أصبح من الشائع وصف عصرنا الحالي بأنه عصر ما بعد الغرب أو ربما عصر ما بعد أمريكا. لا تكمن المشكلة بالضرورة في أن هذه المصطلحات خاطئة، بل في تركيزها على ما يتم استبداله، بدلًا من التركيز على من يقوم بذلك الاستبدال. وقعتُ بدوري في هذا الخطأ. قبل سنوات، كان هناك محررٌ عنون أحد كتبي “المستقبل آسيوي“. كنت سعيد بجرأته، لكنني عاتبته قائلًا: “الحاضر آسيوي بالفعل بالنسبة لمعظم البشرية”.
تكمن أحد أصعب جوانب إيجاد المصطلح المناسب لوصف العالم الذي نعيش فيه في التركيز المفرط على فكرة النظام. دفعت نظرية العلاقات الدولية الغربية، إلى جانب تقاليد التنظير في السياسة الخارجية، الجميع إلى محاولة تحديد القواعد والمؤسسات التي تصوغ النظام العالمي أو الدولي الناشئ.
لكن لا يوجد شيء في طبيعة التاريخ أو الجغرافيا السياسية يفرض وجود نظام ثابت ومحدد. الجغرافيا السياسية هي علم عميق لديناميكيات القوة المكانية، وليست مسابقة شعبية حول من يصبح الأمين العام لحلف الناتو أو الأمم المتحدة.
تشمل الجغرافيا السياسية مستويات ومجالات متعددة، سواء كانت إقليمية أو مالية أو رقمية. وهناك أدلة وفيرة على أن المشهد الحالي مليء بأنظمة متباينة تتفاعل بطرق متعددة، دون وجود بديل موثوق به يلوح في الأفق ليحل محلها. لا توجد قوى تحافظ على الوضع القائم، ولا مؤسسات ذات شأن للحوكمة العالمية.
وفي هذا العالم، يعد مفهوم “التعددية القطبية” الذي صاغه جيمس دير ديريان، ومفهوم “العالم المتعدد” لأميتاف أشاريا، أكثر المفاهيم قدرة على تجاوز السؤال المبتذل الذي يهدف إلى جذب الانتباه “من هو رقم واحد؟” وفهم ثراء الديناميكيات العالمية.
ليس من المستغرب أن يكون كل من دير ديريان وأشاريا من أنصار حركة “العلاقات الدولية العالمية” التي نشأت من التفاعل مع أعمال البروفيسور هيدلي بول، أستاذ جامعة أكسفورد المولود في أستراليا.
ففي كتابه الرائد “المجتمع الفوضوي” المنشور عام 1977، طرح بول فكرة “القرون الوسطى الجديدة”، حيث تتداخل السلطات وتتقاطع الولاءات متجاوزة نظام الدولة الوستفالي. قبل ظهور النظام الأوروبي الحديث، كان التنافس على السلطة في القارة محصورا بين اللوردات والملوك والبابا، وقد امتدت سلطاتهم عبر شبكة معقدة من الدوقيات والإمارات، وصولا إلى الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وفي مناطق حيوية مثل بحر البلطيق وبحر الشمال، كانت اتحادات المدن، مثل الرابطة الهانزية، هي التي وضعت القواعد الفعلية للتجارة العابرة للحدود أكثر من أي “دولة” أو سلطة فوق وطنية.

رغم أننا نعيش في عالم بول – عالم زاخر بديناميكيات متعددة المستويات والجهات الفاعلة، تشمل دولًا إمبريالية، وشركات عابرة للحدود، ومجتمعات رقمية غير حكومية، وغير ذلك – فإن خطابنا السائد يميل إلى التبسيط المفرط، وكأن عالم عام 2050 يمكن تفسيره بعملية قرعة للاختيار بين الولايات المتحدة والصين.
ينبغي أن نتبنى التعددية، ونقلل من شأن الأيديولوجيات الشمولية، ونستكشف الروابط بين القوى على المستوى دون العالمي.
يُعد باري بوزان، من كلية لندن للاقتصاد، أبرز وريث فكري لهيدلي بول، لكنه ينتقد المركزية الأوروبية في فكره، ويطرح فكرة “المجمعات الأمنية الإقليمية“. يوفر المنظور الإقليمي أداة لتوضيح غياب البنية العالمية الموحدة.
كلما اقتربنا من منطقة معينة، انهارت التعميمات حول التسلسل الهرمي للقوى، وتجلّت الطبيعة غير الخطية لعالمنا المعاصر. وبدلًا من أن ينشغل الأكاديميون بـ”من يصبح قوة عظمى؟”، ينبغي لنا أن ننظر إلى القوى التي تتمتع بنفوذ أكبر أو أقل، وأين وكيف يُمارس هذا النفوذ.
لنأخذ أمريكا اللاتينية مثالًا. حققت الصين على مدى عقدين تقدمًا كبيرًا في تمويل البنية التحتية الحيوية وبناء علاقات تجارية استراتيجية واستخراج المواد الخام وتعزيز صادراتها، ثم قلبت إدارة ترامب المشهد رأسًا على عقب في غضون أشهر.
فقد أجبرت بنما على الحكم بعدم دستورية الامتياز الممنوح لشركة صينية لتشغيل موانئ قناة بنما، وأطاحت بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأعادت توجيه تدفقات النفط إلى الولايات المتحدة بدلًا من الصين، ووقعت اتفاقيات ثنائية لاستخراج ومعالجة المعادن الحيوية مثل الليثيوم مع حكومات من المكسيك وتشيلي والأرجنتين.
وبينما يسخر البعض من “مبدأ دونرو”، فإن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 وقمة “درع الأمريكيتين” الأخيرة تجسدان بوضوح منطق القرن التاسع عشر القائم على أولوية العلاقات القارية على التحالفات البعيدة. وهكذا، يظل نصف الكرة الغربي حتى الآن أحادي القطب كما كان.

تبدو الصورة مختلفة تمامًا عندما ننتقل إلى نصف الكرة الأرضية الآخر. بدأت أوروبا، التي طالما اعتُبرت لاعبًا جيوسياسيًا هامشيًا، بزيادة وتيرة تحركاتها. بعد عقود من اللجان المرموقة التي أعقبها التقاعس عن العمل، قررت أوروبا أخيرًا أن تفعل “كل ما يلزم” لتتوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة.
رفضا للانصياع إلى مخططات ترامب بغزو غرينلاند والتخلي عن أوكرانيا، كثف الاتحاد الأوروبي خططه للتكامل الدفاعي والنووي، والسيادة التكنولوجية، واتحاد أسواق رأس المال، والاتحاد المصرفي، وعشرات المبادرات الأخرى لتوحيد قواه.
تفوقت أسواق الأسهم الأوروبية على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في عام 2025، ولأول مرة يكون عدد الأمريكيين المنتقلينللعيش في أوروبا أكبر من عدد الأوروبيين المنتقلين إلى الولايات المتحدة. يعيد الأمريكيون لأوروبا عظمتها مرة أخرى، وهو مثال آخر على سرعة التحولات الجيوسياسية. وإذا انسحبت الولايات المتحدة من الناتو، فإن سعي أوروبا للاستقلال الاستراتيجي سيتسارع أكثر.
تُظهر منطقة المحيطين الهندي والهادئ كيف تتفوق لفوضى الاستراتيجية على أوهام التوافق مع استراتيجية إمبراطورية واحدة. قبل عقد من الآن، كان من الشائع القول إن مبادرة الحزام والطريق الصينية تمثل صعودًا عابرًا للقارات، حيث شيدت السكك الحديدية وخطوط الأنابيب وأسطولًا بحريًا ضخمًا في عملية استعمارية جديدة تمتد من القطب الشمالي إلى أفريقيا.
لكن قوة الهند الإقليمية بدأت تتزايد بشكل ملحوظ في محيطها البحري، بأكثر من 100 سفينة حربية، ومناورات عسكرية، وعقيدة استراتيجية تركز على الأمن المتبادل والإنقاذ. لعقود، كان يُقال إن الولايات المتحدة وحدها تستطيع حماية الممرات البحرية العالمية، لكن اتضح أن سلامة البحار تتطلب مفاوضات حسب الظروف، ويمكن تنظيمها جماعيًا دون مشاركة واشنطن.

ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد الولايات المتحدة من أوراسيا. تعمل أوروبا والهند واليابان على ضمان مصالحها الاستراتيجية، وهي تحتاج إلى واشنطن بهدف ضمان عدم هيمنة بكين على نصف الكرة الشرقي كما تهيمن الولايات المتحدة على النصف الغربي.
تتعاون القوى عبر الأطلسي والمحيطين الهندي والهادئ لبناء سلاسل توريد مرنة عالية التقنية لا تخضع لسيطرة بكين. يمكن تشبيه ذلك بتحالف الناتو مع “الرباعية الأمنية في المحيطين الهندي والهادئ” (الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا)، لكن على أساس وظيفي وليس عبر معاهدات رسمية بضمانات أمنية. لا شك أن واشنطن كانت المحرك الأساسي وراء الكواليس، ويكفي النظر إلى مبادرة “باكس سيليكا“.
في الواقع، تختلف ركائز النظام الدولي باختلاف زاوية النظر. في حين يرى الباحثون الغربيون أن دولهم تضعف تدريجيًا، نجد في معظم أنحاء آسيا، وبالتالي في معظم أنحاء العالم، أن الدولة لم تكن يومًا أقوى مما هي عليه الآن.
تمتلك الصين اليوم قدرات دولة تفوق أي إمبراطورية في تاريخ العالم. وقد أعطت دول الخليج النفطية في غرب آسيا الأولوية للتحديث الداخلي والتنويع الاقتصادي، مع ميل علاقاتها التجارية في مجال الطاقة نحو الشرق، وشراكاتها العسكرية نحو الغرب. ستسرّع الحرب مع إيران من هذا الاتجاه، إذ ستتبنى هذه الدول بدائل للدولار، بينما تشتري في الوقت نفسه المزيد من الأسلحة الغربية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وبينما تزداد قوة بعض الدول الكبرى أكثر من أي وقت مضى، تواصل بعض المدن-الدول تحقيق إنجازات تفوق إمكانياتها بكثير. فهي تجسد المبادئ الجيوسياسية التي تحدد فيها الجاذبية والترابط مدى التأثير الخارجي أكثر من الحجم وحده.
أصبحت دول مثل سنغافورة والإمارات العربية المتحدة بمثابة مغناطيس يجذب رأس المال والمواهب في أوقات عدم الاستقرار. في الواقع، رغم حرب إيران، لم يغادر مواطنو دول جنوب آسيا الإمارات، بل إن العديد من الأوروبيين الذين غادروا في البداية يعودون الآن. وقد شكلت مجموعة من المراكز – مثل لشبونة وأثينا ودبي وبالي وغيرها – شبكة يتدفق عبرها رواد الأعمال والعاملون في مجال المعرفة، خاصة منذ جائحة كوفيد-19.
ما الذي يعنيه كل هذا بالنسبة للولايات المتحدة؟ هذا المشهد الشبيه بالقرون الوسطى ليس لحظة مجد ولا اندثار. انتهى العالم أحادي القطب، سواء على الورق أو في الواقع، لكن لن تحل محله قوة واحدة أو نظام واحد.
نحن لا ننتقل من عالم مستقر تشكله الدول القومية إلى فترة من الفوضى ما بعد القومية، بل نشهد بروز أنماط لا تتناسب مع السلاسل الهرمية التقليدية أو النماذج التاريخية. الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن القوة موضع نزاع دائم بصورة غير متكافئة ومتغيرة بشكل شبه يومي.
لم يُطلق اسم “العصور الوسطى” إلا بعد زمن طويل من انتهائها. واليوم، ينبغي أن ندرك أننا نعيش في عصور وسطى جديدة.
المصدر: فورين بوليسي
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.