طارق اللامي
أبرز النقاط
- أعادت الحرب في أوكرانيا تشكيل الحسابات الأمنية الأوروبية بصورة جوهرية.
- يجب أن يحافظ أي اتفاق على سيادة أوكرانيا ويوفر ضمانات أمنية موثوقة.
- لا تزال الولايات المتحدة شريكاً أساسياً، لكن أوروبا لا تستطيع تفويض أمنها بصورة دائمة.
- ستظل العلاقة بين روسيا وحلف الناتو محوراً أساسياً في مستقبل الدفاع الأوروبي.
- إن وقف إطلاق النار من دون ضمانات قابلة للتنفيذ قد يؤجل الصراع بدلاً من إنهائه.
تواجه أوروبا أزمة أمنية تتجاوز حدود ساحة المعركة في أوكرانيا. فقد كشفت الحرب عن حدود منظومة الأمن الأوروبية التي تشكلت بعد الحرب الباردة، وأعادت التشكيك في الاعتقاد بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل والحوار الدبلوماسي والتعاون المؤسسي كفيلة بمنع اندلاع حرب كبرى في القارة الأوروبية. وما بدأ باعتباره حرباً تتعلق بسيادة أوكرانيا تحول إلى اختبار حاسم للنظام الدولي ومصداقية التحالفات الغربية وقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها.
تمثل المحادثات الدبلوماسية المرتقبة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر 2026 فرصة مهمة. غير أن نجاحها لا ينبغي أن يقاس بمجرد الإعلان عن وقف لإطلاق النار، بل بقدرتها على إنشاء ترتيبات تحد من احتمالات تجدد العدوان، وتحافظ في الوقت نفسه على حق أوكرانيا السيادي في تقرير مستقبلها.
إن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تحقيق السلام. فمن دون ضمانات أمنية موثوقة وآليات مراقبة وإجراءات واضحة لمعالجة الانتهاكات، قد يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة تتيح للأطراف إعادة بناء قدراتها العسكرية. ولا يمكن مطالبة أوكرانيا بالتخلي عن أمنها طويل الأمد مقابل تعهدات دبلوماسية غامضة.
كذلك ينبغي فهم الحسابات الروسية ضمن الإطار الاستراتيجي الأوسع. تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها والحد من التوسع العسكري لحلف الناتو والحصول على نتيجة سياسية مواتية. لكن الضغط العسكري وحده لا يستطيع إنتاج الاعتراف السياسي اللازم لتسوية مستدامة. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت تكاليفها الاقتصادية والديموغرافية والدبلوماسية على روسيا وجيرانها.
وتواجه أوروبا حقيقة غير مريحة تتمثل في استمرار ارتباط أمنها بالقدرات العسكرية الأمريكية والاستخبارات والقيادة الاستراتيجية لواشنطن. غير أن هذا الاعتماد يخلق نقاط ضعف عندما تتغير الحسابات السياسية الأمريكية أو تتباين أولويات الإدارات المتعاقبة. ولذلك يتعين على الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تعزيز قدرتهما على العمل الجماعي وبناء الردع والحفاظ على دعم إعادة إعمار أوكرانيا.
ولا يتعلق الأمر بالتخلي عن الشراكة عبر الأطلسي، بل بتحويلها إلى علاقة أكثر توازناً تتحمل فيها الدول الأوروبية حصة أكبر من مسؤولية أمنها.
كما غيرت الحرب مفهوم الدفاع الأوروبي. فلم يعد الاستعداد العسكري مقتصراً على نشر القوات أو زيادة الموازنات الدفاعية، بل أصبح يشمل إنتاج الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية وأمن الطاقة والقدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية طويلة الأمد.
وتتجاوز التداعيات الجيوسياسية حدود أوروبا. فالصين ودول الجنوب العالمي والقوى المتوسطة تراقب ما إذا كان التحالف الغربي قادراً على تحويل مبادئه المعلنة إلى تسوية دبلوماسية واقعية. وأي اتفاق يتجاهل سيادة أوكرانيا سيضعف مصداقية القانون الدولي، في حين أن استمرار الحرب من دون أفق دبلوماسي سيقوض الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على إدارة النزاعات.
لذلك ينبغي لأوروبا تجنب خطأين استراتيجيين: الاعتقاد بأن التصعيد العسكري سيحقق تلقائياً انتصاراً سياسياً، والاعتقاد بأن وقف إطلاق النار من دون ضمانات قابلة للتنفيذ سيؤسس لسلام دائم.
إن مستقبل الأمن الأوروبي لن يتحدد حصراً في كييف أو موسكو أو واشنطن أو بروكسل، بل بقدرة هذه العواصم على بناء إطار يجمع بين الردع والدبلوماسية واحترام السيادة. ولا ينبغي أن تتحول نهاية اليقين الاستراتيجي إلى بداية الشلل الاستراتيجي.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
