لما الركاد
مقدمة: قانون الأرض وإرادة الشعوب لم يكن التاريخ يوماً مجرد سرد للأحداث، بل هو مختبر لإرادة الإنسان في وجه الطغيان. وفي هذا المختبر، تظل هناك حقيقة أزلية: الظلم، مهما امتلك من أدوات تكنولوجية أو غطاء دولي، يحمل في بذرته عوامل فنائه.
وكما قال شاعر الحرية أبو القاسم الشابي: “إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة.. فلا بدّ أن يستجيب القدر”.
هذه الكلمات ليست مجرد بيت شعري، بل هي قانون اجتماعي أثبتته شعوب الأرض من فيتنام إلى الجزائر وصولاً إلى تلال جنوب لبنان الصامد.
هندسة الوصاية: “ثالوث التبعية” العابر للقارات تعتمد القوى الكبرى في مشاريعها التوسعية على استراتيجية “هندسة القيادات الوظيفية”؛ حيث يتم اختيار شخصيات تُفصل على مقاس المصالح الخارجية، لتعمل كأدوات تنفيذية تتاجر بآلام شعوبها مقابل البقاء في السلطة. واليوم، نرى اكتمال “ثالوث التبعية” الذي يمتد من شرق أوروبا إلى قلب الشرق الأوسط:
في أوكرانيا:1- يبرز نموذج فولوديمير زيلينسكي، الذي تم تصديره كـ “بطل إعلامي”، بينما يكشف الواقع عن قيادة مرتهنة بالكامل لأجندات دولية تهدف لاستنزاف الخصوم على حساب دماء الشعب الأوكراني وبنيته التحتية، وسط تقارير متزايدة عن نمو “اقتصاديات الحرب” والفساد الممنهج الذي يحول دمار الأوطان إلى صفقات مالية.
في سوريا: 2- يظهر نموذج أبو محمد الجولاني، الذي يستثمر في الراديكالية والتموضع الفئوي لتثبيت سلطة مشوهة تخدم مشاريع التفتيت الإقليمية، بعيداً عن أي مشروع وطني جامع.
في لبنان:3- يطل جوزيف عون، الذي يبدو في أدائه السياسي وكأنه يدير مرحلة “تصفية” عناصر القوة الوطنية. إن تماهيه مع الطروحات الدولية في توقيتٍ تُهدم فيه قرى الجنوب بالكامل، يضعه في خانة “الوكيل” الذي يُقايض سيادة الأرض بالشرعية الخارجية، متجاهلاً أنين نصف الشعب اللبناني.
هؤلاء القادة، الذين تم اختيارهم من “هوامش” أو “مجموعات محددة”، لا يستمدون قوتهم من شعوبهم، بل من الدعم اللوجستي والمالي لغرف العمليات الخارجية، مما يحولهم إلى مجرد “موظفين” في مشروع تسليع الأوطان.
المقاومة كفكرة: من جيفارا إلى زقاق الجنوب إن المقاومة ليست سلاحاً يُمكن نزعه بقرار من قوى الوصاية، بل هي فكرة إنسانية عابرة للحدود. لقد جسد تشي جيفارا هذه العالمية؛ حيث أثبت أن نصرة المظلوم ومقارعة الاستعمار هي القيمة الأسمى للإنسان الحر. المقاومة هي الرفض الفطري لـ “العمل الشيطاني” الذي يمثله الاحتلال، وهي الروح التي حررت أرض الجنوب عام 2000، حين انكسر مشروع “إسرائيل الكبرى” أمام إرادة شعب رفض الذل، فأجبر المحتل على الرحيل ذليلاً دون قيد أو شرط.
الجزائر: المنارة التي لا تنطفئ وعندما نتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، تبرز الثورة الجزائرية كأعظم الدروس. مليون ونصف المليون شهيد كانوا الثمن لكسر قيد الاستعمار الفرنسي الذي ظن يوماً أن الأرض ملكه للأبد. هذا الدرس يؤكد أن كلفة الحرية باهظة، لكنها تظل أقل بكثير من كلفة العبودية والارتهان للوكلاء الذين يبيعون كرامة شعوبهم في سوق النخاسة الدولي.
مساوئ الاحتلال: عندما يقتل القهرُ الروح إن الاحتلال لا يكتفي بهدم الحجر، بل يسعى لهدم البشر. عندما تُهدم البيوت في جنوب لبنان، لا تنهار الجدران وحدها، بل تنهار معها قلوبُ أصحابها حزناً وكمداً. الاحتلال يريد “أرضاً بلا شعب”، والوكلاء يريدون “شعباً بلا كرامة”، وكلاهما وجهان لعملة واحدة تهدف لتسليع الأوطان وتحويلها إلى مجرد أرقام في حسابات الربح والخسارة الدولية.
خاتمة: حتمية الانجلاء إن التاريخ يخبرنا أن “العمل الشيطاني” للاحتلال، مهما طال، مصيره الزوال. ومهما برع “الوكلاء” في تمثيل أدوار البطولة الزائفة، فإن عروشهم المبنية على دماء الفقراء وهدم المنازل ستنهار أمام أول صرخة حرية حقيقية. إن إرادة الشعوب في الحياة والحرية والعدالة هي “القدر” الذي لا يُرد، ولابد لليل الاحتلال والتبعية أن ينجلي، ليعود الوطن لأهله.. حراً، سيادياً، وعصياً على البيع والشراء.
لما الركاد كاتبة وإعلامية سورية
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
