د. شهاب المكاحله
لم يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل يقتصر على المساعدات العسكرية أو التنسيق الأمني أو الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية. ففي ظل إدارة دونالد ترامب، يتخذ هذا الدعم أبعاداً سياسية أكثر مباشرة، تصل إلى التدخل في حسابات الانتخابات الإسرائيلية، وتحديد الشخصية التي ترى واشنطن أنها الأنسب لقيادة المرحلة المقبلة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل باتت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تسمح للرئيس الأمريكي بالتأثير في خيارات الناخب الإسرائيلي، أم أن هذا السلوك يتجاوز حدود التحالف التقليدي إلى محاولة التأثير في القرار الديمقراطي لدولة حليفة؟
يواجه بنيامين نتنياهو استحقاقاً سياسياً بالغ التعقيد. فعلى الرغم من سنوات طويلة في السلطة، لا تزال تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023، والحرب التي تلته، والانقسامات الداخلية، والضغوط الدولية، تلقي بظلالها على مستقبله السياسي. وتحمّله قطاعات من المعارضة والمجتمع الإسرائيلي مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم، فضلاً عن طريقة إدارة الحرب وما ترتب عليها من خسائر بشرية وتكاليف سياسية واقتصادية. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على حماية إسرائيل في بيئة إقليمية مضطربة، مستثمراً المخاوف الأمنية لتعبئة قاعدته الانتخابية وإقناع المترددين بأن البديل قد يكون أكثر خطورة.
غير أن دخول ترامب المباشر على خط المنافسة يمنح نتنياهو ورقة إضافية في معركة لا تبدو محسومة. فعندما يعلن الرئيس الأمريكي دعمه الواضح لرئيس الحكومة الإسرائيلية، أو يقدّمه بوصفه الخيار الأفضل للمرحلة المقبلة، فإنه لا يوجّه رسالة إلى الإسرائيليين وحدهم؛ بل يبعث بإشارة إلى المنطقة والعالم مفادها أن واشنطن ما زالت ترى في نتنياهو شريكاً أساسياً في تنفيذ رؤيتها للشرق الأوسط. وقد يستفيد نتنياهو من هذا الدعم لتعزيز صورته أمام أنصاره، لكنه قد يواجه أيضاً نتيجة عكسية، إذ يمكن أن يرى خصومه في الموقف الأمريكي دليلاً على اعتماده المتزايد على الخارج لتعويض تراجع رصيده الداخلي.
التحالف لا يمنح حق التدخل
من الطبيعي أن تكون للولايات المتحدة مصالح استراتيجية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية، كما أن من حق ترامب التعبير عن تفضيلاته السياسية. لكن ثمة فارقاً بين إبداء الرأي ومحاولة التأثير في إرادة الناخبين. فالعلاقات الوثيقة بين الدول لا تلغي استقلال القرار السياسي، ولا تمنح زعيم دولة حليفة حق التعامل مع الانتخابات في الدولة الأخرى وكأنها شأن داخلي تابع لمصالحه.
وتزداد حساسية المسألة عندما يأتي الدعم الأمريكي في لحظة تتصاعد فيها المنافسة داخل إسرائيل، وتبحث المعارضة عن بديل قادر على إنهاء حقبة نتنياهو. فبدلاً من ترك الصندوق يحسم الصراع، قد تسهم المواقف الخارجية الصريحة في تحويل الانتخابات إلى اختبار للولاء لواشنطن، لا إلى نقاش حول المسؤولية السياسية والأمن القومي ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين والعالم العربي.
ومن هذه الزاوية، يبدو موقف ترامب خروجاً عن المألوف في إدارة العلاقات بين الحلفاء، لا لأن الولايات المتحدة لم تؤثر تاريخياً في السياسة الإسرائيلية، بل لأن التدخل العلني في تحديد من ينبغي أن يقود الحكومة يضعف صورة العملية الديمقراطية ويثير تساؤلات عن حدود النفوذ الأمريكي. وإذا كانت واشنطن تؤكد باستمرار أهمية المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون، فإن اتساق خطابها يقتضي احترام استقلال الناخب الإسرائيلي، حتى عندما لا تتوافق خياراته المحتملة مع تفضيلات البيت الأبيض.
«إسرائيل الكبرى» ومأزق الحسابات الإقليمية
لا تنحصر المنافسة الإسرائيلية في هوية رئيس الحكومة المقبل، بل تتصل بطبيعة المشروع السياسي والأمني الذي ستتبناه الدولة في السنوات المقبلة. فقد أثارت الخطابات المرتبطة بفكرة «إسرائيل الكبرى»، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية والتوسع الاستيطاني، مخاوف عربية ودولية من أن تكون القوة العسكرية مدخلاً لإعادة رسم الوقائع على الأرض، على حساب الحقوق الفلسطينية واستقرار الدول المجاورة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مواقف نتنياهو وحلفائه الأكثر تشدداً وبين جميع القوى المعارضة له. فالخلاف داخل إسرائيل لا يعني بالضرورة وجود إجماع بديل على إنهاء الاحتلال أو التخلي عن السياسات التوسعية. وقد تتمحور اعتراضات قطاعات من المعارضة حول إدارة الحرب، وكلفة العزلة الدولية، ومستقبل العلاقات مع أوروبا، ومكانة إسرائيل الاستراتيجية، أكثر مما تتمحور حول تغيير جذري في التعامل مع الفلسطينيين.
وهذه نقطة أساسية في فهم المشهد: سقوط نتنياهو، إن حدث، لن يعني تلقائياً تحولاً في السياسة الإسرائيلية. فقد يأتي رئيس حكومة جديد بخطاب أقل صدامية وقدرة أكبر على استعادة العلاقات الدولية، من دون أن يتراجع بالضرورة عن السياسات التي تمس حقوق الفلسطينيين. لذلك، فإن الرهان على التغيير في الشخص وحده قد يكون مضللاً ما لم يقترن بتحول ملموس في القرارات والممارسات.
واشنطن والحرب المحتملة مع إيران
يكتسب الدعم الأمريكي لنتنياهو بعداً أكثر خطورة إذا ارتبط بتصعيد المواجهة مع إيران. فالتقارب السياسي بين الرجلين قد يسهّل اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية كبيرة، لكنه لا يضمن أن تكون هذه القرارات في مصلحة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو المنطقة. وأي مواجهة واسعة مع طهران لن تبقى محصورة بين الطرفين؛ إذ قد تمتد تداعياتها إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتؤثر في أسواق الطاقة والتجارة والملاحة الدولية.
كما أن الانتخابات، سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل، قد تدفع بعض السياسيين إلى تبني مواقف أكثر تشدداً لإثبات القوة أمام قواعدهم الداخلية. لكن تحويل الحسابات الانتخابية إلى مبرر للتصعيد العسكري يهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، يصعب التنبؤ بنهايته أو السيطرة على نتائجه.
ولا ينبغي تجاهل أن الدول العربية ستكون من بين الأطراف الأكثر تأثراً بأي حرب إقليمية واسعة. فاستقرار الخليج وأمن الممرات البحرية وأسعار الطاقة وحركة التجارة كلها مصالح مباشرة لا تحتمل المغامرة. ومن ثم، فإن أي توجه نحو مواجهة جديدة مع إيران يجب أن يُقاس بنتائجه الاستراتيجية الفعلية، لا بقدرته على منح هذا الزعيم أو ذاك مكسباً انتخابياً مؤقتاً.
العزلة الدولية ليست تفصيلاً عابراً
تواجه إسرائيل أيضاً تحدياً متزايداً في صورتها الدولية. فقد أدت الحرب في غزة، وما صاحبها من دمار ومعاناة إنسانية، إلى اتساع الانتقادات الشعبية والسياسية في دول غربية، وإلى تزايد الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي. كما أصبحت العلاقات الإسرائيلية مع بعض الحكومات الأوروبية أكثر توتراً، في وقت تواجه فيه القيادة الإسرائيلية ضغوطاً قانونية ودبلوماسية متنامية.
وتتطلب الدقة هنا التمييز بين القرارات القضائية والاتهامات والمواقف السياسية؛ فلكل منها وضع قانوني مختلف. غير أن الأثر السياسي واضح: لم يعد بوسع إسرائيل افتراض أن الدعم الغربي سيبقى بلا شروط أو أن الانتقادات الدولية ستظل محدودة التأثير. وقد يؤدي استمرار النهج الحالي إلى توسيع الفجوة بينها وبين قطاعات من الرأي العام الغربي، حتى في الدول التي ظلت تقليدياً من أبرز حلفائها.
ومن المفارقات أن الدعم الأمريكي غير المشروط قد يخفف الضغوط عن الحكومة الإسرائيلية في المدى القصير، لكنه قد يشجعها في الوقت نفسه على تجاهل الكلفة الاستراتيجية لسياساتها. فالحليف الذي يوفر الغطاء السياسي والعسكري من دون ممارسة ضغط فعلي لتغيير المسار قد يتحول، من حيث النتيجة، إلى عامل يطيل الأزمة بدلاً من المساهمة في حلها.
ما بعد نتنياهو: هل يتغير النهج أم تتغير الواجهة؟
لا يخلو المشهد الإسرائيلي من شخصيات تسعى إلى منافسة نتنياهو، ومن بينها غابي آيزنكوت وغيره من السياسيين الذين يحاولون تقديم أنفسهم بوصفهم بديلاً أكثر انضباطاً في إدارة الأمن والعلاقات الدولية. لكن تقييم فرص هؤلاء لا ينبغي أن يقوم على الانطباعات الشخصية أو الخلفيات العائلية، بل على الخبرة السياسية، والبرامج المعلنة، والقدرة على بناء تحالفات، والمواقف العملية من الحرب والاحتلال والتسوية مع الفلسطينيين.
فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في شخصية نتنياهو وحدها، بل في منظومة سياسية تسمح بتغليب الاعتبارات الائتلافية والأيديولوجية على فرص التسوية، وتمنح التيارات الأكثر تشدداً قدرة كبيرة على التأثير في القرار الحكومي. وقد يتغير رئيس الحكومة، فيما تبقى هذه العوامل قائمة وتواصل إنتاج السياسات ذاتها بأدوات مختلفة.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان نتنياهو سيبقى في السلطة، بل ما إذا كانت إسرائيل مستعدة لمراجعة خياراتها الاستراتيجية، واحترام القانون الدولي، ووضع حد للسياسات التي تقوض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومن دون هذه المراجعة، قد يكون أي تغيير حكومي مجرد تبديل في الواجهة، لا تحولاً حقيقياً في المسار.
في نهاية المطاف، يستطيع ترامب أن يدعم نتنياهو سياسياً، لكنه لا يستطيع أن يحسم الانتخابات نيابة عن الإسرائيليين، كما لا يمكن لأي دعم خارجي أن يمحو آثار الإخفاقات أو أن يضمن استقراراً دائماً في المنطقة. إن التحالفات القوية لا تُقاس بمدى قدرة طرف على فرض خياراته على الطرف الآخر، بل بقدرتها على حماية المصالح المشتركة وتجنب المغامرات التي يدفع ثمنها الآخرون.
أما إذا تحول الدعم الأمريكي إلى مظلة مفتوحة لسياسات التصعيد والتوسع، فإن الخاسر لن يكون طرفاً سياسياً واحداً فحسب؛ بل قد تكون المنطقة بأسرها أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، فيما تتعمق عزلة إسرائيل وتتراجع فرص السلام. وهذا هو الاختبار الحقيقي لواشنطن: هل تستخدم نفوذها لتكريس بقاء حليف بعينه، أم لتشجيع مسار سياسي يحد من الحروب ويحفظ الأمن والحقوق ويمنح الشرق الأوسط فرصة للخروج من دوامة الصراع؟
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
