لما الركاد
في عالم اليوم، يتصدر الخطاب الغربي مشهد الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، مقدّمًا نفسه بوصفه الحارس الأول لقيم العدالة والحرية. ومن الشرق الأوسط إلى مناطق أخرى مضطربة، لا يتردد هذا الخطاب في الدعوة إلى تمكين جماعات عرقية أو دينية، تحت عناوين لامعة مثل “تقرير المصير” و“حماية الحقوق”. غير أن هذا الحماس الخارجي يفتح بابًا لسؤال لا يمكن تجاهله: ماذا عن الداخل؟
حين نُدير النظر نحو تاريخ السكان الأصليين في القارة الشمالية، تتبدل الصورة. فهذه القارة، التي تُقدَّم اليوم كنموذج للديمقراطية الحديثة، قامت جزئيًا على مسارات طويلة من الإقصاء والتهميش لشعوب أصلية متعددة، من بينها الإنويت، والنافاهو، والشيروكي، والسيوكس، والأباتشي، والأوجيبوي، والكري، والهودينوسوني، والميكماك، والبلَكفوت.
هذه الشعوب لم تكن مجرد أقليات هامشية، بل أممًا لها لغاتها وثقافاتها وأنظمتها الاجتماعية. ومع ذلك، واجهت سياسات قاسية تمثلت في نزع الأراضي، والتهجير القسري، ومحاولات ممنهجة لطمس الهوية، بما في ذلك أنظمة تعليم هدفت إلى اقتلاع الأجيال الجديدة من جذورها الثقافية. ورغم الاعتراف المتزايد بهذه الانتهاكات في العقود الأخيرة، لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم، في قضايا الأرض واللغة والتمثيل السياسي.
هنا يتجلى التناقض الذي يثيره منتقدو الخطاب الغربي: كيف يمكن لمن لم يُنصف بالكامل تاريخه الداخلي، أن يتصدر موقع الحكم الأخلاقي في قضايا مشابهة خارج حدوده؟ ولماذا يبدو مبدأ “تقرير المصير” قابلًا للتفعيل في سياقات معينة، بينما يُهمَل أو يُعاد تفسيره في سياقات أخرى؟
في الشرق الأوسط، تتعقّد الصورة أكثر. فمطالب الأقليات هناك لا تنفصل عن بيئات سياسية مضطربة، تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يخشى بعض المراقبين من أن يتحول الخطاب الحقوقي إلى أداة ضمن لعبة النفوذ، بدل أن يكون إطارًا نزيهًا لتحقيق العدالة. فبدل معالجة جذور الأزمات، قد يؤدي التوظيف الانتقائي لهذه القضايا إلى تعميق الانقسامات وإعادة إنتاجها.
مع ذلك، من الضروري تجنب التبسيط. فليس كل دعم خارجي للأقليات بدافع مصلحي، كما أن المجتمعات الغربية نفسها ليست كتلة واحدة متجانسة. داخل هذه المجتمعات، تنشط حركات نقدية ومبادرات جادة للاعتراف بالماضي والعمل على إصلاحه، وإن كان الطريق لا يزال طويلًا.
السؤال إذن ليس في مبدأ حقوق الإنسان ذاته، بل في طريقة استخدامه. هل يُطبّق كمعيار عالمي ثابت، أم يُعاد تشكيله وفقًا لموازين القوى؟ وهل يمكن بناء منظومة دولية تُحاسب الجميع—دون استثناء—بنفس المعايير؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في فضح الازدواجية فحسب، بل في تجاوزها. فحقوق الإنسان تفقد معناها حين تُستخدم بشكل انتقائي، وتكتسب قوتها فقط عندما تصبح مبدأً يُطبَّق على الجميع، بلا استثناء ولا انتقاء.
لما الركاد اعلامية سورية
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
