الرئيسية / أخبار / ترامب… زعيم الفوضى الدولية

ترامب… زعيم الفوضى الدولية

نور الدين ثنيو

إذا كان هناك من تغيير في وضعية العالم الراهن، فهو انفراد دونالد ترامب بتنصيب نفسه زعيم فصيل إرهابي يليق بعصر العولمة وعلاقاتها الدولية المكثفة. فهو رئيس تنظيم إرهابي مُعَوْلم قائم على مؤسسات الدولة الأمريكية، ذات التاريخ العظيم في زمننا الحديث والمعاصر.
دونالد ترامب، بعد ما أكد للعالم كله، أن قائد الانتهاكات والاختراقات للوضع الدولي، وحتى الأمريكي في الداخل، يرسّم نفسه زعيما لأكبر تنظيم إرهابي في العالم، ولكن ليس على النحو الذي ظهرت فيه التنظيمات الإرهابية في سائر بقاع العالم، بناء على توصيف أمريكا والغرب، وليس كذلك على أنها فعلا تنظيمات إرهابية توسلت الكفاح المسلح كأفضل سبيل إلى تحقيق الاستقلال والحرية وبناء الديمقراطية في أوطانها بعيدا عن الاحتكار الأمريكي والغربي.
في الواقع لا يوجد تنظيم ثوري مسلح، أو مدني ينظر الى نفسه على أنه تنظيم إرهابي، لأن الإرهاب ليس مقاومة ولا كفاحا شرعيا، لأن كل ما كان يطلق عليها جماعات إرهابية، انتهت إلى الحكم الشرعي والسيادة الوطنية، ليس بداية من ثورات الجزائر وفيتنام وجنوب افريقيا، وليس انتهاء بالثورة السورية الأخيرة بقيادة أحمد الشرع، المعروف بالقائد الجولاني زمن محاربته للنظام الأسدي، زكاه ترامب بصورة فجة تنم عن سخرية حقيقية لمسألة التنظيمات الإرهابية، كما تنظر إليها أمريكا ومن جايلها من ذوي السلطان الغربي الأعظم. وعليه، أو هكذا يجب أن نفهم الموضوع، أن ترامب التمس خطوات التنظيمات التي كانت توصف بالإرهابية، من أجل أن يعتلي الصدارة في سلم الإرهاب الدولي، الحالة الجديدة التي يرتب لها ترامب، كأفضل سبيل للسيطرة على العالم والانفراد بالتّحكم فيه ونهب ثرواته. المشهد الذي يقدمه ترامب ويعمل على السيطرة عليه هو أن خروجه السافر من المؤسسات الدولية، تعبير عن الابتعاد عن الشرعية الدولية. فقد أقدم على ضرب دولة إيران، التي احترمت عهودها واتفاقياتها كافة، مع كل المؤسسات الدولية، ولم يكلف نفسه الحصول على الترخيص لا من الكونغرس الأمريكي، ولا من مجلس الأمن الدولي، ناهيك من أن أغلبية الشعب الأمريكي يرفض الضلوع في هذه الحرب الحمقاء التي تعبر عن أن من يقودها زعيم عصابة تبنت التمرد والتبرم ونقض العهود والاتفاقيات، والإتيان بما لم يأت به الأوائل، أي تنظيم إرهابي مؤسساتي عالمي يحصن نفسه بقوة النادي الإمبريالي العميق في أمريكا، الذي يعد دونالد ترامب أحد أساطينه وعرّابه، على ما قدمته وثائق جزيرة الشيطان أبستين.

المشهد الذي يقدمه ترامب ويعمل على السيطرة عليه هو أن خروجه السافر من المؤسسات الدولية، تعبير عن الابتعاد عن الشرعية الدولية

أراد الرئيس الأمريكي أن يتولى السلطة في أمريكا، لا كرئيس جمهورية لدولة عظمي، بل كجماعة إرهابية تعتمد على إمكانياتها من أجل التمكن والهيمنة والسيطرة، وعدم الامتثال لقوانين الدولة الوطنية، ولا القوانين الدولية. فهو مطالب من المحاكم الأمريكية في الداخل، ومن مؤسساتها القانونية، كما أنه لا يحفل بالمحاكم الدولية، ولا يعير لها كبير أهمية بقدر ما أنه يعرب دائما على معاقبة كل من يحاول أن يعترض نزواته وتصرفات الكيان الإسرائيلي المارق المطلق وربيب النادي الإمبريالي العميق. كل شيء صار واضحا للعيان بأن الرئيس الأمريكي فاسد ليس على صعيد السياسة فقط، وأن همّه الأكبر ألا تعيد أمريكا الكرة مرة أخرى في «إنجاب الإرهاب» في الشرق الأوسط على الطريقة التي ظهر فيها تنظيم «القاعدة» بسبب سياسة أمريكا في أفغانستان، ثم تنظيم «داعش» بسبب الحرب العالمية على إرهاب مُتَوَهّم بعد اليوم المشهود في حياة أمريكا والأمريكيين، ونعني الحادي عشر سبتمبر 2001.
في سياق هذا الجو من الإرهاب ومقتضياته، يفكر ويعمل الرئيس ترامب، دونما تقدير لعواقب وتداعيات تزعم تنظيم دولي مؤسس يمارس ويَسُوس العالم من خلاله وبواسطة إرهاب حقيقي هذه المرة، لأن الجهة التي كانت تصف الآخرين بالإرهاب، احتكرت لنفسها خاصية الإرهاب، وتصدرت المشهد الذي يغطي على كل التنظيمات، التي تحاول أن تزاحم ترامب الذي زكّى تنظيم الجولاني كآخر تنظيم مسلح يقاوم دولة استبدادية، وينفرد من ثم بأحقية «الإرهاب» الذي لا يوجد اليوم من يطلق عليه أي توصيف بالإرهاب.
يعتقد ترامب أن إعدام المؤسسات الدولية، على النحو الذي أقدم عليه، كفيل بأن يحَصِّن تنظيمه الإرهابي، الذي لا يوجد من يدينه، لا من الناحية القانونية في الداخل الأمريكي، ولا من الناحية الخارجية، ونقصد المؤسسات والهيئات الدولية. بالعكس تماما سياسة الإرهاب المؤسساتي الدولي هو الذي سيساهم في انتشار ظاهرة الخروقات والانتهاكات، وعدم الاعتراف بالشرعية، وإعدام العدالة والحق والانفلات التام من الضوابط والشروط، على غرار ما تفعل إسرائيل، النموذج العياني لعصر الإرهاب المطلق، الذي لا يستطيع أن يعيش في وضع عادي وطبيعي يراعي الشرعية الداخلية والخارجية. يريد الرئيس الأمريكي في خطوة مُرْعبة أن يتحوّل إلى زعيم لعصابة إرهابية بكل دلالات الكلمة، ولأول مرّة في تاريخ الإنسانية، لأنه جاء إلى الإرهاب من السلطة السياسية الأمريكية، التي داس عليها وراح يمارس سياسة منافية تماما لما ساد طوال النصف الثاني من القرن العشرين، لحظة نهاية الحرب العالمية الثانية، والانتصار الرائع على النازية والفاشية، ثم تأسيس هيئة الأمم المتحدة التي سوف تعمل على عدم الجنوح مرة أخرى إلى حرب عالمية مدمرة، وحماية السُّلم والأمن في كل العالم. وخلاف ذلك، راح ترامب يستنبط العقل الفاشي والاستئناس به في ممارسة السياسة الداخلية والدولية، على حد سواء، موهما نفسه بأنه موسوليني جديد يقلده في تفاصيل تصرفاته وإيماءاته.
المقابلة بين الكيان الإجرامي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية في عهد ترامب ليست مجرد توضيح تقريبي، لما آلت إليه الأوضاع الدولية، في آخر تطوراتها على يد كل من أمريكا وإسرائيل. فهذه الأخيرة زُرعت بشكل غير شرعي، وفّر لها أرضا ليست لها ولا لمن منحها لها، فقد جاءت إلى دولة المؤسسات عبر الاستعمار وليس مقاومة الاستعمار، على غرار الحركات الاستقلالية التي انتهت الى التحرر وبناء الكيانات السياسية الحديثة، مستوفية الشرعية الوطنية والشرعية الدولية على السواء. بينما في الحالة الأمريكية على ما يصنعه الرئيس ترامب، فقد أقدم على تأسيس نظام سياسي شاذ أبرز ملامحه الإرهاب المطلق لأنه يستعين بمؤسسات الدولة الأمريكية ويسخرها لمآربه ونزواته المالية.
في النتيجة وآخر المطاف، علينا أن تستحضر تاريخ الكيان العِبْري وما سبَّبه من دمار وخراب وسقوط أخلاقي وفساد مالي، نعيش أقوى مظاهره اليوم. ونحاول أن نتصور، من جانب آخر، السياسية الأمريكية في طرازها الإرهابي الجديد، كيف سيكون عليه العالم ليس خلال عقود من الزمن المعاصر، بل خلال سنوات فقط من الزمن الفائق.. المؤكد حدوث انهيار كبير لا يمكن أن نتصور مظاهره ومشاهده، قد يكون يوم 11 سبتمبر 2001، أخف وأرحم المشاهد. وخلاصة الكلام، أن أمريكا بعد ما كانت تصنع الإرهاب، أو يسوق في الإعلام أنه إرهاب، تحوّلت اليوم، في عهد ترامب إلى أقوى رئيس فصيل إرهابي في العالم.

كاتب جزائري