاقة (محطات كهرباء محلية) وموارد مائية محلية لتبريد هذه المراكز، وأراضي سكنية او زراعية وتحويلها إلى أراضٍ صناعية. جاء تصويت الناخبين نتيجة قلقهم بأن هذه المراكز ستؤثر سلباً على البيئة، الضرائب، والموارد المتاحة في كل ولاية، كما أن هذا الرفض هو نتيجة فعلية لجشع الشركات الكبرى التي تحصد الأرباح ولا تساهم في إنعاش هذه المناطق اقتصادياً. لم يكتف الناخبين بالتعبير عن قلقهم عبر وسائل استطلاعات الرأي أو عبر بالاحتجاجات المحلية، بل تمت ترجمة هذه الاحتجاجات عبر حملات المرشحين التي حملوا هذه القضية وخاضوا الانتخابات على أساسها. تصويت الناخبين جاء جنباً إلى جنب داعماً المرشحين الديمقراطيين الذين تبنوا قضية حظر مراكز البيانات ودعموا هذا التوجه.  استطلاعات NBC News افادت بان 56% من الناخبين صوتوا لمرشحيهم بناء على عوامل تتعلق بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وان هذه العوامل كانت حاسمة ورئيسية لانتخاب مرشحيهم.

بحسب استفتاء Ballotpedia لنتائج مبادرات مراكز البيانات لعام 2026 في مدينة أوهايو، صوت الناخبون على 11 مبادرة حظر لمراكز البيانات من أصل 21 مبادرة تحظر إنشاء مراكز بيانات تزيد قدرتها عن 25 ميجاوات في 18 مدينة. هذا بالإضافة إلى معارضة السكان لتطوير مراكز البيانات الموزعة في تسعة عشر مدينة في الولاية.  كما صوت الناخبون بالأغلبية على أربع استفتاءات لإلغاء صفقة شركة Asheville، Edger Connex المتعلقة بتحويل المناطق السكانية الريفية إلى أحياء صناعية.

أما ولاية Illinois، فقد طرحت سبع بلديات استفتاء حول ما إذا كان ينبغي للمسؤولين السماح لشركات الذكاء الاصطناعي بإنشاء مراكز بيانات جديدة. جاء التصويت بالأغلبية معارضاً السماح ببناء مراكز البيانات في الولاية المذكورة. في ولاية كاليفورنيا صوت الناخبون في مدينة Alhambra بأغلبية 82% بحظر ومنع إنشاء مراكز بيانات في مدينتهم. صوت الناخبون أيضا في كل من Nevada Kansas , Maine, New Dakota, and Wisconsin على عدم السماح ببناء مراكز بيانات.

سبق هذا الاستفتاء، مبادرات ما بين شهر آذار وشهر أيلول في عدة ولايات California. Michigan, New Hampshire, and Wisconsin وكلها كانت لصالح حظر بناء مراكز بيانات في المناطق التي تم الاستفتاء بها.

هذه الاستفتاءات سيكون لها تداعيات في المستقبل القريب بحيث سنشهد تحجيم لمشروع البنى التحتية الرقمية المدعوم من حكومة الرئيس دونالد ترامب. كما سنشهد قوانين جديدة تتعلق بمستقبل مراكز البيانات.

على المستوى العالمي، فوز الديمقراطيين وسيطرتهم على مجلس الشيوخ ومجلس النواب لا يعكس ضعف في الموقف التنافسي الأمريكي أو في الحوكمة العالمية، بل يعكس توجه أكثر جدية وصرامة فيما يتعلق بفرض القيود التنظيمية ودعم عملية تطوير الذكاء الاصطناعي عبر آليات مراقبة وتقييم للحد من الآثار السلبية والنظم غير المضمونة.

على الصعيد الجيوستراتيجي، يمكن القول بأن تداعيات هذه الانتخابات تجاوزت المحيط الهادئ لتصل إلى قلب الصين مُحملة بتحليلات واستراتيجيات متعددة سيكون لها وقع في المرحلة القادمة.

إذا تمكن الديمقراطيين من تشريع قوانين تنعكس سلباً على تطوير النماذج المتقدمة من الذكاء الاصطناعي، أو تحد من الاستثمارات في مراكز البيانات العملاقة فقد تنشأ فجوة بين سرعة الابتكار ومتطلبات العمل التنظيمي مما سوف يعزز من موقع الصين كدولة رائدة في الذكاء الاصطناعي، ويساهم في تعزيز قدراتها التكنولوجية. أو ربما مع وجود سياسة أميركية اقل تنافسية وعدائية قد نشهد تغيير في سياسات الصين الحالية يدفعها لتبني نموذج تطوير أقل سرعة في عمليات الابتكار يجمع بين الرقابة الحكومية وتطوير تصنيع أشباه الموصلات الذكية للتقليل من الاعتماد على الاستيراد.

إن الجانب الأكثر إيجابية في انتخابات 2026 هو الاحتمالية الكبرى من توحيد الجهود العالمية لفرض قيود ومعايير تحظى بقبول دولي وإجماع عالمي. إذا نجحت واشنطن في الجمع بين التفوق التكنولوجي وإيجاد آلية لوضع معايير تنظيمية وفنية ورقابية تعتمدها الحكومات، والشركات، والأنظمة المالية والاقتصادية العالمية تكون قد أسست لممارسة شكل آخر من النفوذ العالمي يتجاوز حدود التكنولوجيا، إلى التأثير في السياسات الوطنية للدول وفرض معايير جديدة للحوكمة العالمية.

المرحلة المقبلة سوف ترسم ليس فقط الخط التنافسي بين واشنطن والصين، بل سترسم قواعد جديدة لهذا السباق يتجسد من خلال طبيعة التوازن بينهما وقدرة كل منهما في تحويل التفوق التكنولوجي إلى قواعد ونظم ومعايير تتجاوز الحدود لتصبح تشريع عالمي. تنظيم الذكاء الاصطناعي وإيجاد أطر ومعايير تنظيمية عالمية سيؤدي حتماً إلى هيمنة عالمية موازية للسيطرة على أشباه الموصلات والبيانات والطاقة.

د. نسرين مستو اسعد

دكتوراه في إدارة الاعمال وباحثة متخصصة في أبحاث الحكومة الإلكترونية والملفات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي التوليدي (تطبيقات ChatGPT). يركز عملها على النوايا السلوكية لدافعي الضرائب لاستخدام الحكومة الإلكترونية، ونظام الملفات الإلكتروني، واعتماد أدوات المحادثة بالذكاء الاصطناعي عند تعبئة الملفات الضريبية. وتركز حاليًا على التقاطع بين التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على التفوق العالمي.