د. شهاب المكاحله
من كنيسة حمود إلى ذاكرة عمّان، ومن دماء الشهداء إلى نجاح رجال الأمن في ملاحقة المعتدين، تبدو المعركة الحقيقية أكبر من جريمة إرهابية؛ إنها معركة على هوية الأردن ووحدته وحق أبنائه في أن يعيشوا معاً.
ليس للوجع مراتب، لكن بعض الوجع يصعب احتماله: أن يُستهدف الإنسان وهو يودّع عزيزاً، أو يشارك في فرح، أو يقف خاشعاً في بيت من بيوت الله. أن يتحول العزاء إلى ساحة للقتل، وأن يصبح المكان الذي يلجأ إليه الناس طلباً للسكينة موضعاً للخوف. ومن يفعل ذلك لا يريد قتل أفراد فحسب؛ إنه يريد أن يضرب الثقة التي تربط الناس بعضهم ببعض، وأن يزرع الشك بين أبناء البلد الواحد، وأن يقنع المجتمع بأن الاختلاف في الدين أو الأصل يمكن أن يتحول إلى سبب للعداء.
لكن الإرهابيين، مهما بلغت وحشية جرائمهم، لا يملكون حق تعريف الأردن، ولا يملكون أن يقرروا من ينتمي إليه ومن يقف خارجه. ففي الكرك، لم يكن الاعتداء على مواطنين داخل كنيسة قرية حمود اعتداءً على مسيحيين وحدهم؛ كان اعتداءً على الأردن كله، على ذاكرته الاجتماعية، وعلى معنى المواطنة الذي لا يقاس باسم العائلة أو المذهب أو مكان العبادة. لقد سقط ضحايا أبرياء، لكن المجتمع الذي أراد المعتدون إخافته لا يزال قادراً على أن يرد على الجريمة بالتضامن، وعلى الكراهية بالتمسك بوحدة المصير.
الأردن لا يجمعه أصل واحد ولا دين واحد، بل مصير واحد. وهذه ليست عبارة للاستهلاك العاطفي، بل خلاصة تجربة وطن تشكّل عبر تنوع أبنائه، وتداخل عائلاته وعشائره، وتاريخ مدنه وقراه، وما واجهه من حروب وأزمات وتحديات. وفي الكرك تحديداً، حيث تتجاور الذاكرة الإسلامية والمسيحية في الحياة اليومية، تبدو محاولة تحويل الاختلاف الديني إلى خط فاصل بين المواطنين اعتداءً على حقيقة يعرفها الناس من واقعهم، لا من الكتب والخطب وحدها.
الدولة والملك: مسؤولية الحماية ووحدة الموقف
في لحظات الخطر، يحتاج الأردن إلى مؤسساته الأمنية والقضائية، وإلى قيادة سياسية واضحة في حماية الاستقرار والحقوق الوطنية. وقد أكدت مواقف جلالة الملك عبد الله الثاني، في مناسبات متعددة، تمسك الأردن بأمنه واستقراره، ودعمه الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. إن الالتفاف حول الدولة والقيادة في مواجهة الإرهاب لا يعني منح أي جهة حصانة من المساءلة، بل يعني أن أمن المواطنين ووحدة المجتمع وسيادة القانون يجب أن تبقى فوق الحسابات الضيقة.
زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله وولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله كان لها بالغ الأثر في إرسال رسائل للداخل والخارج بأن القيادة والشعب على قلب رجل واحد لا يفرقهما واشٍ أو حاقد. فلحضور القيادة بين الناس في أوقات المصائب أثر معنوي مهم، لكن قيمة هذا الحضور تكتمل حين تترجمه مؤسسات الدولة إلى رعاية للمصابين، ومساندة لأسر الضحايا، ومتابعة قضائية جادة، وسياسات تمنع تكرار الجرائم. فالمواساة واجب إنساني، والأمن واجب دستوري، والعدالة حق لا يسقط بالتقادم ولا يكتمل بمجرد القبض على المشتبه بهم.
من وجع الجنازة إلى طمأنينة القبض على المعتدين
وسط الحزن الذي خلّفته الجريمة، جاء إعلان الأجهزة الأمنية الأردنية إلقاء القبض على المشتبه بهم الثلاثة ليمنح العائلات والمجتمع قدراً من الطمأنينة. فقد أعلنت مديرية الأمن العام، في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أن فرق التحقيق والمداهمة المتخصصة، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، تمكّنت بعد عمليات بحث وتمشيط متواصلة من تحديد مكان وجود الرجال الثلاثة في منزل مهجور بمحافظة الكرك. ووفق البيان الرسمي، رفضوا الاستسلام وأطلقوا النار باتجاه القوة الأمنية، فردّت القوة وفق قواعد الاشتباك، وأُلقي القبض عليهم بعد إصابتهم، من دون تسجيل إصابات في صفوف رجال الأمن، كما ضُبطت أسلحة وذخائر في الموقع.
فلله الحمد على سلامة رجالنا، وللأردن أن يفخر بمن يحرسون أمنه. فخلف هذا الخبر الذي نقرؤه في دقائق، كانت هناك ساعات من المتابعة والتحقيق والتمشيط، وفرق تتحرك في ظروف خطرة، ورجال يحملون مسؤولية الوصول إلى المشتبه بهم مع حماية زملائهم والمواطنين. وما يستحق التقدير هنا ليس الشجاعة وحدها، بل اجتماع الشجاعة بالانضباط، والسرعة بالعمل المنظم، والقدرة على إنجاز المهمة من دون إصابات في صفوف القوة الأمنية.
إن سلامة رجال الأمن نعمة نحمد الله عليها، وإنجاز يستحق التقدير، لكن الاعتزاز به لا ينبغي أن يحجب وجع العائلات التي فقدت أحباءها. فالملاحقة الأمنية الناجحة خطوة مهمة في طريق العدالة، وليست نهاية الحكاية. ما زالت أرواح الشهداء حاضرة في ضمائر الأردنيين، وما زالت عائلاتهم بحاجة إلى مواساة لا تنتهي بانتهاء مراسم العزاء، والمصابون بحاجة إلى الرعاية والشفاء. الوفاء لهم يكون بملاحقة كل من تثبت مسؤوليته، وكشف الحقيقة كاملة، وضمان ألا تضيع دماؤهم في زحام الأخبار أو ضجيج المنصات.
ولرجال الأمن والأجهزة الأمنية تحية تقدير مستحقة؛ أولئك الذين يسهرون فيما تنام البيوت، ويواجهون الخطر فيما ينتظرهم أهلهم بقلوب قلقة ودعوات لا تنقطع. خلف كل بزّة عسكرية أو أمنية أمّ تدعو، وأب ينتظر، وزوجة وأطفال يأملون عودة من خرج لأداء واجبه. وحين نقول إن أمننا في أيدٍ أمينة، فإننا لا نردد شعاراً، بل نعترف بمسؤولية يتحملها بشر من أبناء هذا الوطن، لهم علينا الاحترام والدعم، ولهم على الدولة كل ما يضمن قدرتهم على أداء واجبهم بكفاءة وكرامة.
وقد أظهرت العملية، وفق ما أعلنته السلطات، أهمية تكامل فرق التحقيق والمداهمة والأجهزة الأمنية في متابعة الجريمة منذ وقوعها حتى الوصول إلى المشتبه بهم. أما المرحلة التالية، فلا تقل أهمية عن القبض عليهم: استكمال التحقيق، وتحديد الدوافع والروابط المحتملة، وكشف ما إذا كان الاعتداء فعلًا نفذه أفراد وحدهم أم ارتبط بشبكة أو تحريض أو دعم أوسع. فالأمن لا يكتمل بمجرد توقيف المنفذين، بل بفهم الطريق الذي قادهم إلى الجريمة، وسد الثغرات التي يمكن أن تسمح بتكرارها.
من أعراس عمّان إلى جنازة الكرك
لم ينس الأردنيون تفجيرات فنادق عمّان في تشرين الثاني/نوفمبر 2005، حين تحولت مناسبات اجتماعية إلى مشاهد للموت والدمار. واليوم، تستهدف الجريمة مشيعين في كنيسة بالكرك. تختلف الظروف والتفاصيل، لكن الإرهاب في الحالتين يراهن على تحويل لحظات الحياة الإنسانية الأكثر خصوصية إلى أدوات لبث الخوف: العرس الذي يجمع الناس على الفرح، والجنازة التي تجمعهم على الحزن، وبيت العبادة الذي يجتمعون فيه على الصلاة.
يريد الإرهابي أن يقول للناس إنه لا مكان آمناً، وإن أحداً لا يستطيع أن يثق بجاره، وإن الاختلاف مدخل للخطر. والرد الأردني لا يكون بالانفعال وحده، بل برفض المنطق الذي قامت عليه الجريمة. فالكنيسة ليست هدفاً لأنها كنيسة، والمسجد ليس هدفاً لأنه مسجد، والإنسان لا يفقد حقه في الأمن بسبب دينه أو أصله. فحرمة دور العبادة ليست امتيازاً تمنحه الدولة لجماعة، بل جزء من واجبها في حماية المواطنين وحرياتهم ومقدساتهم.
لقد أثبتت التجربة الأردنية، عبر محطات صعبة، أن التماسك الاجتماعي ليس أمراً يمكن افتراض استمراره من تلقاء نفسه. إنه مسؤولية تحتاج إلى حماية قانونية، وإلى خطاب عام مسؤول، وإلى رفض صريح للتحريض الطائفي والعشائري، وإلى مؤسسات تحاسب من يحاول تحويل الاختلاف إلى عداوة. لذلك فإن واجبنا اليوم ألا نسمح للجريمة بأن تتحول إلى بداية خصومة بين جيران لم تجمعهم المصالح وحدها، بل جمعتهم سنوات طويلة من العيش المشترك.
التوقيت يثير أسئلة
من حق الأردنيين أن يسألوا عن خلفيات هذه الجريمة ودوافعها، خصوصاً أن استهداف جنازة داخل كنيسة يحمل دلالة تتجاوز القتل المباشر إلى محاولة ضرب الثقة بين مكونات المجتمع. ومن حقهم أن يعرفوا ما إذا كان المعتدون قد تحركوا بمفردهم، أو تلقوا تحريضاً أو دعماً، أو ارتبطوا بتنظيمات متطرفة داخل الأردن أو خارجه. هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي أن يُنظر إلى طرحها باعتباره تشكيكاً في الدولة أو تجاوزاً على التحقيق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء مكانة الأردن الدينية والتاريخية، واستعداده لاستقبال أحداث دولية مرتبطة بالذكرى الألفين لمعمودية السيد المسيح في موقع المغطس عام 2030. فالأردن يملك إرثاً دينياً وتاريخياً يجعله مكاناً مهماً للمسلمين والمسيحيين، وموقعاً تتقاطع فيه الذاكرة الدينية مع الحياة المعاصرة. لكن لا يجوز تحويل هذا التزامن إلى دليل على وجود مخطط، كما لا يجوز تجاهل أي مؤشر موثوق إذا كشف التحقيق عن صلة بين الجريمة وأهداف أوسع.
وحدة المصير لا وحدة الأصل
هناك خطاب يحاول إقناع الأردنيين بأن الدفاع عن هويتهم يقتضي إقصاء جزء من مجتمعهم، أو أن العلاقة الأردنية الفلسطينية لا بد أن تكون صراعا دائماً على حساب أحد الطرفين. وهذا خطاب يضر بالأردن، لأنه يحوّل القضايا السياسية المعقدة إلى خصومات بين الناس، ويمنح دعاة الانقسام فرصة لتقديم الخلاف باعتباره قدراً لا مفر منه.
فرفض التهجير وحماية السيادة الأردنية والتمسك بحق الفلسطينيين في أرضهم ليست مواقف متناقضة؛ بل يمكن أن تكون أجزاء من رؤية واحدة ترفض اقتلاع الناس وفرض الحلول عليهم بالقوة.
من هم على تراب هذا الوطن لم يجمعهم أصل واحد ولا دين واحد ولا تجربة متطابقة، بل جمعتهم حياة مشتركة ومصالح متداخلة ومصير يتأثر بعضه ببعض. والتنوع الذي يتعامل معه المجتمع بوصفه حقيقة وطنية يمكن أن يكون مصدر قوة؛ أما حين يتحول إلى أداة للفرز والإقصاء، فإنه يصبح ثغرة يستغلها كل من يريد إضعاف الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يكون الحديث عن الوحدة الوطنية غطاءً لتجاهل المشكلات أو إسكات الاختلاف السياسي السلمي. فالوحدة لا تعني أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها، بل أن يتفقوا على قواعد تحفظ حقهم في الاختلاف وتحول دون استخدام العنف أو التحريض. الدولة القوية ليست التي تمنع النقاش، بل التي تستطيع إدارة النقاش بالقانون، وتحمي مواطنيها من الاعتداء، وتحاسب من يحاول تحويل الاختلاف إلى تهديد لحياة الآخرين.
الأردن الذي لن يتعلم الكراهية
ربما ظن المعتدون أن إطلاق النار داخل كنيسة في الكرك سيترك خلفه خوفاً يسبق كل صلاة، وشكاً يرافق كل علاقة، وقلقاً يحوّل الجار إلى موضع ريبة. وربما راهنوا على أن يندفع الناس إلى تبادل الاتهامات قبل أن تتضح الحقيقة، وأن تصبح الطائفة تهمة، وأن تتحول الشائعة إلى سلاح، وأن ينجح ما بدأ بالرصاص في إكمال مهمته بالكلمات.
لكن الأردن ليس مجرد حدود على الخريطة، ولا هوية تُختزل في أصل واحد أو دين واحد. إنه تجربة حياة مشتركة، ومسؤولية متبادلة، وعقد وطني لا يجوز أن يختطفه متطرف أو يعبث به محرّض. والكرك، بما تحمله من تاريخ وذاكرة، ليست وحدها في هذا الوجع؛ فالأردن كله يقف إلى جانب أهل حمود، وإلى جانب أسر الشهداء، وإلى جانب المصابين الذين ينتظرون الشفاء، وإلى جانب رجال الأمن الذين أدوا واجبهم في مواجهة الخطر.
فلله الحمد على سلامة رجالنا، والتحية لكل من بحث وتابع وواجه حتى أُنجزت عملية القبض على المشتبه بهم. وللأردن أن يفخر برجال يحرسون أمنه، وأن يكرم شهداءه، وأن يواسي عائلاتهم بالفعل لا بالكلام وحده. لكن الوفاء الأكبر هو أن نمنع الجريمة من تحقيق غايتها، وأن نرفض أن تتحول دماء الأبرياء إلى وقود للفتنة.
رحم الله الشهداء، وشفى المصابين، وحفظ الأردن وأهله وقيادته. ولتكن هذه اللحظة تذكيراً بأن حماية الوطن لا تتحقق بالقوة الأمنية وحدها، على أهميتها، ولا بالخطب الوطنية وحدها، على ضرورتها، بل بتكامل الأمن والعدالة والوعي والتضامن.
الأردن لا يجمعه أصل واحد ولا دين واحد، بل مصير واحد. ومن يحرس هذا المصير لا يكتفي بملاحقة من يطلق الرصاص؛ بل يحمي أيضاً الحقيقة من الشائعة، والمواطنة من الإقصاء، والأخوّة من الكراهية. تلك هي المعركة التي يجب أن ننتصر فيها جميعاً.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
