حين تنشر مؤسسة استخباراتية تابعة لدولة إقليمية كبرى تقريرًا بعنوان «تشريح التوسع الإسرائيلي»، فإن الرسالة تتجاوز حدود البحث الأكاديمي. فقد أصدرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية تقريرها في 23 أكتوبر، بحسب ما نقلته «نون بوست»، وفرضيته المركزية أن التوسع الإسرائيلي ليس ردّ فعل على تهديد طارئ، ولا نتاج حكومة بنيامين نتنياهو وحدها، بل نهج متجذر في بنية الدولة يستمر مهما تبدلت الحكومات. يمكن الاختلاف مع هذه الفرضية، لكن لا يمكن تجاهلها، لأنها تكشف كيف تقرأ أنقرة اللحظة الراهنة.
يقيم التقرير حجته على أربعة مرتكزات. الأول عقيدة دينية تنقل الأرض من ملف تفاوضي إلى حق مقدس. والثاني «أمننة» تقدّم كل توسع بوصفه ضرورة لبقاء الدولة، مستندة إلى تجربتي الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 ومن غزة عام 2005. والثالث انتقال الحركة الاستيطانية من الضغط على الدولة إلى إدارتها، ومثاله وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي مُنح منذ فبراير 2023 صلاحيات مدنية واسعة في الضفة الغربية. والرابع جيش يحوّل هذه المرتكزات إلى وقائع ميدانية، ويعرّف المجال الأمني بما يشمل أراضي الجيران وقدراتهم.
أقوى ما في هذا التحليل هو الحجة المؤسسية: حين يجلس أصحاب المشروع الاستيطاني في مواقع القرار، تصبح سياساتهم أصعب على التراجع. لكن الصورة ليست أحادية. ففي إسرائيل معارضة داخلية جدية لهذه التوجهات، ويرى المدافعون عن سياسة حكومتهم أن هجوم السابع من أكتوبر 2023 علّم المؤسسة الأمنية أن الخصوم يُحكم عليهم بقدراتهم لا بنواياهم المعلنة. هذه الحجة، قُبلت أم رُفضت، تحرّك جزءًا كبيرًا من السلوك الإسرائيلي، ولا يستقيم نقاش جاد من دون الاعتراف بها.
والجزء الأكثر إقناعًا في التقرير هو ما يتناول حدود القوة الإسرائيلية. فالتفوق العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، والقدرة على ضرب الخصوم لا تعني القدرة على إدارة واقع الساحات المختلفة من غزة إلى سوريا. أما مقاربة «الأمن السلبي»، القائمة على حرمان الجيران من القدرات بدل بناء أمن متبادل، فتعيد إنتاج العداء الذي تزعم احتواءه. يضاف إلى ذلك الاعتماد البنيوي على الدعم الأمريكي، واستنزاف قوات الاحتياط، واحتمال أن يدفع التوسع خصوم إسرائيل إلى بناء توازنات مضادة. والدرس هنا لا يخص إسرائيل وحدها: القوة التي لا تقترن بشرعية وقبول لا تصنع نظامًا مستقرًا.
بيد أن قراءة التقرير بوصفه تحليلًا محايدًا خطأ. فهو صادر عن جهاز أمني لدولة طرف في التنافس. وقد استخدم وزير الخارجية هاكان فيدان لغة مماثلة في أبريل، متهمًا إسرائيل باتخاذ الأمن ذريعة للحصول على مزيد من الأرض. والمرآة الإسرائيلية مشابهة: فقد حذّرت لجنة ناجل، التي تقيّم ميزانية الدفاع، من أن وجود قوات تركية أو وكلائها في سوريا قد يعمّق خطر صدام مباشر بين البلدين، وأفادت تقارير إسرائيلية في أغسطس بضربة إسرائيلية مزعومة استهدفت تعزيزات عسكرية تركية في منطقة إدلب. كل طرف يرى في الآخر مصدر التهديد، وما تعدّه أنقرة دعمًا لإعادة بناء الدولة السورية تراه تل أبيب تموضعًا عسكريًا عند حدودها.
لذلك فإن أهم ما في توصيات التقرير ليس ما يقترحه لاحتواء إسرائيل، بل ما يحذّر منه: إقامة مشروع هيمنة مضاد. فهو يدعو إلى تقوية سيادة الدول المجاورة ومؤسساتها، وتنويع الشراكات الأمنية، وتعميق الترابط الاقتصادي عبر النقل والطاقة والتجارة، وتعزيز التماسك المجتمعي، من دون الانزلاق إلى محاور صلبة، حتى لا تحل هيمنة محل أخرى.
وهنا الاختبار الحقيقي لأنقرة. فالدعوة إلى نظام إقليمي متوازن تستمد مصداقيتها من قدرة صاحبها على تطبيقها على نفسه، ومن قبول جيرانه، عربًا وأكرادًا وغيرهم، بدوره. ومن دون ذلك قد يتحول «الاحتواء» إلى تنافس نفوذ آخر تدفع المنطقة ثمنه.
لا تحتاج المنطقة إلى مهيمن جديد، ولا إلى استمرار أمن قائم على الحرمان. تحتاج إلى دول قادرة على حماية سيادتها، وإلى ترتيبات لا يقوم فيها أمن طرف على انعدام أمن الآخر. وهذا هو السؤال الذي يضعه التقرير أمام الجميع، ولو من موقع طرف في الصراع.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
