أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / هل سيصمد الاتفاق الإيراني الأمريكي؟ السيناريوهات والتداعيات.. ولماذا نتنياهو الخاسر الأكبر؟

هل سيصمد الاتفاق الإيراني الأمريكي؟ السيناريوهات والتداعيات.. ولماذا نتنياهو الخاسر الأكبر؟

بعد مئة يوم من العدوان الذي جرَّه بنيامين نتنياهو إلى المنطقة مفتوح العينين، أدرك دونالد ترامب أخيراً أنه لن ينتصر في الحرب ضد إيران. بل إن احتمالات الهزيمة باتت أكبر بكثير من أي نصر وهمي كان يروج له. وهكذا، لم يجد الرئيس الأمريكي أمامه سوى خيار الاستسلام ورفع الرايات البيضاء، بحثاً عن مخرج يقلص الخسائر وينقذ ما تبقى من ماء الوجه. وجد ضالته على يد حلفائه الباكستانيين الذين قدموا له طوق النجاة ممثلاً في “مذكرة التفاهم” التي تؤدي إلى وقف لإطلاق النار، ومنع حرب استنزاف إقليمية، والاعتراف المكره بالسيادة الإيرانية–العُمانية على مضيق هرمز. والأخطر من ذلك كله، أن ترامب بدأ يصحو من سكرته الكبرى ليصوب سهام الاتهام إلى من خدعه، أي دولة الاحتلال الإسرائيلي.

أولاً: ماذا يحمل الاتفاق المرتقب؟

المذكرة التي يجري التباحث بشأنها، والتي قد تُوقع خلال أيام، تتضمن تأجيل البت في القضايا الخلافية الكبرى، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، وإحالتها إلى مفاوضات تبدأ فور وقف إطلاق النار. كما تنص على رفع الحصار التدريجي عن إيران لفترة تمتد شهرين، وفك التجميد عن عشرات المليارات من دولاراتها المجمدة. هذه التنازلات تعكس أول ثمار نجاح الإدارة الإيرانية الذكية، المدعومة بردع عسكري سريع ضد أي ضربات أمريكية أو إسرائيلية في مضيق هرمز أو محيطه. إيران تمكنت من تجاهل كل تهديدات ترامب “الفارغة” بتدميرها وفتح أبواب الجحيم عليها، وأثبتت أن لغة الصواريخ والمسيّرات تفوق لغة الشعارات الانتخابية.

ثانياً: سيناريوهان للاتفاق – ماذا بعد؟

السيناريو الأول: صمود المذكرة وتطبيقها.
في حال نجحت مساعي وقف إطلاق النار وتحولت إلى تفاهمات طويلة الأمد، فسيعني ذلك انتصاراً استراتيجياً لإيران من دون رصاصة واحدة. فطهران ستحتفظ ببرنامجها النووي، وتحافظ على وكلائها في المنطقة، وتنتزع اعترافاً أمريكياً بحقها في الملاحة والأمن الإقليمي. أما الولايات المتحدة فستخرج من الحرب منهكة، وستواجه موجة غضب داخلي بسبب الخسائر الاقتصادية والبشرية. أما إسرائيل فستكون الخاسر الأكبر، لأنها ستُترك وحيدة في مواجهة “حزب الله” والمقاومة الفلسطينية، وستفقد غطاءها الأمريكي المطلق.

السيناريو الثاني: انهيار المذكرة وعودة القتال.
إذا انهار الاتفاق بسبب تعنت إسرائيلي أو أمريكي، فستدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد. لكن إيران أعدت نفسها جيداً: صواريخها دقيقة، مسيّراتها تغطي كامل العمق الإسرائيلي، وقدرتها على إغلاق مضيق هرمز تشل الاقتصاد العالمي. في هذا السيناريو، ستتحول الحرب إلى استنزاف طويل، وستكون الخسائر الأمريكية – الإسرائيلية أكبر بعشر مرات مما حدث في المئة يوم الماضية. الأهم أن ترامب، الذي يبحث عن أي مكسب قبل الانتخابات النصفية، لن يجرؤ على الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران دون ضمانات النصر، وهي ضمانات غير موجودة.

ثالثاً: لماذا نتنياهو والكيان الصهيوني هما الخاسران الأكبر؟

بغض النظر عن صمود مذكرة التفاهم أو عدمه، فإن الخاسر الأكبر هي دولة الاحتلال الإسرائيلي. ليس فقط لأنها لم تستشر أو تشارك في صياغة التفاهمات، رغم أنها المهندس والدافع الحقيقي للحرب، بل لأن نتنياهو الذي تعرض للتوبيخ والوصف بالجنون من قبل تلميذه وعبده “المتمرد” ترامب، بات مغيباً تماماً عن المشهد. يتلقى معلوماته من الصحف ومحطات التلفزة، ويسأل مستشاريه أين وصلت المفاوضات. هذا الذل السياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

أما الهزيمة الأعمق فتتجسد في “وحدة الساحات”. فالإصرار الإيراني على أن يشمل وقف إطلاق النار الساحة اللبنانية، والاعتراف الأمريكي بذلك ضمنياً في المذكرة، يعني “تشرعيع” وجود “حزب الله” كحركة مقاومة شرعية، وتجريم الاحتلال الإسرائيلي وغاراته التدميرية. إذا قبل نتنياهو بهذا، فهي هزيمة كبرى. وإذا رفض، فسيواجه المواجهة مع أمريكا وحيداً، مما يؤدي إلى هزيمة وجودية أكبر. في الحالتين، إسرائيل خاسرة.

رابعاً: ترامب يعترف بالخديعة والهزيمة.. وإن متأخراً

ترامب خُدع من قبل نتنياهو الذي جره إلى الحرب مثل الخروف، وأقنعه بأن إيران ستنهار بمجرد قصفها بأول دفعة من الصواريخ الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة، وأن عشرات الملايين من الإيرانيين سينزلون إلى الشوارع راقصين ترحيباً بالعدوان ومطالبين بإسقاط النظام. لكن بعد مئة يوم، جاءت النتائج معكوسة تماماً: النظام الإيراني يزداد قوة وصلابة، ووحدته الأرضية والشعبية تعززت، وسيادته النووية والإقليمية باتت محط اعتراف دولي غير معلن.

ترامب لم يجرؤ على الاعتراف بالهزيمة علناً، لكن سلوكه يتحدث نيابة عنه: البحث عن مخرج، إلقاء اللوم على إسرائيل، الضغط على نتنياهو لقبول وقف إطلاق النار. هذا الرجل الذي هدد بـ”محو إيران” أصبح اليوم يمد يده لطهران عبر وسطاء. إنه إعلان هزيمة بكل المقاييس.

خامساً: دروس وعبر

نقولها دون تردد: ترامب انهزم، ودولة الاحتلال تسير بسرعة على طريق الانهيار، وتزداد عزلة وكراهية من حليفتها الأمريكية الاستراتيجية، شعباً وحكومة. أمريكا سقطت في مصيدة أكاذيب إسرائيل، ومعلوماتها المزورة، وابتزازها لخدمة مصالحها العنصرية على حساب مصالح واشنطن ومكانتها كدولة عظمى تدعي زعامة العالم الحر.

ترامب قاد أمريكا إلى الهزيمة سواء صمد هذا الاتفاق أم لم يصمد. وستتأكد هذه الهزيمة بوضوح في الانتخابات النصفية الأمريكية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. بل لا نستبعد أن ينتهي هو ومن خدعه – أي بنيامين نتنياهو – خلف القضبان، كعنوانين بارزين للغباء والإجرام والفشل. والأيام بيننا.