ناقلة للغاز الطبيعي المسال تظهر كظل عند الفجر في مضيق ضيق، فيما تتصاعد شعلة غاز في الأفق البعيد.
إعداد هيئة التحليل في جيوستراتيجيك ميديا | 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026
تدخل أوروبا فصل الشتاء ومخزوناتها من الغاز ممتلئة بنحو ثلاثة أرباع طاقتها فقط، فيما لا يزال أحد أهم مسارات الإمداد مغلقاً إلى حد كبير، ويعرض مورد مألوف نفسه مجدداً بوصفه الحل. وستختبر الأسابيع المقبلة أمن الطاقة الأوروبي بدرجة لم يشهدها القارة منذ خريف عام 2022.
الأرقام وراء أزمة الإمدادات
بلغ سعر الغاز المرجعي الهولندي «تي تي إف» نحو 97.50 يورو لكل ميغاواط/ساعة في 26 أكتوبر/تشرين الأول، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2022، قبل أن يتراجع إلى نحو 96 يورو يوم الثلاثاء، بعد أربع جلسات متتالية من الارتفاع.
وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول، بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي 74.6%، وهو مستوى يصفه محللون بأنه الأدنى في هذا الوقت من السنة منذ بدء تسجيل البيانات عام 2009.
ودفعت درجات الحرارة المنخفضة عدة دول أوروبية إلى البدء بسحب الغاز من مخزوناتها في وقت أبكر من المعتاد. كما أدى توقف الإنتاج في حقل أوسيبيرغ النرويجي إلى تقليص إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب. وتشير التوقعات إلى بداية أكثر برودة من المعتاد لشهر نوفمبر/تشرين الثاني في شمال أوروبا.
لكن السبب الأعمق لهذه الضغوط يكمن في الخليج. فبعد أن كانت قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم قبل الحرب مع إيران، تراجعت شحناتها إلى مستويات محدودة للغاية منذ نحو سبعة أشهر.
وأعلنت شركة قطر للطاقة تعرض وحدتين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز لأضرار. في المقابل، تقدر شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة أن حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز في أكتوبر/تشرين الأول انخفضت بنحو 75% مقارنة بمستويات ما قبل التصعيد.
ومن المتوقع أن تبلغ واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال خلال أكتوبر/تشرين الأول نحو 9.1 ملايين طن، مقارنة بـ10.6 ملايين طن في الفترة نفسها من العام الماضي. وفي الوقت ذاته، يتنافس المشترون الآسيويون على الشحنات المرنة نفسها، ما يزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة.
فجوة الأسعار تكشف جانباً من الأزمة
في 22 أكتوبر/تشرين الأول، استقر سعر الغاز الأميركي في مركز «هنري هب» قرب 2.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما تجاوز سعر الغاز الأوروبي في مؤشر «تي تي إف» 90 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي ما يعادل نحو 30 دولاراً.
وهذا يعني وجود فارق سعري يبلغ نحو أحد عشر ضعفاً.
وتوضح هذه الفجوة دلالة اتفاق مهم أعلنته شركة «تشينير»، التي أبرمت اتفاقين طويلَي الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال إلى قطر للطاقة، بإجمالي أربعة ملايين طن سنوياً من الغاز الأميركي القادم من ولايتي لويزيانا وتكساس.
إن اضطرار منتج خليجي إلى شراء الغاز الأميركي للوفاء بالتزاماته التعاقدية الخاصة يكشف حجم القيود المفروضة على مسارات تصديره، كما يوضح مدى تحول الإمدادات الأميركية إلى صمام أمان للسوق العالمية.
العرض الروسي: موسكو تسعى إلى استثمار الأزمة
في ظل هذه التطورات، عقد منتدى الدول المصدرة للغاز قمته الثامنة في موسكو يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول. ووفقاً لوكالة «ريا نوفوستي»، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن محاولات استبعاد روسيا من سوق الغاز العالمية ستكون لها عواقب خطيرة.
وقال بوتين إن العقوبات تضر بالمنتجين والمستهلكين على حد سواء. كما أشار إلى أن الدول الأعضاء في المنتدى تمتلك نحو 70% من احتياطيات الغاز العالمية، وهو رقم يستند إلى الطرح الروسي.
واعتمد المشاركون «إعلان موسكو»، وأشارت وسائل إعلام روسية إلى وجود توجه نحو الاستجابة بصورة مشتركة لأزمات الغاز.
ويأتي هذا الخطاب في توقيت ملائم سياسياً لموسكو. فالاتحاد الأوروبي لا يزال يؤكد هدفه المعلن المتمثل في إنهاء الاعتماد على الطاقة الروسية، لكن نقص المخزونات الأوروبية يجعل كل شحنة إضافية ذات أهمية كبيرة.
وتسعى موسكو إلى تقديم نفسها مورداً موثوقاً في وقت يدفع فيه المشترون الأوروبيون أسعاراً مرتفعة مقابل البدائل المتاحة.
مع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في قدرة المنتدى على التحرك ككتلة موحدة. فمصالح أعضائه متباينة، كما تضم عضويته قطر وإيران، اللتين أضر الصراع بينهما بقدرات التصدير القطرية. ولذلك، فإن بناء «كارتل» منسق للغاز أكثر صعوبة بكثير من النموذج المعروف في سوق النفط.
استشراف المستقبل: ماذا ينتظر أوروبا خلال الستين يوماً المقبلة؟
السيناريو الأساسي: استمرار الأسعار المرتفعة والمتقلبة.
من المرجح أن تبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة، مع تأثرها بالتطورات الدبلوماسية في الخليج. وفي هذه الحالة، ستتراجع المخزونات بوتيرة أسرع من المعتاد، ما يقلص هامش الأمان المتاح مع اقتراب شهر فبراير/شباط.
سيناريو الصدمة: ارتفاع جديد وحاد في الأسعار.
قد تؤدي موجة برد شديدة أو هجمات جديدة على الملاحة البحرية إلى دفع الأسعار فوق مستوياتها المرتفعة الأخيرة، بما قد يستدعي اتخاذ إجراءات طارئة، مثل تقليص الاستهلاك الصناعي أو اللجوء إلى عمليات شراء جماعية.
سيناريو الانفراج: استئناف حركة الغاز عبر مضيق هرمز.
إن إعادة فتح المضيق أمام حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال بصورة يمكن التحقق منها ستؤدي إلى خفض علاوة المخاطر بسرعة. غير أن إصلاح وحدات التسييل القطرية المتضررة سيحتاج إلى وقت إضافي.
وهناك ثلاثة مؤشرات رئيسية ينبغي مراقبتها: معدلات السحب الأسبوعي من المخزونات، وبيانات عبور ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، ومدى قدرة الصادرات الأميركية على استيعاب الطلب الإضافي.
وإذا استمرت الأسعار في الارتفاع، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط السياسية المطالبة بتخفيف القيود المرتبطة بروسيا. وبذلك، لن يكون شتاء أوروبا اختباراً مادياً لأمن الطاقة فحسب، بل اختباراً سياسياً أيضاً.
المصادر الواردة في النص الأصلي: تقارير مستندة إلى رويترز نقلتها OGJ وOilPrice، ومجلة Forbes، وتحليلات Goldman Sachs، وKpler، وريا نوفوستي، وإنترفاكس، خلال الفترة من 22 إلى 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
