الرئيسية / أخبار / النهاية الكبرى والتحالفات المتقلبة

النهاية الكبرى والتحالفات المتقلبة

د. شهاب المكاحله

نحن لا نشهد حرباً عادية، بل الفصل الأخير من مسلسل طويل من الخيانة والتحالفات المنقلبة. ما يحدث اليوم في الخليج ليس مجرد رد فعل إيراني على عدوان أمريكي-إسرائيلي، بل هو تصفية حسابات كبرى بين قوى كانت بالأمس حليفة، وتحولت اليوم إلى خصوم بلا هوادة.

منذ عام 2015، بدأت ملامح هذا المشهد تتضح. الاتفاق النووي بين إيران وأمريكا أعاد رسم موازين القوى، في حين كانت زيارة قاسم سليماني السرية إلى موسكو نقطة التحول الكبرى. حينها وضع خرائط سوريا أمام بوتين قائلاً: “النظام السوري يسقط.. الفرصة الأخيرة لإنقاذ مصالحكم هي التدخل الجوي”. روسيا تدخلت جواً، وإيران ميليشياً، وسوريا تحولت إلى قاعدة روسية استراتيجية على البحر المتوسط وغرب أفريقيا. وهنا بدأ الصراع الخفي، حيث تحولت الشراكة الروسية-الإيرانية إلى لعبة مصالح، وظهر الانقلاب الأول على التحالف.

الرسالة كانت واضحة: من يعتقد أنه شريك متساوٍ يتحكم بالمشهد، سيصبح مجرد منفذ أوامر. اغتيال سليماني، الانقلاب الأوكراني، وتصعيد الحرب في سوريا وأوكرانيا كلها رسائل مزدوجة، تشير إلى أن إيران خسرت حليفها الأبرز قبل أن تبدأ الحرب فعلياً.

ومع 7 أكتوبر 2023، تفجرت الصفعة الكبرى: عملية أذهلت العالم واعتُبرت فلسطينية بدعم إيراني، لكنها في الحقيقة كانت مستنسخة روسية لتحويل الدعم الغربي من أوكرانيا إلى إسرائيل. إيران حاولت التفاوض سراً لتجنب الفخ، لكن روسيا اعتبرت ذلك “خيانة عظمى”، وفقدت إيران كل أوراقها السياسية.

في عام 2024، انطلقت سلسلة الاغتيالات والتفجيرات، سقوط رئيسي، تفجيرات لبنان، وسقوط نظام الأسد في أيام معدودة. في يونيو 2025، جاءت “حرب الـ12 يوماً” الإسرائيلية لتكشف أن كل تحركات إيران كانت مكشوفة، وأن حليفها الروسي وعمقها السوري وأسرارها العسكرية كلها باتت في أيدي خصومها.

اليوم، المخطط الأكبر يظهر بوضوح: نقل الصراع إلى قلب الخليج، جر أمريكا إلى حرب استنزاف طويلة مع إيران، ضرب اقتصاد الخليج، وتحويل مركز المال والتجارة العالمي إلى تل ابيب. الإمارات، الحليف الأقرب لإسرائيل، أصبحت كبش فداء، ودبي تتحول إلى مدينة أشباح، بينما النفط يرتفع إلى 120 دولاراً، والضربات تتواصل على الكويت وعمان وأبوظبي، والبحرين تحترق، وقطر تتوقف عن تصدير الغاز.

ترامب، الذي رفض الحرب خلال حملته، اضطر للدخول فيها بعد مواجهة ملفات إبستين التي كانت كافية لشل أي موقف سياسي. الصين، بالمقابل، تراقب من بعيد، مستفيدة من المستنقع الإيراني لاستنزاف الغرب وإطالة أمد الحرب لإضعاف الاقتصاد الأمريكي والأوروبي.

الحقيقة الصادمة هي أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد حرب، بل عملية تطهير استراتيجية للمنطقة تمهيداً لما يسمونه “الهيكل الأخير”. كل تحرك، كل اغتيال، كل انفجار، كان محسوباً ضمن خريطة مرسومة منذ سنوات. نهاية هذا الفصل ليست الحرب نفسها، بل من سيخرج من هذه الحرب مهيمنًا على المصالح الإقليمية والعالمية.

الكل يتحرك وفق قواعد اللعبة القديمة، لكن من يفكر أنه يرى فقط المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية، فهو مخطئ. هذه حرب تحالفات وانقلابات ومكائد دولية، والمرحلة القادمة ستكون النهاية الكبرى التي ستعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط إلى الأبد