د. نسرين مستو اسعد
النقاط الرئيسه:
- في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأُخرى، لماذا اول مُنشأة حيوية للغاز الطبيعي المُسال تم قصفُها من قِبل إيران هي مُنشأة رأس لفان الصناعية في قطر؟
- على من يُؤثر إغلاق مضيق هُرمز؟ ومن المُستفيد من إغلاقه؟
- لماذا كان هُناك لأكثر من مئة عام احتياطي فيدرالي لغاز الهيليوم في الولايات المتحدة؟ ولماذا تمت خصخصته في عام 2013؟
- لماذا ارتفعت أسعار غاز الهيليوم مؤخراً 100% ~ 251%، ومن المُستفيد؟
- ما علاقة الهيليوم بصناعة أشباه الموصلات؟
- لماذا تقوم الصين بإعادة تدوير الهيليوم في معامل أشباه الموصلات؟
- لماذا أعلنت كُلٌ من الصين وروسيا حظراً موقتاً على توريد الهيليوم المُنتج من آبارها؟
سوف يُجيب هذا البحث عن هذه الأسئلة من خلال تحليل أكاديمي تكنو- سياسي بحت وسوف تُترك للقارئ مساحة من الحرية في تحليل واستنباط أسباب الصراعات الجيوسياسية المُعقدة في الشرق الأوسط.
في عام 2017, فرضت كُلٌ من المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مملكة البحرين وجمهورية مصر قيوداً على المجال الجوي والبري لقطر، كما أعلنت هذه الدول قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر بسبب سياستها المُتطرفة الداعمة للإخوان المُسلمين في المنطقة وعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع إيران التي تتشارك معها حقول بارس للغاز الطبيعي. سياسة قطر في ذلك الوقت لم تكن تتناسب مع سياسة دول الجوار الإقصائية والعدائية لإيران. لذلك قامت هذه الدول بقطع العلاقات مع قطر وفرض حصار اقتصادي عليها. في المُقابل، رفضت قطر هذه الاتهامات واعتبرت الإجراءات التعسفية المفروضة عليها انتهاكاً لسيادتها وتعدياً على سياساتها المُستقلة.
أثَرَ حِصار قطر الذي دام أربع سنوات على توريد الغاز الطبيعي المُسال والهيليوم عالمياً، إذ أنّ قطر تُغطي ثُلث احتياج العالم، اي ما يُقارب 32% من الهيليوم وهي ثاني أكبر مُصدر لغاز الهيليوم في العالم بعد الولايات المُتحدة التي تُقّدر صادراتها حوالي 42%. لذلك كان لهذا الحصار تأثير قوي على الدول المُستوردة، مثل الصين وتايوان والهند وكوريا الجنوبية، التي تعتمد على الصناعات التكنولوجية المُتقدمة.
تمكنت قطر من تنظيم سلاسل الإمداد وفتح خطوط إمداد جديدة عبر سلطنة عُمان وإيران وتركيا، ولكن الاضطرابات المؤقتة في صادرات الهيليوم دفعت الدول المستوردة وعلى رأسهم الصين إلى التفكير ملياً في إيجاد مصادر توريد بديلة لمواجهة عدم الاستقرار في سوق الهيليوم.
استخدامات غاز الهيليوم
يُعد غاز الهيليوم ذات أهمية عالية للأمن القومي في البلدان المُتقدمة تكنولوجياً وعسكرياً. يُستخدم الهيليوم في تبريد أنظمة الرادارات المتطورة، والحواسيب الكمية، وأنظمة توجيه الصواريخ، واجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء، واجهزة الرنين المغناطيسي النووي.
تعتمد وزارة الدفاع الأمريكية ووكالة ناسا على الهيليوم في برامجها الصاروخية وأقمارها الاصطناعية كما تستخدمه لكشف التسربات شديدة الدقة في المُفاعلات النووية. يدخل الهيليوم ايضاً في تصنيع الألياف الضوئية حيثُ يُساهم في عملية تبريد الألياف، زيادة سرعة العبور، ومنع تكسُر الألياف الدقيقة. مؤخراً تم استخدام الهيليوم في صناعة أشباه الموصلات الذكية (الرقائق الإلكترونية) من خلال تبريد رقائق السيليكون أثناء التصنيع لتحسين نقل الحرارة والمحافظة على جودة المكونات الدقيقة والحفاظ على المسافات بين جزيئات النانو خلال حفر الليزر على سطح الرقائق المُصنعة. تُعد مصانع أشباه الموصلات الأكثر استهلاكاً للهيليوم النقي فهي تستهلك 24 % من الإنتاج العالمي.
يُعتبر الهيليوم غاز خامل أي أنه لا يتفاعل كيميائياً مع أي مواد كيماوية او حساسة وهذا يمنحه خاصية مميزة لاستخدامه في المعامل النووية، وأسلحة الليزر المتطورة، رؤوس الصواريخ الذكية، والطائرات المُقاتلة ومُختلف أنظمة الدفاع العسكرية.
بالرغم من استعمالاته المُتعددة في الصناعات الفائقة الدقة، يُعتبر الهيليوم مادة نادرة وغاز مُتطاير لا يُمكن تخزينه لفترات طويلة كما أنه مادة لا يُمكن استبدالها او تصنيع مادة مُشابهة لها بذات الخصائص والنقاء. من هنا برزت أهمية الهيليوم كمورد إستراتيجي فائق الأهمية وأي اضطرابات في عمليات الإمداد يؤثر في جهوزية الدفاع القومي للبلدان التكنولوجية المُتطورة وعلى تصنيع أشباه الموصلات.
الهيليوم ودرجة الصفر المُطلق
يُستخرج الهيليوم من بعض (وليس كُل) حقول الغاز الطبيعي حول العالم عبر عملية تقطير تجزيئي للغاز الطبيعي. لذلك انتاج الهيليوم يكون دائماً في المعامل الحرارية الحديثة والمُنشآت التي تُحول الغاز الطبيعي إلى سائل. بعد المعالجة الأُولية يُبرد الغاز الطبيعي لتسييله وتنقيته عبر عمليات تبريد متتالية لفصل غازات متنوعة وأبرزها غاز الهيليوم القيّم. عندما تصل درجة الحرارة إلى C° 268 – درجة التي تسمح بفصل غاز الهيليوم عن الغاز الطبيعي، يتم فصل الهيليوم عن الهيدروكربونات والمركبات النيتروجينية الأخرى وبذلك نحصل على هيليوم نقي بدرجة 80~88%. للحصول على درجة نقاء 99.99% من الهيليوم الخام يتم فصل الهيدروجين والأوكسجين والماء عنه وذلك على درجة حرارة قريبة من C° 269- درجة وهي النقطة الحرجة أو الصفر المطلق أو درجة الغليان. الهيليوم عالي النقاء هو الأكثر طلباً والأهم استراتيجياً حيثُ يُستخدم في مراكز البيانات للتبريد وفي تصنيع أشباه الموصلات للحفاظ عليها ومنعها من الأكسدة.
سلاسل توريد الهيليوم
يُسيطر على سلاسل توريد الهيليوم خمس دول هم على التوالي: الولايات المتحدة الأمريكية، وقطر، والجزائر، وروسيا، وجنوب أفريقيا.
على مدى قرن كامل (1925 – 2024)، حافظت الولايات المتحدة على مخزون احتياطي فيدرالي من الهيليوم النقي الذي ساهم في سد احتياجات ترسانتها العسكرية والتكنولوجية المتطورة. استخدمت الولايات المتحدة مكامن جيولوجية مثل الآبار المُستنفدة والتجويفات الصخرية العميقة لتخزين الهيليوم واستخدامه عند الحاجة. ساهم هذا المخزون في دعم الابتكار العلمي والتطور التكنولوجي داخل الولايات المتحدة على مدى عقود.
بعد اكتشافات حقول الغاز الطبيعي في تكساس ولويزيانا وكانساس أصبحت الولايات المتحدة المُصّدر الأول للهيليوم حول العالم. لذلك في عام 2013 تم خصخصة آبار المخزون الفيدرالي وبيع الهيليوم المُنقى للشركات المحلية مما عزز إيرادات الخزينة الحكومية وساهم في إنهاء الأزمة الاقتصادية التي كانت مُهيمنة في ذلك الوقت. شَهِد عام 2024 سحب أخر مخزون للهيليوم من جوف الأرض وتم اغلاق تلك الآبار نهائياً.
تُعتبر قطر ثاني أكبر مُصّدر للهيليوم في العالم من بعد الولايات المتحدة، وهي تُصّدر حوالي 80% من إنتاج الهيليوم إلى الصين التي تستخدمه في صناعة أشباه الموصلات، وتبريد مراكز البيانات، وأنظمة الدفاع العسكرية. بالإضافة إلى الاستيراد من قطر، تستورد الصين الهيليوم من الجزائر، ولكن بكميات أقل.
بعد حصار قطر في 2017 وأزمة الهيليوم، بدأت الصين بالاعتماد على الجزائر لاستيراد الهيليوم وبدأت تستعد للاعتماد على روسيا وخاصةً بعد مشروع “أمور” العملاق والمُنفذ عبر شركة غازبروم لمعالجة الغاز الطبيعي والذي كان من المُقرر أن يجعل روسيا المُصّدر الأول للهيليوم في العالم مع احتمالية توجيه جزء كبير منه إلى الأسواق الآسيوية، تحديداً الصين.
عند اكتمال التشغيل في مُنشأة آمور في أُكتوبر عام 2021 شبَّ حريق في المعمل نتج عنه توقف عمليات الإنتاج والتسييل. سارعت روسيا بدعم شركة غازبروم في إعادة البناء والتأهيل إلا أنه في 5 يناير عام 2022، اي بعد اقل من أربعة أشهر على الحريق الاول، شبَّ حريق أخر في خطوط الإنتاج كما وقع انفجار في جزء من المُنشأة أدى إلى توقف وحدات إنتاج الغاز المُسال والهيليوم لأشهر عديدة. نتج عن الانفجار أضرار جسيمة ساهمت في تأجيل خُطط روسيا في أن تُصبح الموّرد الأول للهيليوم في العالم.
تعافت مُنشأة “آمور” تدريجياً، ولكن لغاية الآن ما زالت عمليات الترميم والاستحداث قائمة لإتمام المشروع.
الجزائر هي الثالثة عالمياً في تصدير الهيليوم. الجزء الأكبر من إنتاجها يتم تصديره إلى دول أوروبا وآسيا. زادت أهمية صادرات الجزائر بعد الاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية وأصبح الهيليوم الجزائري بديل استراتيجي وعُنصر مؤثر في أمن وتوازن سلاسل الإمداد.

https://elements.visualcapitalist.com/charted-helium-production-by-country/

رسم توضيحي للبلدان المنتجة للهيليوم. المصدر USGS
مضيق هُرمز وتأثيره على الهيليوم القطري
واجهت سلاسل توريد الهيليوم تحديات كبيرة بسبب إغلاق مضيق هُرمز وذلك لأن الهيليوم غاز رقيق جداً وذراته صغيرة قابلة للتطاير والانتشار السريع. على الرغم من شحن وتصدير الهيليوم في ناقلات شحن مُبردة وفائقة العزل، دورة حياة هذا الغاز خلال عمليات الشحن لا تتعدى 45~60 يوماً من التعبئة. عندما تتجاوز مدة التخزين هوامش وقت الاحتفاظ، ترتفع درجة حرارة الفراغ العازل مما يدفع صمامات الأمان الإلزامية إلى تنفيس الغاز في الغلاف الجوي مما يؤدي إلى نقص كميات الهيليوم في هذه الناقلات.
واجهت قطر تحديات كبيرة في الشحن التجاري البحري بسبب هذه الأزمة حيث اضطرت سُفنها للمكوث طويلاً في منطقة عنق الزجاجة في مضيق هُرمز للسماح لها بالمرور. البعض من هذه السُفن أُضطر إلى تحويل المسار حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا مما أضاف 3500 ميل بحري و10~14 يوماً إضافياً. التأخير القسري في وصول السُفن الى الموانئ المُحددة لها ساهم إلى حد كبير في انخفاض أحجام التسليم وعجز في الإيرادات بالنسبة لقطر.
في 2 مارس/آذار 2026 وبعد أسبوع فقط من بدأ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قامت الأخيرة باستهداف مدينة رأس لفان الصناعية بطائرات مُسيرة أحدثت أضراراً في بعض مرافق الإنتاج وتوقفت بعض الخطوط عن العمل. في 18 و19 مارس/آذار 2026 قامت إيران بتوجيه صواريخ ذات رؤوس ذكية محملة على طائرات مُسيرة واستهدفت منشأة الغاز الطبيعي والهيليوم ومعامل تسييل الغاز في مدينة رأس لفان مما أدى إلى أضرار جسيمة في البنية التحتية للغاز والهيليوم في قطر. الاستهداف أدى إلى توقف كامل للقدرة الإنتاجية في هذه المعامل وخروجها عن الخدمة لبعض الوقت. وفي 1 أبريل/ نيسان 2026 تعرضت ناقلة الوقود Aqua 1 إلى استهداف صاروخي من إيران وهي ما زالت في المياه الإقليمية القطرية. هذه الاستهدافات المُتتالية على خطوط الانتاج واستهداف ناقلات الغاز أسفر عن خسائر لعقود توريد الغاز والهيليوم طويلة الأجل مع كُلٌ من كوريا الجنوبية والصين وتايوان.
صرحت قطر لاحقاً بأن عمليات إنتاج الغاز الطبيعي في مدينة رأس لفان الصناعية في الخطين 4 و6 المُشتركين مع أكسون موبيل قد توقفت بالكامل بالإضافة إلى مُنشأتين للغاز الطبيعي المُسال قد دُمروا تماماً وإن إعادة تأهيل هذه الخطوط والمنشآت سوف يتراوح من 3 الى 5 سنوات.
في بيان لوزير الطاقة القطري سعد الكعبي أشار فيه إلى أن الاعتداءات الإيرانية قد تسببت في تعطيل 17% من قُدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المُسال و14% من قدرتها على تصدير الهيليوم، ولكن بعض المُحللين أشاروا إلى أن النسب الحقيقية قد تكون أعلى بكثير.
تبعات إغلاق مضيق هُرمز وتأثيره على السوق العالمي للهيليوم
لم يؤثر إغلاق مضيق هُرمز فقط على تجارة الغاز الطبيعي المسال، بل ساهم ايضاً في تصعيد الاضطرابات في سوق توريد الهيليوم وخاصةّ على سلاسل التوريد إلى الصين وتايوان وكوريا الجنوبية.
يتسم سوق الهيليوم بعدم المرونة حيثُ تحتكر كُلٌ من الولايات المتحدة وقطر أكثر من 75% من الإنتاج العالمي مما يجعل الأسواق أكثر حساسية وأقل مرونة. بوجود الصراعات الحاصلة على المضيق خسرت السوق العالمية، الهيليوم القطري أي ما يُعادل ثلث الإنتاج العالمي مما أدى إلى جمود في الإمدادات أثرت على السوق العالمية وتحديداً الصين.
ساهمت الأزمة الحالية بتقييد سوق قطر لجهة الإنتاج والتصدير حيثُ انخفضت الإنتاجية في رأس لفان بشكل كبير كما تم توقيف العديد من خطوط الإنتاج بضغط من إيران كسياسة إلزامية لعدم الاعتداء. هذا التوقف القسري في إنتاج الغاز والهيليوم القطري قابله سياسة تحكُم وتقنيّن في سوق الولايات المُتحدة. إغلاق مضيق هرمز عزز سوق الهيليوم في الولايات المتحدة، على حساب سوق قطر، لجهة الاحتكار في الإنتاج والأسعار. في المقابل، أدى ازدياد الطلب على الهيليوم كعامل أساسي في الصناعات المتطورة وخاصة أشباه الموصلات إلى دفع الولايات المتحدة إلى وضع قوانين صارمة مؤقتة على عمليات التصدير.
يمكن القول بأن إغلاق مضيق هرمز أزال المُنافسة التي كانت قائمة بين قطر والولايات المتحدة على عقود تصدير الهيليوم بالإضافة إلى الحد من وصول الغاز الطبيعي المُسال والهيليوم النقي إلى شواطئ الصين بكميات كبيرة. وبذلك تكون الصين المُتضرر الأكبر من هذه الأزمة.
إنتاج الصين من الهيليوم لا يتعدى 2% من الإنتاج العالمي. هذا الإنتاج الضئيل تحول مؤخراً إلى مخزون استراتيجي لمواجهة الأزمة الحالية، كما انتهجت الصين آليات عمل حديثة لتقليل اعتمادها على الاستيراد حيث قامت باستحداث معامل تصنيع أشباه الموصلات من خلال إدراج انظمة اعادة الاستخدام أو ما يُسمى بإعادة تدوير الهيليوم حيثُ يتم سحبه من الهواء داخل المعامل بعد استخدامه ومنعه من التسرب إلى الجو. ساهمت هذه الأنظمة المُستحدثة في الحد من نقص التوريد وخاصةً في عمليات تصنيع أشباه الموصلات، ولكنها ليست حلول طويلة الأمد، إذ أن الهليوم لا يُمكن إعادة تدويره في كل الصناعات التي يدخل فيها. سياسات الصين المتعلقة باستيراد غاز الهيليوم غير مُستقرة حالياً وتمُر بأزمة حقيقية لجهة تأمين عقود ثابتة وطويلة الأمد.
للتخفيف من وطأة الأزمة الحاصلة سارعت كُلٌ من الصين وروسيا إلى فرض حظر مؤقت على صادرات الهيليوم. كما بدأت روسيا بالعمل الجدي من أجل إصلاح مُنشأة “آمور” والعمل على زيادة إنتاج الهيليوم وتخزينه. أما الولايات المتحدة فقد سارعت إلى إمداد تايوان وخاصة شركة TSMC بالهيليوم لتفادي النقص الحاصل في سلاسل التوريد من قطر. وبذلك تكون سياسة توريد الهيليوم الانتقائية التي تتبعها الولايات المتحدة هي سياسة استراتيجية قومية لدعم سلاسل توريد أشباه الموصلات لسد الاحتياجات المحلية.
أزمة الهيليوم وأثرها في الصراع الرقمي
حافظت قطر لسنوات عديدة على علاقات متوازنة مع كُلٌ من الولايات المتحدة والصين. فهي مركز لأكبر قاعدة أميركية عسكرية في الشرق الاوسط (قاعدة العديد) ولديها علاقات أمن ودفاع عسكري واستخباراتي مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، ترتبط قطر مع الصين بعلاقات دبلوماسية واقتصادية متنامية وخاصة في مجال الطاقة. هذا التوازن العسكري والاقتصادي جعل من قطر دولة استراتيجية مهمة في الشرق الأوسط وخاصةً بعد تكثيف إنتاج غاز الهيليوم وإبرام عقود تصدير طويلة الأجل مع الصين. وايضاً بعد تبنيها الرؤية الرقمية وخطة الذكاء الاصطناعي التوليدي لعام 2030
في سياق آخر، تتنافس قطر مع إيران في مجال الطاقة حيث تسعى كل دولة إلى زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المُسال والاستئثار بحجم أكبر من الحصص السوقية. على الرغم من العلاقات الدبلوماسية التي تربطهما، تبقى المنافسة ركيزة جوهرية وجانباً حتمياً يحكم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لكل منهما.
هدف إيران من ضرب عمق الإنتاج القطري من الغاز لم يكن فقط رداً على ضرب مُنشآتها في حقل بارس بل بسبب سياسة وطموح قطر اللامحدود في التحكم في سلاسل توريد الغاز وإقصاء إيران ومنعها من استخدام دول الشرق الأوسط، تحديداً سوريا، كممر لتصدير الغاز إلى أوروبا. هذا بالإضافة إلى رغبة قطر القوية في أن تصبح العرّاب الأول لغاز سوريا الطبيعي الذي من المُحتمل وجوده في صدع طرطوس (للمزيد من المعلومات راجع المقال السابق، السباق للحصول على البيانات: الغاز البحري السوري – الأهمية الاستراتيجية لحوض بلاد الشام في الصراع الرقمي). تكشَّفت تطلعات قطر بعد معاهدة شركة قطر للطاقة مع الشركة السورية للبترول وشركة توتال انرجيز وكوكونوفيلبس للتعاون في التنقيب عن الغاز قبالة شواطئ الساحل السوري. رغبة قطر في إعادة صياغة خريطة الطاقة في المنطقة والاستفادة من غاز المتوسط كانت الشُعلة التي أحرقت مُنشآتها النفطية وحدّت من خطوط الإنتاج لأعوام قادمة.
شَهِدت مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط خلال الأعوام الماضية نزاعاً خفياً وحرباّ باردة بين كل من إيران وقطر تكشفت معالمها عبر نزاعات وحروب داخل سوريا من خلال أذرع عديدة لكلا البلدين. فمن جهة كانت إيران تأمل في واجهة بحرية تُطِل من خلالها على أوروبا وتُمهد ممر بري كانت تأمل في تطويره بعد معاهدة الغاز مع سوريا والعراق في عام 2011. أما قطر فقد كانت حريصة على إفشال هذه المعاهدة وتقليص نفوذ إيران في الشرق الأوسط عبر دعم الجهاديين وإثارة الفوضى وعدم الاستقرار في سوريا.
مدينة رأس لفان الصناعية كانت هدفاً استراتيجياً مهماً حاولت من خلاله إيران إضعاف الاقتصاد القطري وتقييد عمليات إنتاج الغاز والهيليوم داخل قطر. كما ارادت إيران من خلال قصف منشآت غاز أخرى في الكويت والخليج العربي الضغط على الاقتصاد العالمي وضرب سلاسل توريد الغاز والهيليوم من أجل زيادة الضغوط الدولية على واشنطن لإنهاء التصعيد. الا ان ما نتج عن قصف المدينة الصناعية في قطر كان دعماً اقتصادياً غير مباشر للولايات المتحدة وأداة استراتيجية فعّالة استخدمتها واشنطن للتحكم في سلاسل توريد الهيليوم عالمياً والحد من تطور الصين التكنولوجي.
تداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة لا تقف عند تعطل سوق النفط العالمي والنقص في غاز الهيليوم، بل تمتد ايضاً لتشمل سلاسل التوريد العالمية ونقص في تصنيع أشباه الموصلات. هذا بالإضافة إلى التأثير في قطاعات حساسة تتعلق بالأمن القومي للبلدان والصناعات الفائقة الدقة. إن تفاقم الحصار من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على خطوط الإنتاج الحيوية مهدداً التكنولوجيا المتطورة، والاقتصاد، والأبحاث، والدراسات.
من هنا يمكن القول بأن هذه الأزمة تطرح دلالتين رئيسيتين: الأولى هي هشاشة سلاسل التوريد العالمية للهيليوم والاختلال في سوق العرض مما يُتيح للدول المُتحكمة، الولايات المتحدة، احتكار السوق والتحكم في حجم التصدير والدول التي سوف يُصّدر إليها. والدلالة الثانية هي بروز أهمية الموارد الطبيعية النادرة كجزء أساسي من معادلة القوة وعامل مهم في الوصول إلى الحوكمة العالمية.
في عالم التكنولوجيا وتحديداً أشباه الموصلات تُعتبر المعادن النادرة والغاز الطبيعي وغاز الهيليوم العصب الحركي والعمود الفقري في صناعة الشرائح الإلكترونية، من يتحكم بهذا العصب يُسيطر على كل الصناعات التكنولوجية المتقدمة والحساسة في العالم. في مقال سابق أشرنا إلى أن السياسة العالمية تتجه نحو مُعادلة ثُنائية تقوم على قطبين: الولايات المتحدة والصين (راجع المقال السابق، السباق للحصول على البيانات: التوجه نحو عالم رقمي ثنائي القطب). هذه الثنائية تتبلور أكثر وتتضح كُلما تعمقنا أكثر في تركيبة الصناعات التكنولوجية المتطورة والموارد الأساسية التي تستلزمها والحكومات التي تُسيطر عليها.
من المؤكد ان حصار مضيق هرمز هو أداة ضغط سياسية واقتصادية بيد إيران، ولكنه أضحى ايضاً اداة نفوذ وتحكم تكنولوجي رقمي بيد الولايات المتحدة الأمريكية.
نبذة عن الكاتبة د. نسرين مستو اسعد
دكتوراه في إدارة الاعمال وباحثة متخصصة في أبحاث الحكومة الإلكترونية والملفات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي التوليدي (تطبيقات ChatGPT). يركز عملها على النوايا السلوكية لدافعي الضرائب لاستخدام الحكومة الإلكترونية، ونظام الملفات الإلكتروني، واعتماد أدوات المحادثة بالذكاء الاصطناعي عند تعبئة الملفات الضريبية. وتركز حاليًا على التقاطع بين التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على التفوق العالمي.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.