الرئيسية / أخبار / خطاب في زمن الالتباس: عندما وضع الملك العالم أمام مرآة القانون والمسؤولية

خطاب في زمن الالتباس: عندما وضع الملك العالم أمام مرآة القانون والمسؤولية

د. شهاب المكاحله

في لحظة إقليمية ودولية تتزاحم فيها الحروب والأزمات إلى درجة بات معها انتباه العالم نفسه مورداً نادراً، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مختلفاً في بنائه ورسائله عن الخطاب الدبلوماسي التقليدي. لم يكن مجرد عرض للموقف الأردني من الحرب في غزة أو التطورات في الضفة الغربية، ولم يكن استعراضاً للمخاطر التي تحيط بالأردن والمنطقة، وإنما كان، في جوهره، محاولة لوضع المجتمع الدولي أمام مرآة سياسية وقانونية وأخلاقية: ماذا يحدث عندما يتحول المؤقت إلى دائم، وعندما يصبح انتهاك القانون الدولي واقعاً معتاداً، وعندما تتغير درجة اهتمام العالم بالأزمة بينما تستمر معاناة ضحاياها؟

من هنا جاءت قوة الخطاب. فقد بدأ جلالته من فكرة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة المباشرة، وهي أن الانتباه أصبح مورداً جيوسياسياً. فالدول والأزمات لا تتنافس فقط على الموارد والأسواق والنفوذ، وإنما تتنافس أيضاً على انتباه المجتمع الدولي. وما يحصل على اهتمام مستمر يحصل، في العادة، على قدر أكبر من الضغط الدبلوماسي والوساطة والموارد الإنسانية، فيما يمكن للأزمات التي تفقد حضورها الإعلامي والسياسي أن تتحول تدريجياً إلى واقع منسي. وفي هذه النقطة تحديداً، نقل جلالته مفهوم الانتباه من كونه مسألة اجتماعية في عصر الشاشات إلى كونه أداة لفهم السياسة الدولية نفسها.

وهذه ربما كانت إحدى أكثر أفكار الخطاب عمقاً؛ لأن العالم اليوم لا يعاني فقط من نقص المعلومات، وإنما من فائضها. حرب تبدأ قبل أن تنتهي حرب أخرى، أزمة إنسانية تتصدر العناوين أياماً ثم تتراجع، تصعيد عسكري يطغى على أزمة أخرى، وأحداث دولية تتنافس جميعها على مساحة محدودة من اهتمام الرأي العام وصناع القرار. وفي مثل هذا العالم، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يحدث؟ وإنما: ما الذي نختار أن نراه، وما الذي نختار أن نتجاهله؟

ومن هذه البوابة دخل الخطاب إلى جوهر القضية الفلسطينية.

لم يقدّم جلالة الملك غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين، بل وضعهما ضمن مسار سياسي واحد. غزة، وفق قراءة الخطاب، تواجه الدمار والتهجير وتغيير الواقع على الأرض، فيما تشهد الضفة الغربية توسعاً استيطانياً وعنفاً ومصادرة للأراضي وتهجيراً للفلسطينيين. وبالتالي فإن التعامل مع غزة بمعزل عن الضفة يعني، في الواقع، التعامل مع أعراض أزمة واحدة بدلاً من معالجة بنيتها السياسية. وقد كان جلالته واضحاً في التحذير من أن استمرار هذه التطورات يهدد بإفراغ حل الدولتين من مضمونه، لا من خلال إعلان سياسي واحد، وإنما عبر تغيير تدريجي للواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي.

الأكثر أهمية أن جلالة الملك لم يكتفِ بوصف الأزمة، وإنما عاد إلى أصل المشكلة: المجتمع الدولي لم يحل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل أدار الصراع لعقود.

وهذه ليست مجرد عبارة سياسية. إنها تشخيص لمشكلة أعمق في النظام الدولي. فإدارة الصراع قد تمنع الانفجار في مرحلة معينة، لكنها لا تنتج بالضرورة سلاماً. وقد توفر هدنة، لكنها لا تنهي الاحتلال. وقد تنتج ترتيبات أمنية مؤقتة، لكنها لا تعالج قضية الأرض والحقوق والسيادة. ومع مرور الزمن، يمكن للترتيبات المؤقتة أن تصبح واقعاً دائماً، ويمكن للوقائع التي كان يفترض أن تكون انتقالية أن تتحول إلى سياسات راسخة.

وهنا تحديداً وضع الخطاب المجتمع الدولي أمام سؤال شديد الصعوبة: إذا كان القانون الدولي يمكن تجاهله لعقود، فما القيمة العملية التي تبقى له؟

هذه النقطة هي قلب الخطاب السياسي والقانوني لجلالة الملك. فالقانون الدولي لا يفقد قيمته لأن قواعده غير موجودة، وإنما يفقد جزءاً من مصداقيته عندما تصبح عملية تطبيقه انتقائية. والمشكلة، من منظور سياسي، ليست فقط في وجود انتهاكات، وإنما في الفجوة بين النص والتنفيذ، وبين القرارات والمساءلة، وبين المبادئ التي تعلنها الدول والممارسات التي تقبل بها عندما تتعارض مع مصالحها السياسية.

ولذلك كانت الإشارة الملكية إلى أدوات مثل العقوبات وتجميد الأصول وحظر التصدير والعزلة الدبلوماسية ذات دلالة خاصة. فالمغزى لم يكن الدعوة إلى الانتقام، وإنما التذكير بأن النظام الدولي يمتلك أدوات ضغط استخدمها في أزمات أخرى، وأن السؤال الحقيقي هو لماذا تصبح هذه الأدوات أقل حضوراً عندما يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وقد أشار جلالته صراحة إلى أن استمرار الفجوة بين القواعد وتطبيقها يقوض الثقة في المؤسسات الدولية نفسها.

وهنا يتحول خطاب الأردن من خطاب دولة تتحدث عن قضية إقليمية إلى خطاب دولة تسأل عن مستقبل النظام الدولي القائم على القواعد.

فالشرق الأوسط ليس وحده المتضرر من ازدواجية المعايير. عندما يفقد القانون الدولي قدرته على إقناع الدول والمجتمعات بأن القواعد تنطبق على الجميع، فإن الضرر يتجاوز فلسطين إلى النظام الدولي برمته. وهذا ما يجعل القضية الفلسطينية، في القراءة الأردنية، ليست قضية إقليمية فقط، وإنما اختباراً لمصداقية النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أن القانون يجب أن يكون أعلى من القوة.

ومن أكثر الجوانب وضوحاً في الخطاب أيضاً رفض تحويل الصراع إلى حرب دينية.

هذه الرسالة ليست تفصيلاً خطابياً. فتصوير الصراع باعتباره مواجهة بين الإسلام واليهودية والمسيحية ينقل النزاع من المجال السياسي والقانوني إلى المجال الديني، ويجعل التسوية أكثر صعوبة، ويمنح المتطرفين على الجانبين بيئة خصبة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية. ولهذا كان تأكيد جلالة الملك أن القضية ليست حرباً بين الأديان، وإنما قضية حقوق واحتلال وحرمان شعب من حقوقه، يحمل أهمية تتجاوز الموقف الأردني إلى محاولة حماية الصراع من الانزلاق إلى مواجهة دينية مفتوحة.

وهنا تبرز القدس باعتبارها نقطة التقاء بين السياسة والدين والتاريخ والقانون. فالأردن لا ينظر إلى القدس باعتبارها مجرد ملف دبلوماسي، بل باعتبارها قضية مرتبطة بهويته التاريخية ودوره في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهو ما انعكس في تأكيد جلالة الملك استمرار الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم للمقدسات.

لكن خطاب جلالة الملك لم يكن خطاباً فلسطينياً فقط؛ وهذه ربما نقطة أساسية في فهمه.

ففي اللحظة التي كان فيها الأردن يتحدث عن غزة والضفة والقدس، كان يتحدث في الوقت ذاته عن الأردن نفسه.

الرسالة المتعلقة بالحدود الشمالية والمياه والأمن الوطني لم تأتِ عرضاً، بل جاءت في سياق التحذير من التطورات في جنوب سوريا ومن محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض. وقد قال جلالته بوضوح إن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن الوطني للمملكة، مؤكداً أن الأردن لن يتعامل مع هذه القضايا باعتبارها ملفات خارجية بعيدة عن مصالحه المباشرة.

وهنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره إعلاناً واضحاً عن معادلة أردنية جديدة في التعامل مع التطورات الإقليمية: الدبلوماسية نعم، الحوار نعم، السلام نعم، ولكن ليس على حساب الأمن الوطني.

هذه المعادلة مهمة للغاية. فالأردن ليس دولة تسعى إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، ولا دولة تنسحب من محيطها الإقليمي. على العكس، الخطاب يؤكد أن المملكة تريد أن تكون دولة حوار ووساطة وتعاون، وأن تكون جسراً بين الخليج والبحر المتوسط، وأن تطور دورها في التجارة والصناعة والتكنولوجيا، وأن تواجه الإرهاب والتهريب والتهديدات العابرة للحدود، ولكنها في الوقت نفسه تريد أن يفهم الجميع أن انخراطها في الدبلوماسية ليس مرادفاً للضعف.

وهذه ربما كانت الرسالة الأكثر أهمية بالنسبة إلى الأردن نفسه.

الأردن يريد السلام، لكنه يريد سلاماً يحميه.
ويريد الحوار، لكنه يريد حواراً لا ينتقص من سيادته.
ويريد الانفتاح، لكنه لا يريد أن يتحول الانفتاح إلى قابلية للضغط.

ولهذا جاءت عبارة أن التزام الأردن بالدبلوماسية لا يمكن أن يُفهم على أنه ضعف، لتشكل جزءاً من رسالة الردع السياسي الأردني، وإن جاءت بلغة دبلوماسية هادئة.

ومن اللافت كذلك أن الخطاب لم يحصر الأمن الأردني في الحدود العسكرية التقليدية. فقد وضع المياه في قلب مفهوم الأمن الوطني. وهذه إشارة ذات أهمية استراتيجية متزايدة في منطقة تواجه ندرة مائية حادة وتغيراً في أنماط المناخ والموارد والضغط السكاني. وعندما يربط رأس الدولة بين أمن الحدود والأمن المائي، فإن الرسالة هي أن مفهوم الأمن الأردني يتوسع ليشمل الموارد الحيوية التي يمكن أن تصبح في المستقبل مصدراً للتوتر الإقليمي بقدر ما هي قضية تنموية.

وفي السياق ذاته، كان من اللافت أن جلالة الملك وضع الأردن في موقع الدولة التي لا تكتفي بالتفاعل مع الأزمات، بل تسعى في الوقت ذاته إلى بناء المستقبل. فبينما تتعامل المملكة مع الملفات الإنسانية والأمنية، تحدث الخطاب عن تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر المتوسط، وتطوير دور الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، وعن بناء القدرات الدفاعية ومواجهة الإرهاب والتهريب.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن الأردن، وفق هذه الرؤية، لا يريد أن يُختزل في دوره كدولة حدود وأزمات ولا كدولة تستضيف تداعيات أزمات الآخرين. بل يسعى إلى تقديم نفسه كدولة استقرار وربط وممر اقتصادي وسياسي في منطقة تعاني من الانقسام.

لكن الرسالة الملكية الأوسع ربما كانت في قوله إن المبادئ لا ينبغي أن تتغير مع تغير انتباه العالم.

وهنا يعود الخطاب إلى بدايته: إذا كان الانتباه مورداً جيوسياسياً، فإن المبدأ يجب ألا يكون كذلك.

لا يمكن أن تكون حقوق الإنسان قوية عندما تكون الأزمة في صدارة الأخبار، ثم تصبح أقل أهمية عندما تتراجع الكاميرات. ولا يمكن أن يكون القانون الدولي ملزماً في أزمة وغير ملزم في أزمة أخرى. ولا يمكن أن تكون حماية المدنيين قاعدة عامة ثم تتحول إلى استثناء عندما تصبح كلفة تطبيقها السياسية مرتفعة.

ومن هنا يمكن فهم البعد الأوسع للخطاب: الأردن لا يطلب من العالم أن ينظر إلى فلسطين فقط؛ بل يطلب منه أن يعيد النظر في الطريقة التي يدير بها الأزمات الدولية.

وهذا ما يعطي الخطاب بعداً يتجاوز الجغرافيا الأردنية والفلسطينية.

فالأردن، بحكم موقعه، يعرف معنى أن تبدأ أزمة قبل أن تنتهي أزمة أخرى. ويعرف معنى استقبال تداعيات الحروب المجاورة، ويعرف كلفة النزوح واللجوء والتهريب والإرهاب وعدم الاستقرار الاقتصادي، ويعرف كذلك أن الأزمات الإقليمية لا تبقى داخل حدود الدول التي تبدأ فيها.

ولذلك فإن حديث جلالة الملك عن غزة ولبنان واليمن والسودان وأوكرانيا لم يكن مجرد تعداد لأزمات العالم، بل كان تأكيداً على أن الأمن الدولي مترابط، وأن الأزمة التي تبدو بعيدة جغرافياً يمكن أن تظهر في أسعار الطاقة والغذاء والتجارة والهجرة وسلاسل الإمداد في دول بعيدة عنها آلاف الكيلومترات.

ولعل هذا هو جوهر الرسالة الأردنية في هذه المرحلة: لا يمكن للعالم أن يستمر في التعامل مع الأزمات بمنطق التجزئة، لأن الأزمات نفسها لم تعد مجزأة.

غزة مرتبطة بالضفة، والضفة مرتبطة بالقدس، والقدس مرتبطة بالأمن الإقليمي، والأمن الإقليمي مرتبط بسوريا ولبنان والعراق واليمن والخليج، وكل ذلك مرتبط بالطاقة والتجارة والمياه والهجرة والأمن الدولي.

وهنا يصبح الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، أكثر من متلقٍ لتداعيات الأحداث. إنه يقع في نقطة التقاء عدد من الأزمات والطرق والمصالح الإقليمية.

لكن قوة الخطاب لم تكن في ارتفاع النبرة، بل في هدوء الرسالة.

فجلالة الملك لم يحتج إلى خطاب صاخب كي يعلن موقفاً حازماً. لم تكن القوة في الكلمات وحدها، وإنما في ترتيبها: من أزمة الانتباه العالمي، إلى فلسطين، إلى القانون الدولي، إلى خطر تحويل الصراع إلى حرب دينية، ثم إلى سوريا والحدود والمياه، ومن هناك إلى الدبلوماسية الأردنية ودور المملكة في الإقليم.

هذا البناء جعل الخطاب يبدو في جوهره كأنه يقول للعالم: يمكنكم أن تختلفوا في السياسة، لكن لا يمكنكم أن تختلفوا إلى ما لا نهاية حول معنى القانون، ولا يمكنكم أن تطلبوا من الدول احترام النظام الدولي بينما تسمحون بتحويل انتهاكاته إلى أمر واقع.

وفي تقديري، فإن القيمة السياسية الحقيقية للخطاب لن تقاس فقط بما قيل في قاعة الجمعية العامة، وإنما بما إذا كان المجتمع الدولي سيحوّل هذه الرسائل إلى سياسات.

هل ستبقى التحذيرات بشأن الضفة الغربية مجرد بيانات؟ هل ستستمر عملية تغيير الواقع على الأرض دون كلفة سياسية؟ هل سيظل حل الدولتين شعاراً دبلوماسياً بينما تتغير الجغرافيا؟ وهل سيستمر العالم في إدارة الصراع بدلاً من محاولة إنهائه؟ وهل سيتم التعامل مع أمن الأردن المائي والحدودي باعتباره مصلحة أردنية داخلية فقط، أم باعتباره جزءاً من الاستقرار الإقليمي؟

هذه هي الأسئلة التي تركها الخطاب مفتوحة.

وفي النهاية، فإن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد دفاع عن موقف الأردن، ولا مجرد تجديد للثوابت الأردنية تجاه فلسطين والقدس. كان، في جوهره، مرافعة من أجل إعادة الاعتبار لفكرة أن السياسة الدولية تحتاج إلى قواعد، وأن القواعد تحتاج إلى تطبيق، وأن السلام لا يمكن أن يقوم على إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية.

لقد تحدث جلالة الملك باسم الأردن، لكنه خاطب العالم بلغة تتجاوز حدود الأردن.

وحين قال إن المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضاً بما نختار أن نتجاهله، فقد وضع أمام المجتمع الدولي مسؤولية أكبر من مجرد اتخاذ موقف من أزمة بعينها: مسؤولية الاختيار بين عالم يتعامل مع الظلم باعتباره خبراً عابراً، وعالم يدرك أن تجاهل الأزمات لا يلغيها، وإنما يؤجل كلفتها ويزيدها تعقيداً.

وبالنسبة إلى الأردن، كانت الرسالة أكثر وضوحاً: السلام خيار استراتيجي، والدبلوماسية أداة، والقانون مرجعية، لكن الأمن الوطني ليس موضعاً للمساومة.

وهذه ليست لغة دولة تبحث عن مواجهة، بل لغة دولة تعرف ثمن الحرب، وتؤمن بالسلام، لكنها تعرف أيضاً أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق، وأن الاستقرار لا يمكن أن يبنى على فرض الأمر الواقع، وأن الدبلوماسية لا تكون ذات معنى إذا فقدت قدرتها على حماية المصالح الوطنية.

ولهذا كان خطاب الملك قوياً دون صخب، حازماً دون انفعال، وإنسانياً دون أن يفقد صرامته السياسية.

وفي زمن تتغير فيه مواقف الدول بسرعة، وتتبدل فيه أولويات العالم من أزمة إلى أخرى، بقيت الرسالة الأردنية ثابتة: لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا قانون، ولا قانون بلا تطبيق، ولا أمن للأردن بمعزل عن أمن المنطقة، ولا مستقبل مستقر للشرق الأوسط من دون حل عادل للقضية الفلسطينية.

وهذه، في النهاية، هي الرسالة التي حملها الأردن إلى العالم من على منبر الأمم المتحدة: لا تديروا الصراع أكثر؛ واجهوه. لا تجعلوا القانون شعاراً؛ طبقوه. ولا تجعلوا السلام مجرد هدنة بين حربين؛ اصنعوا شروطه.