في لحظة سياسية لا تخلو من المفارقة التاريخية، خرج Marco Rubio ليقول، في مقابلة مع Fox News، إن الولايات المتحدة تأمل في إقناع China بأن تلعب دورًا أكثر فاعلية في الضغط على Iran للتراجع عما تفعله في الخليج. لم تكن هذه مجرد عبارة دبلوماسية عابرة؛ بل اعتراف سياسي كثيف بأن واشنطن، التي لطالما قدمت نفسها بوصفها الشرطي الأوحد للممرات البحرية والطاقة العالمية، باتت اليوم مضطرة إلى طلب الوساطة من خصمها الاستراتيجي الأول.
المشهد بحد ذاته يكشف انقلابًا عميقًا في هندسة القوة الدولية. فالقوة التي حشدت الأساطيل، وأقامت القواعد، وفرضت العقوبات، وقادت حروبًا طويلة من Iraq إلى Afghanistan، تجد نفسها اليوم عاجزة عن ضبط سلوك طهران من دون الاستعانة ببكين. هذه ليست مجرد أزمة في الخليج؛ إنها لحظة تدقيق استراتيجي تكشف حدود الردع الأمريكي حين يصطدم بخصم مستعد لتحويل الجغرافيا إلى أداة استنزاف.
ما تقوله واشنطن ضمنيًا هو أن معادلة القوة تغيّرت. فإيران، رغم العقوبات والحصار والضربات، نجحت في تحويل Strait of Hormuz من ممر تجاري إلى ورقة سيادية. لم تعد الأزمة مجرد صواريخ أو سفن؛ بل أصبحت أزمة تدفقات نقدية، وعقود تأمين، وسلاسل إمداد، وأسعار طاقة، وتضخم عالمي. كل ناقلة تتأخر، وكل قسط تأمين يرتفع، هو خصم مباشر من ميزانيات الدول الصناعية، ومن ثقة الأسواق بقدرة الولايات المتحدة على حماية النظام الاقتصادي الذي بنته بعد الحرب العالمية الثانية.
اللافت أن واشنطن لا تطلب من الصين المساعدة حبًا بالتعاون الدولي، بل لأنها تدرك أن بكين هي الطرف الوحيد القادر على مخاطبة طهران من موقع المصالح لا الإملاءات. الصين هي الشريان الأكبر لنفط إيران، والمستورد الذي يمنح الاقتصاد الإيراني متنفسًا تحت الحصار. وبالتالي، فإن أي ضغط صيني محتمل ليس نابعًا من تحالف مع واشنطن، بل من خشية بكين على أمن الطاقة الخاص بها وعلى استقرار اقتصادها الصناعي، الذي يعتمد على نفط الخليج كما يعتمد القلب على الشريان التاجي.
هنا تتجلى المفارقة الأعمق: الولايات المتحدة لا تطلب من الصين إنقاذ الاستقرار الإقليمي فحسب، بل تطلب منها عمليًا المساهمة في إنقاذ صورة الردع الأمريكي. لأن مجرد اضطرار واشنطن للجوء إلى بكين يعني أن الحشود العسكرية وحدها لم تعد كافية، وأن حاملات الطائرات لم تعد قادرة وحدها على فرض الانصياع السياسي كما في العقود السابقة.
من منظور الأدب السياسي، يمكن وصف المشهد بأنه انتقال من زمن الإمبراطوريات التي تصدر الأوامر، إلى زمن القوى العظمى التي تفاوض على حدود نفوذها. ومن منظور علم النفس السياسي، تكشف تصريحات روبيو عن قلق إدراكي داخل الإدارة الأمريكية: الخوف من أن تتحول الأزمة مع إيران إلى حرب استنزاف طويلة تبتلع رأس المال السياسي للرئيس Donald Trump وتعيد إلى الذاكرة أشباح Vietnam وIraq، حيث التفوق العسكري لم يترجم إلى نصر سياسي.
اقتصاديًا، تدرك واشنطن أن إغلاقًا مطولًا أو شبه إغلاق في هرمز سيعني إعادة تسعير كاملة للمخاطر الجيوسياسية. أسواق النفط ستشهد صدمة عرض، شركات الشحن ستعيد تقييم مساراتها، البنوك المركزية ستواجه موجة تضخمية جديدة، والديون السيادية الغربية ستتحمل كلفة إضافية في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلًا من هشاشة ما بعد الأزمات المتراكمة. لذلك، فإن طلب المساعدة من الصين ليس دبلوماسية ناعمة؛ بل هو تعبير عن حالة طوارئ مالية متنكرة في هيئة تصريح إعلامي.
لكن السؤال الأهم: هل ستستجيب بكين؟
China لا تتحرك بمنطق المجاملة. بكين ستقرأ الطلب الأمريكي كوثيقة اعتراف ضمنية بأن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة الخليج منفردة. وهذا يمنح الصين فرصة تاريخية لانتزاع أثمان استراتيجية: في التجارة، في تايوان، في التكنولوجيا، وربما في إعادة تعريف ترتيبات الأمن الإقليمي نفسها.
لهذا، فإن تصريح روبيو ليس مجرد خبر. إنه عنوان لمرحلة جديدة: مرحلة تتوسل فيها القوة العظمى القديمة مساعدة القوة الصاعدة لضبط إيقاع أزمة أشعلتها حساباتها الخاصة.
وفي الشرق الأوسط، حين تطلب واشنطن من بكين أن تتحدث إلى طهران، فذلك يعني أن الخليج لم يعد بحيرة أمريكية، وأن زمن القرارات الأحادية يقترب من نهايته، مهما حاولت حاملات الطائرات أن تؤجل الاعتراف بذلك.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
