سامية مهنا
أبرز النقاط
- أصبح الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات أدوات رئيسية للقوة الجيوسياسية.
- تجاوز التنافس الأمريكي الصيني الرسوم الجمركية والقدرات العسكرية التقليدية.
- تعيد القيود التكنولوجية والاعتماد على المعادن الاستراتيجية تشكيل التجارة الدولية.
- تحتل تايوان وكوريا الجنوبية واليابان وأوروبا مواقع محورية في هذه المنافسة.
- ستؤثر السيطرة على الحوسبة والطاقة والمعايير التقنية في شكل النظام الدولي المقبل.
قد لا تُحسم المواجهة الجيوسياسية الكبرى المقبلة بحجم الجيوش أو عدد حاملات الطائرات المنتشرة في المحيطات، بل بمن يمتلك السيطرة على المعالجات والخوارزميات ومراكز البيانات وأنظمة الطاقة والمعادن الاستراتيجية التي تشغل الاقتصاد العالمي. فقد دخل التنافس بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة لم تعد فيها البنية التحتية التكنولوجية مجرد أصل اقتصادي، بل أصبحت أداة من أدوات القوة الوطنية.
وتقدم صناعة أشباه الموصلات مثالاً واضحاً على هذا التحول. فالرقائق المتقدمة أصبحت ضرورية للذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية والاتصالات والأتمتة الصناعية والأبحاث العلمية. ويعتمد إنتاجها على شبكة دولية شديدة التخصص تشمل مصممي الرقائق الأمريكيين، ومصنعي المعدات الأوروبيين، وموردي المواد اليابانيين، ومنتجي الذاكرة في كوريا الجنوبية، ومصانع التصنيع التايوانية. ويحقق هذا الترابط كفاءة تكنولوجية هائلة، لكنه يخلق في الوقت نفسه نقاط ضعف استراتيجية.
تنظر واشنطن بصورة متزايدة إلى القيود المفروضة على تصدير تقنيات الحوسبة المتقدمة باعتبارها أداة للأمن القومي. وفي المقابل، تسعى بكين إلى تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية وتوسيع إنتاج أشباه الموصلات محلياً وتعزيز سيطرتها على سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية. وتدرك الحكومتان أن الاعتماد التكنولوجي يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في أوقات المواجهة.
وتكشف قضية معالجات H200 التابعة لشركة إنفيديا عن تعقيدات هذا التنافس. فالإطار الأمريكي يسمح بدراسة بعض طلبات التصدير إلى الصين على أساس كل حالة على حدة، بينما تواصل بكين فرض ضوابط على دخول هذه المعالجات إلى سوقها المحلية. كما أن التقارير عن تراكم كميات من هذه المعالجات في هونغ كونغ توضح أن الوصول إلى التكنولوجيا لا يتحدد بالقدرة التصنيعية فقط، بل بالقرارات التنظيمية والحسابات الاستراتيجية أيضاً.
ويكشف إلغاء اتفاق حوسبة للذكاء الاصطناعي بين أوراكل وتينسنت عن بعد إضافي في المنافسة. فالصراع لم يعد يقتصر على شحن الرقائق عبر الحدود، بل امتد إلى الوصول إلى البنية التحتية السحابية ومراكز الحوسبة الموجودة خارج الأراضي الصينية.
ومع ذلك، فإن القيود التكنولوجية لها حدود. فهي قد تبطئ التقدم التقني لدى المنافس، لكنها قد تدفعه أيضاً إلى تسريع الاستثمار في البدائل المحلية، وبناء سلاسل إمداد موازية، وتعميق انعدام الثقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ولذلك ينبغي تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي والتكاليف بعيدة المدى للتجزئة التكنولوجية.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية لتايوان بصورة خاصة. فامتلاكها قدرات متقدمة في تصنيع أشباه الموصلات يجعلها جزءاً محورياً من الأمن الاقتصادي العالمي. وأي اضطراب كبير في إنتاجها سينعكس على قطاعات صناعية تتجاوز حدود شرق آسيا بكثير. وبالتالي، لا تقتصر أهمية تايوان على ميزان القوى العسكري في مضيق تايوان، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد الدولي نفسه.
وتواجه أوروبا تحدياً مشابهاً. فهي تمتلك قدرات صناعية وبحثية مهمة، لكنها لا تزال تعتمد على موردين خارجيين في عدد من التقنيات الاستراتيجية. ولا ينبغي أن تعني السيادة التكنولوجية الانعزال الاقتصادي، بل تنويع سلاسل الإمداد والاستثمار في الأبحاث وحماية الملكية الفكرية وبناء شراكات موثوقة.
كما يزداد دور الشرق الأوسط أهمية. فدول الخليج تمتلك رؤوس الأموال ومصادر الطاقة والموقع الجغرافي والاستراتيجيات الطموحة للتحول الرقمي. ويمكن لاستثماراتها في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المتقدمة أن تجعلها أطرافاً مؤثرة في النظام التكنولوجي المقبل. لكن هذه الطموحات تحتاج إلى طاقة موثوقة ورأس مال بشري مؤهل وبيئة تنظيمية مستقرة وإدارة حذرة للشراكات الأمنية الدولية.
إن الخطأ الأكبر هو اختزال المنافسة التكنولوجية في صراع بين الشركات الأمريكية والصينية. فالمواجهة الحقيقية تدور حول المعايير وحوكمة البيانات والقدرات الصناعية والوصول إلى الموارد والقواعد التي ستحدد مستقبل الاقتصاد الرقمي.
لا يدخل العالم بالضرورة حرباً باردة جديدة بمفهومها العسكري التقليدي، بل مرحلة تتزايد فيها أهمية الشبكات الاقتصادية والخوارزميات والاعتماد التكنولوجي في تحديد توزيع القوة الجيوسياسية. والدول التي تستوعب هذا التحول مبكراً لن تكون مجرد أطراف مشاركة في النظام الدولي المقبل، بل ستساهم في صياغته.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
