الرئيسية / أخبار / طفولة الفكر السياسي العربي وعُقم تفكيره في فهم أبعاد التحالف الهندي – الإسرائيلي!

طفولة الفكر السياسي العربي وعُقم تفكيره في فهم أبعاد التحالف الهندي – الإسرائيلي!

المهندس سليم البطاينه

لم تكن كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال حفل استقبال رئيس وزراء الهند (ناريندار مودي) في شباط الماضي مجرد خطاب بروتوكولي احتفائي، بل بياناً ايدولوجياً مكثفاً يرسم ملامح تحالف قومي متشدد، يقوم على تقاطع أيدولوجيا بين القومية الهندوسية (الهندوتفا) ، والصهيونية الدينية التوسعية في مفاهيم الردع والهوية! يجمع الصهيونية بالهندوسية في رؤية واحدة للمكان والتاريخ.

تحالف يمجد الهوية العرقية الهندوسية واليهودية، ويعبر عن رؤية مشتركة بإعادة تعريف الهوية! فكلاهما يقومان على تصور عرقي ديني حاد للهوية القومية باعتبار المسلمين عنصراً دخيلاً، ومصدر تهديد بنيوي.

هذه الخلفية الفكرية الفاشية هي التي تجعل التحالف مع إسرائيل ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل امتداداً لرؤية قومية مشتركة! ومشروعاً متجذراً في البنية الأيدلوجية الهندوسية – الصهيونية.

الخطاب بُني على بلاغة عاطفية وأيدولوجية! تبني اعتقاداً مشابها لأرض الميعاد، واستدعاء لوادي السند ووادي الأردن بوصفهما مهدين للحضارة.

أخطر ما ورد بخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الحديث عن مبادرة IMEC: وهو الممر البحري والبري الذي سيربط الهند عبر الجزيرة العربية بميناء حيفا ثم الى أوروبا …

هذا المشروع برأي المحلّلين ليس خطة تجارية، بل اعادة لصياغة الجغرافيا السياسية في المنطقة العربية ، بحيث تصبح إسرائيل عقدة مركزية في شبكة الامداد والطاقة والتكنولوجيا.

استراتيجياً تسعى إسرائيل من خلال هذا التحالف إلى اعادة تموضعها كقوة تتجاوز جغرافيا الشرق الاوسط، على اعتبار ان شراكتها مع الهند تمنحها عُمقاً جغرافياً غير مسبوق! مستفيدة من مكانة الهند كقوة نووية مُعلنة.

اما الهند فهي بدورها تنظر إلى هذا التحالف كجزء من صراعها الإقليمي مع الباكستان، وسعيها لتعزيز موقعها العسكري حتى تصبح أحد الأطراف الفاعلة والمؤثرة في منطقة الخليج خاصة والشرق العربي عامة.

ما لا يعرفه غالبية العرب وقادتهم تحديداً! ان قادة الهندوس السابقون والحاليون يؤمنون بان الجزيرة العربية كانت في يوم من الأيام جزءاً من الدولة الهندوسية العظمى الأسطورية! وان الكعبة المشرفة كانت معبداً لآلهة الهندوس (راما )، والذي قام ببنائها على حد قولهم الملك الهندوسي ( فيكرا مادينا) عام ٥٨ قبل الميلاد المسيحي! وان الأصنام التي حطمها النبي محمد كانت أصناماً لآلهة الهندوس! ناهيك عن اعتبارهم أن بئر زمزم هو بئر هندوسي مقدس!

ليس هذا فحسب، بل ادّعوا ان بعثة من علماء الاثار الفرنسيين عثروا قبل ٦ سنوات على معبد هندوسي عمره ٨ آلاف عام مختفياً تحت الرمال غرب العاصمة السعودية الرياض! وادّعائهم أنه كان مزاراً للهندوس قبل ظهور الإسلام!

وهذا يعني ان لديهم اطماع في قبلة المسلمين يريدون السيطرة عليها بحجة ان الإسلام محى ارثهم، وقضى عليهم، وحان وقت عودتهم لأرض الميعاد مثل اليهود!!

والأشد خطورة بروز مطالبات سياسية بتوطين العمالة الهندية (٩ مليون نسمة) في دول الخليج، الذين يشكلون نسبة ضخمة في السعودية والإمارات! ولأجل ذلك تبنّت نيودلهي استراتيجية جديدة قبل ٤ سنوات، تقوم على تأمين مصالح وحماية مواطنيها خارج الهند.

بالتأكيد، تراجعت العمالة العربية مقابل العمالة الآسيوية كثيرا في دول الخليج؛ فعلى سبيل المثال عاد أكثر من نصف مليون مصري من دول الخليج قبل أكثر من ٥ سنوات (وفقاً لتقديرات اتحاد غرف التجارة المصرية (.

لنكن أكثر وضوحاً: في البعد الاستراتيجي يمثل الملف الباكستاني حجر الزاوية في تحالف الهند مع إسرائيل!

فقد تحولت كشمير الى مختبر لتجربة النموذج الاسرائيلي في الضفة الغربية، بهدف تغير التركيبة السكانية في كشمير، عبر فتح الباب لمستوطنات هندوسية! ولتنفيذ ذلك تم تغيير قانون المواطنة وقانون السجل الوطني للهنود كما حصل داخل الضفة الغربية من قبل اسرائيل.

على اي حال، نحن امام ولادة محور جديد، يمثل أحد مظاهر التحولات في النظام الدولي، يمتد من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، ليطال الأمن القومي العربي ….. وما يجري في المنطقة ليس حرباً على الارض فقط! بل صراعٌ على الذاكرة والهوية والتاريخ والمكان، والمشهد القادم سيبقى مفتوحاً لأيام قادمة صَعبة ستجرف معها جميع الحصون والعقول، وسيبقى الشرق الأوسط قابلاً لكل الانفجارات لان ثقوبه مليئة بالتفاصيل.

الخطر عام، ويشكل تهديد وجودي لامة العرب كلها، لا يستثني منها دولة او نظام! والمسألة لم تعد اتفاق سلام يعقد هنا او هناك!! بل بدفن أمة بكاملها تحت شعار آمن إسرائيل، وبينما يغلي الشارع العربي والاسئلة تتكاثر بلا اجابة! تزداد الأمور سوءاً في كل بقاع العالم العربي، لتنتقل من كارثة الى أخرى!

المهندس سليم البطاينة نائب سابق في البرلمان الاردني