جيك ساليفان
أبرز النقاط
- كشفت المواجهة الإقليمية حدود الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الخارجية.
- يتجه التعاون الدفاعي السعودي التركي الباكستاني نحو صيغة أكثر تنظيماً.
- تسعى دول الخليج إلى الجمع بين الجاهزية العسكرية والانخراط الدبلوماسي.
- لا يمكن استبعاد إيران من أي ترتيبات أمنية إقليمية مستدامة.
- مستقبل المنطقة يتطلب آليات تعاون إقليمي ومسؤولية أمنية مشتركة.
يقف الشرق الأوسط أمام منعطف استراتيجي بالغ الأهمية. فقد أظهرت المواجهة الأخيرة التي شملت إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي. يمكن اعتراض الصواريخ، وحماية المنشآت، وإضعاف القدرات العسكرية، لكن أياً من هذه النتائج لا يكفي بمفرده لإقامة نظام إقليمي مستدام. ما يتشكل اليوم هو شرق أوسط أكثر تعقيداً، تعيد فيه الحكومات تقييم تحالفاتها، وتنويع شراكاتها الأمنية، والتشكيك في الافتراضات التي حكمت العلاقات الإقليمية لعقود.
اعتمد أمن الخليج، منذ نهاية الحرب الباردة، بصورة كبيرة على الحماية العسكرية الأمريكية. فقد وفرت واشنطن الأسلحة المتطورة والتعاون الاستخباراتي والقدرات البحرية والوجود العسكري الواسع. غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن مواطن ضعف في هذه المعادلة. فاستضافة القواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية لا تعني بالضرورة تحييد الدولة المضيفة عن تداعيات المواجهات. بل قد يتحول إقليمها، في ظروف معينة، إلى جزء من ساحة الصراع الأوسع.
وقد دفعت هذه الحقيقة دول المنطقة إلى إعادة التفكير في ترتيبات الدفاع الإقليمي. ويشكل التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان تطوراً مهماً في هذا الاتجاه. فبنود الدفاع المشترك والتعاون الاستخباراتي والطموحات المرتبطة بالصناعات الدفاعية تعكس اهتماماً متزايداً ببناء آليات أمنية إقليمية تكمل الضمانات الخارجية ولا تعتمد عليها بصورة مطلقة. إلا أن فاعلية هذا التعاون ستظل مرتبطة بالتنسيق السياسي والتوافق العسكري والتحديد الواضح لالتزامات الأطراف.
ويعكس الموقف الإماراتي جانباً آخر من هذا التحول. فقد طورت أبوظبي سياسة خارجية تجمع بين القدرات الدفاعية القوية والتنويع الاقتصادي والانخراط الدبلوماسي النشط. إن تركيزها على منع التصعيد الإقليمي يعكس إدراكاً بأن تكاليف المواجهة لا تتوقف عند حدود الميدان العسكري. فصادرات الطاقة والتجارة البحرية والاستثمارات وثقة الأسواق الدولية كلها تتأثر عندما يتحول الخليج إلى ساحة للتنافس العسكري.
أما السعودية، فتواجه معادلة استراتيجية معقدة. فطموحاتها في تحويل الاقتصاد وتعزيز مكانتها الدولية تتطلب بيئة مستقرة، لكن أمن منشآتها الحيوية وطرق تصدير الطاقة عبر البحر الأحمر وعلاقاتها مع الدول المجاورة تظل معرضة لمخاطر عدم الاستقرار. لذلك، فإن تنويع الشراكات الدفاعية ليس مجرد خيار عسكري، بل ضرورة اقتصادية وجيوسياسية.
وفي المقابل، تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية مركزية. فصناعاتها العسكرية وموقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الدبلوماسية تمنحها نفوذاً يمتد من الشرق الأوسط إلى البحر الأسود والبحر المتوسط. ويمكن أن يعزز التعاون مع السعودية وباكستان هذا الدور، وإن كان على أنقرة الموازنة بين التزاماتها الجديدة ومتطلبات عضويتها في حلف شمال الأطلسي وأولوياتها الإقليمية.
أما إيران، فلا يمكن استبعادها من أي إطار أمني إقليمي مستدام. فالعلاقات بينها وبين دول الجوار تتأثر بانعدام الثقة التاريخي والتنافس الاستراتيجي والمخاوف الأمنية المتبادلة. إن التعامل مع إيران باعتبارها مشكلة عسكرية فقط قد يعيد إنتاج الظروف التي تقود إلى مواجهة جديدة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة دول الجوار بقبول سياسات الإكراه أو التهديد لسيادتها ومنشآتها الحيوية. وأي تسوية قابلة للاستمرار ينبغي أن تراعي المخاوف الأمنية الإيرانية والاحتياجات المشروعة لدول المنطقة.
إن الدرس الأهم من الأزمة الراهنة هو أن الشرق الأوسط لا يستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في تفويض أمنه إلى القوى الخارجية. ستبقى القوى الدولية مؤثرة، لكن الحكومات الإقليمية تدرك بصورة متزايدة أن استقرارها طويل الأمد يتطلب آليات أكثر فاعلية للاتصال وإدارة الأزمات والدفاع المشترك.
لن يكون النظام الإقليمي المقبل بالضرورة قائماً على اختفاء النفوذ الأمريكي أو ظهور قوة مهيمنة واحدة. بل سيتحدد بقدرة دول المنطقة على إدارة التنافس من دون تحويله إلى صراعات دائمة. والتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من منظومة الاعتماد الأمني المتبادل والمتنافس إلى إطار يقوم على المسؤولية المشتركة.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
