أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / ازدواجية الردع النووي: حين يُحتكر “الأمان” ويُصادَر حق الآخرين فيه

ازدواجية الردع النووي: حين يُحتكر “الأمان” ويُصادَر حق الآخرين فيه

لما الركاد

في عالم يُفترض أنه محكوم بقواعد دولية واضحة، يبدو ملف السلاح النووي في الشرق الأوسط مثالًا صارخًا على اختلال المعايير. فبينما يُسمح لطرف واحد بامتلاك أقصى أدوات الردع دون رقابة أو التزام قانوني، يُحرَّم على بقية دول المنطقة—بل ويُعاقَبون حتى على تطوير برامج نووية سلمية—تحت ذريعة “حفظ الاستقرار”.

هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لنظام دولي أن يدّعي منع الانتشار النووي، بينما يتسامح مع وجود ترسانة نووية غير مُعلَنة في قلب منطقة مشتعلة أصلًا بالصراعات؟

إن السماح لإسرائيل بامتلاك سلاح نووي دون أي التزامات شفافة أو ضمانات أمنية حقيقية للدول العربية المحيطة—من سوريا ولبنان والأردن إلى فلسطين ومصر—لا يمكن فهمه إلا في إطار منطق القوة، لا القانون. فالدول العربية، التي عانت لعقود من الحروب والاحتلال والتهجير، تجد نفسها مطالبة بالثقة في توازن ردع لا تشارك فيه، ولا تملك أدوات التأثير عليه.

الأخطر من ذلك، أن هذا “الاستثناء” لا يقف عند حدود القبول الضمني، بل يتحول إلى سياسة نشطة تمنع أي قوة إقليمية أخرى من الاقتراب من القدرات النووية، حتى لأغراض سلمية. فحين يُنظر إلى محاولات دول مثل إيران لتطوير برنامج نووي—even تحت رقابة دولية—كتهديد وجودي، بينما يُتجاهل واقع قائم لدولة تملك بالفعل هذا السلاح، فإننا أمام ازدواجية لا يمكن تبريرها أخلاقيًا أو منطقيًا.

بل إن المفارقة تزداد وضوحًا عند مقارنة هذا الوضع بحالات أخرى، مثل باكستان، التي طورت سلاحها النووي في سياق إقليمي معقد، لكنها لم تواجه نفس القدر من الضغوط المستمرة بعد أن أصبح الأمر واقعًا. ما يعني أن المسألة ليست “مبدأ منع الانتشار”، بل من يُسمح له بتجاوزه دون عقاب.

في المقابل، تبرر إسرائيل امتلاكها لهذا السلاح بأنه ضرورة للدفاع عن النفس. غير أن هذا التبرير، الذي قد يبدو مقنعًا من زاوية واحدة، يُنظر إليه بشكل مختلف تمامًا من قبل السكان الأصليين للمنطقة. فبالنسبة لملايين العرب الذين عاشوا تجارب النزوح وفقدان الأرض والحقوق، لا يُرى هذا “الردع” كوسيلة حماية، بل كأداة تُكرّس واقعًا غير متكافئ، حيث يُؤمَّن طرف على حساب أمن وحقوق طرف آخر.

وهنا يكمن جوهر الإشكالية:
ما يُقدَّم كـ “أمن” لطرف، يُعاش كـ “تهديد دائم” لطرف آخر.

إن استمرار هذا الوضع لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يُعمّق الشعور بالظلم، ويُغذي سباقًا غير معلن نحو التسلح، حتى وإن كان مكبوتًا بفعل الضغوط الدولية. فلا يمكن بناء أمن حقيقي في منطقة ما، بينما يُطلب من جزء كبير من شعوبها القبول بمعادلة لا تضمن لهم الحد الأدنى من التوازن أو العدالة.

الحل لا يكمن في توسيع دائرة التسلح النووي، بل في إعادة تعريف الأمن الإقليمي على أساس شامل وعادل. وهذا يعني بوضوح: إما أن يخضع الجميع لنفس القواعد، أو أن تظل هذه القواعد موضع شك وفقدان شرعية.

إن الدعوة إلى شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي ليست مجرد طرح مثالي، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. لكنها لن تتحقق ما لم تبدأ من النقطة الأكثر حساسية: إخضاع جميع الأطراف—دون استثناء—لنفس المعايير، ونفس الالتزامات، ونفس مستوى المساءلة.

بدون ذلك، سيبقى الحديث عن “منع الانتشار” مجرد شعار، بينما يستمر الواقع في تكريس احتكار القوة، وتهميش حق الآخرين في الأمان والكرامة.

لما الركاد كاتبة وصحفية واعلامية سورية