أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / ماذا ستقول الشعوب لو سئلت؟

ماذا ستقول الشعوب لو سئلت؟

على محمد فخرو

خلال السنوات الثلاث الماضية اجتاحت أحداث خطرة ومؤثرة بشدة على المستقبل العربي عدة بقاع عربية، من أبرزها وأعمقها دلالة ما أصاب غزة والضفة الغربية، لبنان وسوريا، والعديد من أقطار الخليج العربي والسودان.
وقد تفاعلت مجريات ونتائج تلك الأحداث لتترك على العالم كله، بصور مختلفة وهزات متباينة، جراحاً وأمراضاً اقتصادية ومالية وتجارية وبيئية، وتشوهات جيوـ استراتيجية لا يمكن التكهّن بآثارها المستقبلية، على المدى الطويل على الأخص.
ولكن من المؤكد أنها طالت، بصور أشد وانتكاسات أعمق، بلداناً معينة أكثر من غيرها، مثل أمريكا وبعض دول أوروبا وآسيا الرأسمالية العولمية على الأخص.
وقد أدى كل ذلك إلى تغيرات في السياسات المالية والاقتصادية، جراء الاضطرابات في أسواق الأسهم والطاقات المختلفة والأغذية، وإلى تضخّم أنهك الكثيرين وأفقر الملايين.

لا توجد ذرة من المبالغة في رسم ما ذكرنا وما لم نذكر من مشاهد. لكن السّمة الأساسية في كل ذلك أنها جميعاً حدثت، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كنتائج لما جرى على الأرض العربية بالدرجة الأولى، سواء كبلدان كما ذكرنا أو كأقاليم، كأقاليم البحر الأبيض المتوسط، أو البحر الأحمر، أو مداخل لبحار كقناة السويس أو مضيق هرمز. وكان من المنطقي أن تطرح بلاد العرب، جراء تلك المشاهد السابقة أسئلة سياسية على نفسها وتحاول الإجابة عليها، من أجل أن تعرف مدى مسؤوليتها في ما حدث، وما مدى بلادات تصرفاتها إبان ما حدث، وما مدى إمكانية تكرار ما حدث لها في المستقبل، وما الخطوات التي يجب أن تقوم بها مجتمعة لكي تمنع تكرار ما حدث. وأن تفعل الشيء نفسه، وتطرح الأسئلة نفسها، كل بلاد العالم الإسلامي مجتمعة. ثم يصير ما هو منطقي: اشتراك بلاد العرب وبلاد الإسلام في جهد واحد مشترك لمقارنة الإجابات، ولطرح السؤال النهائي الأساسي: هل هناك حاجة وجودية للعرب، مسلمين ومسيحيين بالطبع، وللمسلمين من غير العرب لاتخاذ خطوات تضامنية تنسيقية فاعلة لمنع تكرار ما حدث في أي من بلدانهم، بسبب مؤامرات الخارج من جهة، ولمنع تكرار ما حدث بسبب مؤامرات الداخل العربي أو الإسلامي من جهة أخرى.
حتى الآن لم تطرح مثل تلك الأسئلة، من قبل مؤسسات مشتركة، كالجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، أو حتى ما هو اصغر من ذلك كمجلس التعاون الخليجي، ولم يتواضع رؤساء دول العرب والإسلام ويكوّنوا لجاناً تحليلية فكرية عالمة لتقوم بدلاً منهم بتلك المهمات، ولتعين هؤلاء الرؤساء على الانتقال من ثرثرات الكلام النظري والخطابات الإعلامية، التي لا تقدم ولا تؤخر، الانتقال إلى إرادات وقرارات الفعل والتخطيط المستقبلي، وتحمل مسؤوليات مراكزهم بكفاءة وحماية شعوبهم بكل أمانة وشجاعة ومروءة.
نقولها لهم بكل صراحة: نحن الشعوب العربية والشعوب الإسلامية نريد الأمن والأمان والتقدم والإبداع، واللحاق بحضارة العصر، والخروج من التخلف، والانتقال إلى نظام ديمقراطي، سياسي واقتصادي عادل، والانتقال إلى نظام اقتصادي إنتاجي معرفي متطور، والعيش في مجتمعات لا ينخرها الفساد والنّهب والتمييز لصالح هذه الأقلية أو تلك. ونقولها بكل صراحة، إن ذلك لن يتم على المستوى الوطني المحلي ما لم تسنده أنظمة تعاون مشترك عربية وعربية إسلامية عادلة وفاعلة في حقول الأمن والاقتصاد والعمالة والتكنولوجيا على الأقل، وفي القريب العاجل. نحن الشعوب مللنا الانتظار والأعذار والوعود التي لا تنفّذ وغياب الأخوة الصادقة وصراعاتنا المذهبية والدينية والقبلية والجهوية.
الآن، وقد وصلت الأخطار الوجودية إلى مستوى الرقبة، واقتربت الأغلبية من الغرق في كل أنواع البحار الهائجة من حولنا، نعتقد أننا بحاجة إلى أكثر من إصلاحات جزئية متواضعة.. لا بد من التعامل مع الجذور. هذه أمة عربية وأمم إسلامية تستحق أن تكون في الصفوف الأولى من مسيرة البشرية. تاريخنا يؤكد ذلك وتراثنا يسمح بذلك إن عرفنا كيف نتعامل معه وقيمنا الأخلاقية والإنسانية تدفع نحو الأعلى والسمو إذا عرفنا كيف نحييها ونتعايش معها. في كل المجالس يقول الناس ذلك ويطالبون به، ولم أفعل أكثر من نقله إلى العلن وتأكيد روعة إنسانيته.
اليوم يقولون ذلك في الهمس، وغداً سيقولونه في الساحات والشوارع. المطلوب طرح الأسئلة الصحيحة الصادقة والوصول إلى إجابات مقنعة فاعلة. ما عاد الوقوف والتفرج بعجز تام يكفي كما فعل أكثرنا حتى الآن.

كاتب بحريني