أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / واشنطن تلوّح بورقة الأمن في العراق.. تحذير أم ضغط سياسي؟

واشنطن تلوّح بورقة الأمن في العراق.. تحذير أم ضغط سياسي؟

لا يقتصر تجديد الولايات المتحدة تحذيرها من السفر إلى العراق على توجيه نصيحة أمنية لمواطنيها، بل يأتي في سياق إقليمي تتداخل فيه الحرب مع إيران، والهجمات على دول الخليج، ومخاوف واشنطن من استهداف موظفيها ومصالحها.

وبينما أبقت وزارة الخارجية الأميركية العراق في المستوى الرابع، وهو أعلى مستويات التحذير، أضاف تحديث الجمعة إشارات إلى تصاعد مخاطر الهجمات المحتملة، بما فيها هجمات الحوثيين على السعودية والمساعي الإيرانية المزعومة لاستهداف مسؤولين أميركيين في المنطقة.

وتكمن الدلالة الأساسية في أن واشنطن لم ترفع مستوى التحذير هذه المرة، لكنها وسّعت خلفيته الأمنية والسياسية. وهذا فرق مهم: فالقرار لا يعلن بحد ذاته عن تغيير جديد في تصنيف العراق، لكنه يعكس تقييماً أميركيا بأن التهديدات المحيطة به لا يمكن فصلها عن اتساع المواجهة الإقليمية.

يستند الموقف الأميركي إلى معادلة تتجاوز الحدود العراقية. فالحرب مع إيران، والهجمات التي تستهدف السعودية، والتهديدات التي تطال المصالح الأميركية، أصبحت ملفات مترابطة في حسابات واشنطن الأمنية.

وقد شهدت السعودية، خلال الأيام الأخيرة، هجمات صاروخية ومسيّرة نسبت إلى الحوثيين أو ارتبطت بالتصعيد المحيط بإيران، بينما أعلنت واشنطن اتخاذ إجراءات لتقليص وجود بعض الموظفين الدبلوماسيين وعائلاتهم في المنطقة. كما تحدثت تقارير أميركية عن مخاوف استخباراتية متزايدة من محاولات إيرانية لاستهداف مسؤولين أميركيين.

في هذا السياق، لا يظهر العراق بوصفه ساحة منفصلة عن الصراع، بل دولة يمكن أن تتأثر مباشرة بأي تصعيد بين واشنطن وطهران، سواء من خلال استهداف المصالح الأميركية داخل أراضيه أو عبر امتداد نشاط الجماعات المسلحة إلى دول الجوار.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران، فهما ليسا تنظيما واحدا، وإن كانت واشنطن تنظر إلى نشاطهما ضمن شبكة أوسع من التهديدات الإقليمية المتصلة بإيران.

تتجاوز أكثر العبارات حساسية في التحذير مجرد تعداد المخاطر، إذ تقول الخارجية الأميركية إن الحكومة العراقية لا تستطيع ضمان سلامة المواطنين الأميركيين في حال اندلاع مفاجئ للعنف أو النزاعات المسلحة.

تحمل هذه العبارة تشكيكا أمريكيا في قدرة الدولة العراقية على حماية الأجانب والمصالح المرتبطة بواشنطن في ظروف التصعيد. لكنها لا تعني بالضرورة قطع الثقة بالحكومة العراقية في جميع الملفات، ولا تثبت وحدها وجود قرار أميركي جديد بممارسة ضغط مباشر عليها.

وتنبع أهمية الرسالة من أن الحكومة العراقية تواجه معضلة تتعلق بقدرتها على فرض سلطتها على جميع الجماعات المسلحة. فبعض الفصائل المرتبطة بإيران يحتفظ بقدرات عسكرية وشبكات نفوذ، رغم إدراج قوات الحشد الشعبي رسميا ضمن منظومة الأمن العراقية.

ووفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس، واجهت الحكومة العراقية صعوبات في إقناع بعض الفصائل القوية بالتخلي عن أسلحتها، وسط خلافات بشأن مستقبل هذه الجماعات وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية. كما رفضت فصائل بارزة دعوات نزع السلاح.

من هنا، يمكن النظر إلى التحذير الأمريكي باعتباره تذكيرا بأن قدرة بغداد على حماية المصالح الأجنبية مرتبطة، في نظر واشنطن، بمدى قدرتها على ضبط النشاط المسلح داخل البلاد ومنع استخدام الأراضي العراقية في عمليات تستهدف دولاً أخرى.

تشكّل علاقة الفصائل العراقية بإيران أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأميركية العراقية. فواشنطن تتهم جماعات مسلحة موالية لطهران باستهداف قواتها ومرافقها الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية، بينما تتمتع هذه الجماعات بنفوذ سياسي وأمني متفاوت داخل العراق.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية مع تقارير عن هجمات استهدفت السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية أو ارتبطت بجماعات تنشط داخل العراق. وذكر تحليل لمشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أميركان إنتربرايز أن جماعات عراقية مرتبطة بمحور إيران يُرجح أنها أطلقت عدة طائرات مسيّرة باتجاه السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، مع الإشارة إلى أن تحديد الجهات المسؤولة عن بعض الهجمات لا يزال غير محسوم.

إذا ثبتت مسؤولية جماعات تعمل من الأراضي العراقية عن هجمات عابرة للحدود، فستتعرض بغداد لضغوط أكبر لإثبات قدرتها على حماية الحدود ومنع استخدام أراضيها في عمليات ضد دول الجوار.

أما سياسيا، فإن استمرار هذا الوضع يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: احتواء الفصائل قد يثير صدامات داخلية، في حين أن العجز عن ضبط نشاطها قد يزيد الاحتكاك مع واشنطن ودول الخليج، ويعرض العراق لمزيد من الضغوط الأمنية والاقتصادية.

لا يقدم تحديث وزارة الخارجية وحده دليلا على أن واشنطن تستعد لإجراء محدد ضد الحكومة العراقية أو أنها قررت تغيير سياستها تجاه بغداد. لكن وضع التحذير ضمن التطورات الأوسع يكشف أن المخاطر الأمنية أصبحت جزءا من أدوات الضغط الدبلوماسي المتاحة.

فقد اتخذت الولايات المتحدة بالفعل إجراءات لتقليص عدد من موظفيها الدبلوماسيين وعائلاتهم في السعودية، كما خفّضت مستويات الوجود في بعثات أخرى بالمنطقة نتيجة المخاوف من التهديدات الإيرانية.

ومن الممكن أن تستخدم واشنطن التحذيرات الأمنية لتبرير إجراءات احترازية إضافية، أو للمطالبة بتشديد حماية منشآتها ومواطنيها، أو لدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ خطوات أكثر وضوحا تجاه الجماعات المسلحة. لكن الانتقال من التحذير إلى عقوبات أو إجراءات سياسية محددة يظل احتمالا يحتاج إلى مؤشرات مستقلة، ولا يمكن استنتاجه من البيان وحده.

تتجاوز المعضلة العراقية مسألة سلامة الأميركيين، لتتصل بطبيعة الدولة وقدرتها على احتكار قرار استخدام القوة. فكلما استمرت جماعات مسلحة في الاحتفاظ بقدرات مستقلة عن القرار الحكومي، ازدادت صعوبة إقناع الشركاء الخارجيين بأن بغداد تملك السيطرة الكاملة على أمن البلاد.

في المقابل، فإن معالجة هذا الملف لا تتعلق فقط بتنفيذ مطالب واشنطن، بل ترتبط أيضا ببناء مؤسسات أمنية قادرة على العمل وفق القانون، وضبط الحدود، ومنع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بدول الجوار، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.

وتكمن المخاطرة في أن يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران، بحيث تصبح أراضيه ومؤسساته أهدافاً للضغط المتبادل، بينما تتحمل الدولة العراقية والمجتمع كلفة المواجهة.

يعني الإبقاء على مستوى التحذير الرابع أن واشنطن لم تغيّر تصنيف العراق رسميا في تحديث الجمعة، لكن توسيع صياغة المخاطر يربط الأمن العراقي بصورة أوضح بالتصعيد الإقليمي والتهديدات المنسوبة إلى إيران والجماعات المتحالفة معها.

وتتمثل الرسالة السياسية الأبرز إلى بغداد في أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا تعفي الحكومة من مسؤولية ضبط الجماعات المسلحة وحماية المصالح الأجنبية. أما الرسالة إلى طهران، فتتمثل في أن واشنطن تراقب امتداد التهديدات إلى دول المنطقة، وتتعامل مع الهجمات المحتملة على شركائها ومصالحها باعتبارها جزءا من المواجهة الأوسع.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في صياغة التحذيرات، بل في قدرة بغداد على منع استخدام أراضيها منصةً للهجمات، وفي قدرة واشنطن وطهران على تفادي تصعيد يحوّل العراق مرة أخرى إلى ساحة صراع بالوكالة.