الدكتور شهاب المكاحلة
أبرز النقاط
- يمثل فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونغرس انتكاسة سياسية مهمة للرئيس دونالد ترامب.
- ستزداد الرقابة التشريعية على الإنفاق العسكري والالتزامات الأمريكية الخارجية.
- يحتفظ الرئيس بصلاحيات دستورية واسعة في مجالات الدبلوماسية والعمليات العسكرية والأمن القومي.
- ستواجه الدول الحليفة والخصوم حالة أكبر من عدم اليقين بشأن استمرارية السياسة الأمريكية.
- لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لضمان النفوذ؛ إذ أصبحت المصداقية المؤسسية والسياسية عاملاً حاسماً.
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد تحول في موازين القوى داخل واشنطن، بل حملت رسالة سياسية تتجاوز حدود الولايات المتحدة. فقد أدى نجاح الديمقراطيين في السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى تغيير البيئة السياسية التي سيعمل ضمنها الرئيس دونالد ترامب خلال العامين الأخيرين من ولايته. لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحجم الانتكاسة التي تعرض لها الرئيس، بل بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استراتيجية دولية متماسكة في ظل الانقسامات المتزايدة داخل مؤسساتها السياسية.
من الضروري التمييز بين صلاحيات الكونغرس والسلطة التنفيذية. يستطيع الكونغرس فتح التحقيقات، ومراقبة الموازنات، والتدقيق في النفقات العسكرية، وعرقلة التشريعات والمبادرات الحكومية. كما يمكنه التأثير في النقاش الوطني بشأن الالتزامات الأمريكية في الخارج. ومع ذلك، يحتفظ الرئيس بصلاحيات دستورية مهمة في مجالات السياسة الخارجية والدبلوماسية والقيادة العسكرية واتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن القومي. لذلك، فإن النتيجة المرجحة ليست انقلاباً فورياً على السياسة الخارجية الأمريكية، وإنما دخولها مرحلة أكثر تعقيداً وتعرضاً للتجاذبات السياسية.
بالنسبة إلى حلفاء واشنطن، ولا سيما في أوروبا والشرق الأوسط، تفرض هذه المعادلة حسابات استراتيجية جديدة. فلم يعد من الممكن افتراض أن أي التزام أمريكي تعلنه إدارة رئاسية سيحظى بالضرورة بالدعم السياسي نفسه داخل جميع مؤسسات واشنطن. وفي المقابل، لا يعني معارضة الكونغرس أن السياسة الخارجية ستتغير تلقائياً.
وسيكون الشرق الأوسط الاختبار الأول لهذه المعادلة. فالمواجهة مع إيران، وأمن الممرات البحرية، ومستقبل غزة، والعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، ستظل ملفات تتطلب قرارات من البيت الأبيض. وقد يؤدي انقسام الكونغرس إلى زيادة الرقابة على العمليات العسكرية وصفقات السلاح والالتزامات المالية، لكنه لا يعني بالضرورة منع الإدارة من مواصلة سياستها الإقليمية.
أما في أوروبا، فإن تداعيات الانتخابات ستنعكس على الحرب في أوكرانيا ومستقبل منظومة الأمن الأوروبي. وقد تتيح الضغوط التشريعية مراجعة المساعدات المقدمة لكييف وتعزيز التنسيق عبر الأطلسي. لكن على الحكومات الأوروبية أن تدرك أن الخلافات السياسية الأمريكية لا تشكل بديلاً عن استراتيجية أوروبية مستقلة. فالاستقلال الاستراتيجي يحتاج إلى قدرات صناعية واستثمارات دفاعية وتنسيق سياسي حقيقي.
وستراقب الصين بدورها ما إذا كانت الانقسامات الداخلية ستؤثر في قدرة واشنطن على الحفاظ على سياسة مستقرة تجاه التجارة والتكنولوجيا والأمن الإقليمي. وقد ترى بكين فرصاً في حالة عدم اليقين الأمريكية، غير أن التنافس مع الصين لا يزال من القضايا القليلة التي يمكن أن تحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
لقد كشفت الانتخابات، في جوهرها، عن تناقض أساسي في القوة الأمريكية: فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية هائلة، لكن قدرتها على تقديم دور دولي يمكن التنبؤ به أصبحت أكثر ارتباطاً بالصراعات السياسية الداخلية.
وسيكون العامان المقبلان اختباراً لمرونة المؤسسات الأمريكية وليس للرئاسة وحدها. فالعالم لا يحتاج بالضرورة إلى الولايات المتحدة التي تهيمن على كل أزمة، بل إلى الولايات المتحدة التي يمكن فهم التزاماتها، وتوقع سياساتها، والاعتماد على شراكاتها الدولية رغم تغير الإدارات.
إن الخطر الاستراتيجي الأكبر على واشنطن قد لا يكون في صعود خصومها بصورة مفاجئة، بل في اقتناع حلفائها تدريجياً بأن القوة الأمريكية ما زالت هائلة، لكن سياساتها أصبحت أكثر صعوبة في التوقع والثقة.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
