حين تحذر Kristalina Georgieva، مديرة صندوق النقد الدولي، من أن بقاء أسعار النفط بين 120 و130 دولارًا للبرميل حتى عام 2027 قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى “ركود فني”، فهي لا تطلق مجرد قراءة اقتصادية عابرة. ما تقوله هو أقرب إلى إنذار مبكر بأن النظام المالي العالمي يقف على حافة اختبار تاريخي، قد يعيد تشكيل توازنات القوة والثروة والنفوذ كما حدث في أزمات النفط الكبرى في سبعينيات القرن الماضي.
النفط ليس مجرد سلعة. إنه الشريان الخفي الذي يربط المصانع بالموانئ، والطائرات بالمطارات، والجيوش بساحات الحرب، والمستهلك بفاتورة حياته اليومية. وحين يرتفع سعر البرميل إلى تلك المستويات لفترة ممتدة، فإن المسألة لا تتعلق بزيادة في كلفة الوقود فحسب؛ بل بانهيار تدريجي في البنية الحسابية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي المعاصر: الإنتاج، النقل، الاستهلاك، والتضخم.
من الناحية التقنية، “الركود الفني” يُعرَّف غالبًا بانكماش أو نمو ضعيف جدًا عبر فترات متتالية. لكن ما تتحدث عنه جورجيفا أخطر من مجرد تعريف أكاديمي. فعندما يتباطأ النمو العالمي إلى 2% فقط، فإن ذلك يعني أن كثيرًا من الاقتصادات الناشئة ستكون فعليًا في حالة انكماش، وأن الاقتصادات المتقدمة ستعيش في منطقة الشلل: لا نمو يكفي لتوليد الوظائف، ولا استقرار يكفي لتهدئة التضخم، ولا مرونة تسمح بامتصاص الصدمات الجيوسياسية.
في خلفية هذا التحذير تقف الحرب والطاقة والسياسة. التوتر في Strait of Hormuz، والتصعيد بين Iran وUnited States وIsrael، ليس مجرد نزاع إقليمي. إنه عامل إعادة تسعير شامل للمخاطر. كل صاروخ في الخليج ينعكس في أسواق لندن ونيويورك وطوكيو. كل تهديد بإغلاق مضيق بحري يتحول إلى زيادة في أقساط التأمين، وارتفاع في كلفة الشحن، وتضخم في أسعار الغذاء، لأن القمح نفسه لا يصل إلى الأسواق من دون طاقة تنقل السفن والشاحنات والجرارات.
الخطير أن العالم يدخل هذه المرحلة وهو أصلًا مثقل بالديون. الحكومات الغربية خرجت من جائحة COVID-19 وهي تحمل مستويات تاريخية من الاقتراض. البنوك المركزية رفعت الفائدة لمواجهة التضخم، فارتفعت كلفة خدمة الدين. وإذا أضيف إلى ذلك نفط عند 130 دولارًا، فإن المعادلة تصبح أشبه بفخ مالي: تضخم مرتفع، فائدة مرتفعة، نمو ضعيف، وديون خانقة. هذا هو الوصف الكلاسيكي لما يسمى “الركود التضخمي”، وهو أكثر السيناريوهات رعبًا لصناع القرار، لأنه يجمع بين أسوأ ما في الأزمتين: الركود وغلاء المعيشة.
سياسيًا، يعني ذلك أيضًا أن الحكومات لن تسقط فقط بسبب السياسات، بل بسبب محطات الوقود. التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الأنظمة لا تهتز عندما تسقط الصواريخ، بل عندما ترتفع أسعار البنزين والخبز. الناخب العادي لا يقرأ تقارير صندوق النقد، لكنه يشعر فورًا عندما تتضاعف فاتورة التدفئة أو النقل. ولهذا، فإن تحذير جورجيفا هو في جوهره تحذير سياسي بقدر ما هو اقتصادي: استمرار صدمة الطاقة قد يفتح الباب أمام موجات شعبوية جديدة، احتجاجات اجتماعية، وتغييرات حكومية في أوروبا وأميركا وآسيا.
أما في الشرق الأوسط، فإن المفارقة قاسية. المنطقة التي تنتج النفط وتعيش فوق أكبر احتياطياته، قد تكون نفسها مسرح الأزمة التي تدفع العالم إلى الركود. دول الخليج قد تستفيد ماليًا من الأسعار المرتفعة على المدى القصير، لكن العالم الذي يركد لا يشتري كما كان، ولا يستثمر كما كان، ولا يحافظ على التدفقات الرأسمالية كما كان. حتى المنتجون يكتشفون أن ازدهار البرميل المرتفع قد يتحول إلى لعنة إذا أصاب زبائنهم الكبار بالشلل الاقتصادي.
الأخطر من ذلك أن استمرار الأسعار المرتفعة حتى 2027 يعني أن الأسواق لم تعد ترى الأزمة مؤقتة. هذا ليس ارتفاعًا موسميًا؛ بل تسعير لحرب طويلة أو اضطراب مزمن في سلاسل الطاقة. وإذا ترسخ هذا الاعتقاد، فإن الشركات ستعيد حساباتها، والمستثمرون سيهربون إلى الملاذات الآمنة، وقد نشهد انتقالًا ضخمًا لرؤوس الأموال من الاقتصادات الناشئة إلى الدولار والذهب، مع ما يحمله ذلك من انهيارات عملات محلية وارتفاع كلفة الواردات.
في الأدب السياسي، يقال إن الإمبراطوريات تسقط حين تفقد السيطرة على طرق التجارة. وفي الاقتصاد الحديث، يمكن القول إن النظام العالمي يترنح حين يفقد السيطرة على سعر النفط. وإذا كان البرميل سيبقى عند 130 دولارًا حتى 2027، كما تحذر جورجيفا، فإن العالم لا يواجه مجرد أزمة أسعار؛ بل اختبارًا قاسيًا لصلابة النظام الاقتصادي الذي تشكل بعد الحرب الباردة.
السؤال لم يعد: هل سيرتفع النفط؟
السؤال الحقيقي هو: من سينهار أولًا تحت وزنه — الأسواق، الحكومات، أم النظام الدولي نفسه؟
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
