عبدالرحمن الراشد
أبرز النقاط
- تواجه المؤسسات الدولية صعوبة متزايدة في التعامل الفاعل مع النزاعات المعاصرة.
- يعكس مجلس الأمن التنافس الجيوسياسي أكثر مما يعكس المسؤولية الدولية المشتركة.
- تطالب دول الجنوب العالمي بتمثيل أكبر في المؤسسات المالية والسياسية الدولية.
- تتزايد أهمية القوى المتوسطة في الوساطة الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.
- لن تحقق التعددية القطبية الاستقرار من دون مؤسسات موثوقة وقواعد مشتركة.
يمر النظام الدولي بأزمة تتجاوز مجرد تراجع دور مؤسسة دولية بعينها. فالمشكلة الأساسية تكمن في عدم مواكبة الحوكمة العالمية للتغيرات التي طرأت على توزيع القوة والنفوذ في العالم. ولا تزال المؤسسات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية تتحمل مسؤولية إدارة عالم أصبح أكثر ترابطاً اقتصادياً، وأكثر تحولاً من الناحية التكنولوجية، وأكثر تعددية من الناحية السياسية. ومع ذلك، لا تزال هياكل اتخاذ القرار فيها تعكس تسلسلاً دولياً لم يعد يتوافق بصورة كاملة مع الحقائق الجيوسياسية المعاصرة.
لا تزال الأمم المتحدة المؤسسة الدبلوماسية الأكثر شمولاً على مستوى العالم، لكن قدرتها على منع النزاعات الكبرى أو تسويتها أصبحت مقيدة بصورة متزايدة بتعارض مصالح القوى الكبرى. فقد أُنشئ مجلس الأمن لتوفير الأمن الجماعي، إلا أن العضوية الدائمة وحق النقض يمكن أن يشلا عمله في اللحظة التي تصبح فيها الحاجة إلى التعاون الدولي أكثر إلحاحاً. والمشكلة ليست أن الأمم المتحدة فقدت أهميتها، بل أن الهيكل السياسي الذي تعمل ضمنه يمنعها في كثير من الأحيان من تنفيذ ولايتها بصورة كاملة.
وتظهر تداعيات ذلك في مناطق متعددة. فالحروب والأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط، والحرب في أوكرانيا، وحالات عدم الاستقرار في أجزاء من إفريقيا، تكشف الفجوة بين البيانات الدولية والتحرك السياسي الفعلي. ولا تزال الحكومات تستحضر القانون الدولي والسيادة وحماية المدنيين، لكن تطبيق هذه المبادئ غالباً ما يتأثر بالتحالفات الاستراتيجية والحسابات الجيوسياسية.
وقد أضعف هذا التناقض الثقة بالنظام الدولي، ولا سيما لدى الدول النامية. إذ تتساءل حكومات عديدة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط عن أسباب عدم انعكاس وزنها السكاني وأهميتها الاقتصادية ومصالحها السياسية بصورة عادلة في المؤسسات التي تنظم التمويل والتجارة والأمن الدوليين.
ويعكس تنامي نفوذ مجموعة بريكس والمنصات الدبلوماسية غير الغربية الأخرى حالة من عدم الرضا عن النظام القائم. ولا ينبغي تفسير هذه المبادرات تلقائياً باعتبارها محاولات لتفكيك النظام الدولي الحالي. ففي كثير من الحالات، تعبر عن المطالبة بنظام أكثر تمثيلاً وتوازناً، يمنح الاقتصادات الناشئة صوتاً أكبر في القرارات الدولية.
لكن التعددية القطبية ليست حلاً بحد ذاتها. فالعالم الذي يضم مراكز متعددة ومتنافسة للقوة يمكن أن يصبح أكثر اضطراباً إذا افتقر إلى آليات الاتصال ومنع النزاعات وإدارة التنافس الاستراتيجي. إن استبدال مركز واحد للنفوذ بعدة مراكز متنافسة لا يضمن بالضرورة العدالة أو الاستقرار.
وهنا تبرز المسؤولية المتزايدة للقوى المتوسطة. فدول مثل السعودية وتركيا والإمارات والهند والبرازيل وإندونيسيا وجنوب إفريقيا تستطيع الإسهام في الوساطة الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي وتطوير ترتيبات الأمن الإقليمي. ولا يستمد نفوذ هذه الدول من قدراتها العسكرية والاقتصادية فحسب، بل أيضاً من قدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة تتباين مصالحها ومواقفها الجيوسياسية.
كما يتوقف مستقبل الحوكمة العالمية على إصلاح النظام الاقتصادي الدولي. فالدول النامية تواجه أعباء الديون، وعدم تكافؤ الوصول إلى رأس المال، وتكاليف التغير المناخي، والاعتماد التكنولوجي. ولذلك ينبغي للمؤسسات المالية الدولية أن تستجيب لهذه التحديات من خلال تحسين التمثيل وتوسيع تمويل التنمية وضمان وصول أكثر عدالة إلى الابتكار التكنولوجي.
وينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية. فالقرارات المتعلقة بالبيانات والخوارزميات والبنية التحتية الرقمية والمعايير التكنولوجية أصبحت تتخذ بصورة متزايدة من قبل عدد محدود من الحكومات والشركات. ومن دون مشاركة دولية أوسع، قد يؤدي التحول الرقمي إلى إعادة إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة وإيجاد أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية.
وتؤكد أجندة إصلاح الأمم المتحدة، بما في ذلك مبادرة UN80، أن إعادة هيكلة المؤسسات الدولية أصبحت موضع نقاش فعلي. لكن الكفاءة الإدارية وحدها لا تستطيع معالجة أزمة سياسية. فالإصلاح الحقيقي يتطلب استعداد القوى الكبرى لإعادة النظر في توزيع النفوذ والاعتراف بأن الشرعية الدولية لا يمكن أن تستمر اعتماداً على الامتيازات التاريخية وحدها.
إن العالم لا يحتاج بالضرورة إلى إنشاء مؤسسة دولية جديدة، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قائمة وفاعلة تطبق مبادئ متسقة وتعكس حقائق القوة المعاصرة. فهو يحتاج إلى مجلس أمن قادر على الاستجابة للأزمات، ومؤسسات مالية توفر فرصاً عادلة، وآليات دولية تحمي السيادة من دون انتقائية.
إن الخطر الأكبر ليس في التعددية القطبية ذاتها، بل في عالم تتوزع فيه القوة بصورة متزايدة بينما تتجزأ المسؤولية الدولية. ومن دون مؤسسات عالمية موثوقة، قد تتحول السياسة الدولية إلى منافسة يحدد فيها الأقوى القواعد ويتحمل الأضعف نتائجها.
وسيتوقف مستقبل النظام الدولي على قدرة الحكومات على تحويل التعددية القطبية من مصدر للتنافس إلى إطار للمسؤولية المشتركة. فلم يعد الخيار مقتصراً على المفاضلة بين القيادة الغربية وصعود القوى الناشئة، بل أصبح بين نظام دولي مجزأ ونظام عالمي أكثر تمثيلاً وعدالة.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
