د. شهاب المكاحله
هناك لحظات نادرة في التاريخ تُجبرنا على التوقف، ليس فقط لمراقبة ما يحدث، بل لإعادة تفسير كل ما اعتقدنا أننا نفهمه عن القوة والنفوذ والنظام الدولي. الحرب الدائرة اليوم حول إيران، وما يتداخل فيها من أدوار أمريكية وإسرائيلية وإقليمية، ليست مجرد صراع عسكري عابر، بل هي لحظة انكشاف كبرى، لحظة تُسحب فيها الستارة عن مسرح السياسة الدولية، فتظهر الحقيقة عارية من كل زخارفها. في هذه اللحظة، يمكن تخيّل Niccolò Machiavelli وهو يعيد قراءة مفهوم القوة، وWilliam Shakespeare وهو يكتب فصلاً جديدًا من مأساة الغرور، و George Bernard Shaw يسخر من تناقضات الخطاب السياسي، بينما Anton Chekhov يهمس بأن النهاية كانت حتمية منذ البداية، ويقف Sophocles ليذكّرنا بأن القدر لا يُهزم، فيما يراقب Mao Zedong بصمت، مدركًا أن الزمن، لا القوة، هو العامل الحاسم في الحروب الكبرى. إن ما نشهده اليوم ليس حربًا بقدر ما هو اختبار نهائي لوهم استمر لعقود، وهم أن القوة العسكرية وحدها قادرة على تشكيل العالم وفق إرادة طرف واحد.
وهم الأحادية القطبية: حين تفشل القوة في إنتاج السياسة
منذ نهاية الحرب الباردة، ترسخ في الوعي العالمي أن الولايات المتحدة تمثل القطب الأوحد، وأنها قادرة، بما تمتلكه من تفوق عسكري وتكنولوجي، على فرض رؤيتها على النظام الدولي. غير أن هذا التصور، الذي بدا وكأنه حقيقة راسخة، لم يكن سوى لحظة تاريخية مؤقتة. اليوم، يتضح أن هذا التفوق لم يعد كافيًا لتحويل القوة إلى نتائج سياسية ملموسة. فالقوة، كما أشار Niccolò Machiavelli، لا تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على فرض الطاعة وتحقيق الأهداف. وفي هذا السياق، تكشف الحرب الحالية عن مفارقة عميقة: الولايات المتحدة تمتلك كل أدوات الهيمنة، لكنها عاجزة عن ترجمتها إلى إنجاز سياسي حاسم. المشهد هنا يكاد يكون تشيخوفياً؛ الأدوات موجودة، القدرات حاضرة، لكن النتيجة غائبة. وكأننا أمام قوة عظيمة فقدت قدرتها على التأثير، لا لأنها ضعفت عسكريًا، بل لأنها فقدت القدرة على تحويل القوة إلى نفوذ فعلي. هذه ليست مجرد أزمة تكتيكية، بل أزمة بنيوية تعكس بداية نهاية مرحلة تاريخية كاملة.
الغرور الاستراتيجي: مأساة القوة حين تفقد عقلها
في الأدب الشكسبيري، لا تسقط الشخصيات العظيمة بسبب ضعفها، بل بسبب غرورها. وهذا بالضبط ما نراه اليوم في السلوك السياسي الأمريكي؛ قوة هائلة تُدار بعقلية تفتقر إلى الاتزان الاستراتيجي. الخطاب المرتفع، التهديدات المتكررة، الأهداف المعلنة التي لا تتحقق—كلها تعكس حالة من التخبط أكثر مما تعكس سيطرة. هنا تتجلى المفارقة التي كان George Bernard Shaw سيسخر منها: أن المشكلة ليست في نقص القوة، بل في سوء استخدامها. فحين تتحول القوة إلى استعراض، تفقد وظيفتها الأساسية. الأهداف التي طُرحت—من تغيير النظام إلى فرض الاستسلام—لم تتحقق، بل على العكس، كشفت عن حدود هذه القوة. وهذا الفشل لا يُقاس بعدد الضربات أو حجم الدمار، بل بغياب النتائج السياسية. إنها لحظة إدراك مؤلمة: أن القوة، حين تُفصل عن الحكمة، تتحول من أداة سيطرة إلى أداة استنزاف.
حرب الاستنزاف: منطق (ماو) في مواجهة الهيمنة
في مواجهة هذا التفوق، يظهر نموذج مختلف تماما لإدارة الصراع، نموذج يقوم على الصبر والاستنزاف، وهو ما يمكن ربطه بفكر Mao Zedong حول الحرب طويلة الأمد. في هذا النموذج، لا يسعى الطرف الأضعف إلى تحقيق نصر سريع، بل إلى إطالة أمد الصراع حتى تتحول قوة الخصم إلى عبء عليه. وهذا ما نشهده بوضوح؛ الحرب لم تعد مواجهة مباشرة بين جيوش، بل شبكة معقدة من الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والاختراقات الاستخباراتية. إنها حرب تُدار عن بُعد، حيث يتحول الزمن إلى سلاح بحد ذاته. وكلما طال أمد الحرب، زادت كلفتها السياسية والاقتصادية على الطرف الأقوى. هنا، يتحقق ما يشبه النبوءة السوفوكلية: أن المصير لا يُحسم بضربة واحدة، بل يتشكل عبر سلسلة من الأحداث التي تبدو في ظاهرها متفرقة، لكنها تقود في النهاية إلى نتيجة حتمية. الاستنزاف ليس ضعفًا، بل استراتيجية واعية تهدف إلى تفكيك التفوق تدريجيًا.
تفكك التحالفات: حين تسقط الثقة يسقط النظام
النظام الدولي لا يقوم فقط على القوة، بل على شبكة من التحالفات التي تعتمد في جوهرها على الثقة. لكن هذه الحرب كشفت أن هذه الثقة قد تآكلت بشكل كبير. الموقف الأوروبي، الذي يتسم بالتردد والابتعاد النسبي، لا يمكن تفسيره كحياد بسيط، بل كإشارة إلى تصدع عميق في العلاقات عبر الأطلسي. التحالف الذي كان يُنظر إليه كأحد أعمدة النظام العالمي بات اليوم هشًا، وكأننا أمام مسرحية ساخرة من أعمال George Bernard Shaw، حيث يظهر التماسك في الخطاب، بينما الواقع يعكس تباعدًا واضحًا. حين يبدأ الحلفاء في حساب مصالحهم بشكل منفصل، يفقد التحالف معناه الحقيقي. وهذا ما يحدث الآن: انتقال من التضامن إلى البراغماتية، ومن الالتزام إلى التردد. إنها بداية تفكك تدريجي لنظام استمر لعقود.
الخليج العربي: أمن مُتخيَّل وانكشاف واقعي
ربما يكون المشهد الأكثر وضوحًا لهذا الانكشاف هو ما يحدث في الخليج العربي، حيث يتضح أن ما كان يُعتقد أنه نظام أمني متماسك ليس سوى شبكة من الترتيبات غير الملزمة. القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية التي كانت تُقدم كضمانة للحماية، اتضح أنها تخدم بالدرجة الأولى مصالح الولايات المتحدة، دون التزام فعلي بالدفاع عن الحلفاء. هذه المفارقة تحمل طابعًا سوفوكلياً واضحًا: الأدوات التي بُنيت للحماية تحولت إلى مصادر تهديد. القواعد أصبحت أهدافًا، والوجود العسكري أصبح عبئًا. وهنا يظهر البعد المكيافيلي بوضوح: السياسة لا تعرف الصداقات الدائمة، بل المصالح الدائمة. وما لم تُترجم هذه المصالح إلى التزامات واضحة، تبقى مجرد وعود قابلة للتبخر في لحظة الأزمة. إن ما يحدث اليوم هو إعادة تعريف جذرية لمفهوم الأمن في المنطقة.
التفكك العربي: صمت تشيخوفي في لحظة العاصفة
في خضم هذه التحولات، يظهر العالم العربي في حالة من التفكك والغياب شبه الكامل عن الفعل الجماعي. لا يوجد تنسيق حقيقي، ولا رد موحد، بل حالة من التشتت تعكس ضعف البنية الإقليمية. هذا الصمت، الذي يكاد يكون مطبقًا، يحمل طابعا تشيخوفياً؛ حيث تتراكم الأحداث الكبرى، بينما تظل الشخصيات عاجزة عن الفعل. المفارقة المؤلمة أن الشعوب، في كثير من الأحيان، تُظهر قدراً من التضامن يتجاوز ما تعكسه السياسات الرسمية. لكن هذا التضامن يبقى محاصرًا ضمن حدود لا تسمح له بالتحول إلى قوة فعلية. النتيجة هي مشهد من الانكشاف الجماعي، حيث تقف كل دولة بمفردها في مواجهة تحديات تتجاوز قدرتها الفردية.
إسرائيل: من صورة الردع إلى لحظة الاختبار
على الرغم من الصورة التي حاولت إسرائيل ترسيخها كقوة لا تُقهر، فإن هذه الحرب كشفت عن ثغرات في هذه الصورة. مجرد قدرة الصواريخ على الوصول، رغم كل منظومات الدفاع، يغير معادلة الردع. في منطق Niccolò Machiavelli، الردع يعتمد على الخوف المطلق، وأي خلل في هذا الخوف يُضعف تأثيره. ما يحدث ليس انهياراً، لكنه بداية تآكل في الصورة الذهنية التي تم بناؤها على مدى سنوات. وفي السياسة، الصورة قد تكون أهم من الواقع، لأن الإدراك هو ما يحدد سلوك الأطراف الأخرى.
نحو نظام متعدد الأقطاب: صعود على أنقاض التراجع
في كل مرحلة انتقالية، يفتح تراجع قوة المجال لصعود قوى أخرى. الصين وروسيا تمثلان أبرز المستفيدين من هذا التحول. الصين، التي تتبع سياسة الصبر الاستراتيجي، تستفيد من انشغال الولايات المتحدة لتوسيع نفوذها، بينما تستفيد روسيا من التحولات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالحرب. هذا المشهد يعكس بوضوح منطق Mao Zedong: أن أفضل طريقة لمواجهة الخصم هي تركه يستنزف نفسه. العالم يتجه نحو تعددية قطبية، لكن هذا الانتقال لا يحدث بسلاسة، بل يرافقه قدر كبير من الاضطراب وعدم اليقين.
غزة: الشرارة التي أعادت تشكيل المشهد
في نهاية المطاف، لا يمكن فهم هذه التحولات دون العودة إلى نقطة البداية: غزة. ما بدأ كصراع محلي تحول إلى حدث مفصلي أعاد تشكيل ديناميكيات الإقليم والعالم. التأثيرات لم تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل امتدت لتطال بنية النظام الدولي نفسه. وكما في التراجيديات الشكسبيرية، فإن الأحداث الكبرى لا تنشأ فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات طويلة تصل في لحظة معينة إلى نقطة الانفجار. هذه اللحظة هي ما نعيشه اليوم، حيث تتقاطع الأزمات وتتشابك المصالح في مشهد معقد يصعب التنبؤ بمآلاته النهائية.
سقوط الوهم وبداية زمن جديد
في النهاية، تكشف هذه الحرب عن حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن القوة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصنع النظام أو الحفاظ عليه. إنها تذكرنا بأن السياسة، في جوهرها، فن إدارة التعقيد، لا مجرد استعراض للقوة. ربما كان Niccolò Machiavelli سيصف ما يحدث بفشل في فن الحكم، وربما رآه William Shakespeare مأساة غرور، بينما اعتبره George Bernard Shaw مهزلة تناقضات، ورآه Anton Chekhov حتمية تاريخية، واعتبره Sophocles قدراً لا مفر منه، بينما وصفه Mao Zedong بأنه بداية حرب أطول. لكن، بعيدًا عن كل هذه القراءات، سيكتب التاريخ هذه اللحظة ببساطة شديدة: إنها اللحظة التي سقط فيها الوهم.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
