د. شهاب المكاحله
استناداً إلى اجتماعي يوم الجمعة بعد الظهر مع أحد أبرز مستشاري الاستثمار في واشنطن، أطلعت على صورة صادمة ومقلقة لما يجري خلف أبواب السياسة الأمريكية المغلقة. هذا المستشار ليس شخصية عابرة؛ فقد شقّ طريقه عبر أربع إدارات أمريكية متعاقبة، بدءاً من Ronald Reagan، مروراً بـ George H. W. Bush، Bill Clinton، وانتهاءً بـ George W. Bush، قبل أن ينتقل إلى وزارة العدل وهيئة الأوراق المالية والبورصات، ثم يصبح مستشاراً استراتيجياً لصناديق التحوط والشركات الكبرى التي تبحث عن نافذة مباشرة إلى قلب السلطة.
خلال هذا الاجتماع المغلق، تم تقديم إحاطة كاملة حول الحرب الجارية ومسارات تصعيدها، وقد كشف المستشار عما هو أكثر من مجرد تقديرات عسكرية: كشف عن خلل استراتيجي هيكلي يهدد بزعزعة الحسابات الأمريكية، ويعيد رسم خطوط التوازن في الشرق الأوسط.
أولاً، أُطلق الهجوم على ايران دون مجلس حرب رسمي، ودون محاكاة شاملة للسيناريوهات المحتملة، ودون دراسة منهجية لردود الفعل الإيرانية. قرار الحرب جاء وفق وصفه نتيجة ضغط من Benjamin Netanyahu وتشجيع داخلي من وزير الدفاع، مع إصرار واضح من Donald Trump، متجاوزين معارضة وزير الخارجية ونائب الرئيس، لتصبح السياسة أداة لإملاء مسار الحرب بدلاً من العقل الاستراتيجي.
ثانياً، المفاجأة الكبرى كانت في رد فعل إيران. التقديرات الأمريكية كانت تتصور حرباً محدودة، بضربات متبادلة، ثم تسوية بعد استهداف الصف الأول من القيادة الإيرانية. لكن الواقع جاء مغايراً: إيران صعّدت من اللحظة الأولى، أغلقت مضيق هرمز، واستهدفت مصالح أمريكية في الخليج، لتصبح هي الآن المتحكم الأول بإيقاع التصعيد، رافضة حتى محاولتين أمريكيتين للاتصال بها خلال الأسبوع الماضي.
ثالثاً، الإدارة الأمريكية تعترف اليوم بعدم قدرتها على ضمان الملاحة في مضيق هرمز، وتعتمد استراتيجية مؤقتة هدفها تخفيف أثر الإغلاق على أسواق الطاقة العالمية، بينما تستمر الحرب في فرض شروطها على الجميع.
رابعاً، إسرائيل قد تعيد توجيه جهودها نحو مواجهة Hezbollah في جنوب لبنان، مما سيستنزف جزءاً كبيراً من قدراتها الجوية في مواجهة إيران، ويضعف الهيمنة الأمريكية في أجواء الخليج.
خامساً، مسألة الاستنزاف العسكري باتت تهدد الجدوى الاستراتيجية للحرب. البنتاغون يواجه صعوبة في تعويض المخزون من الصواريخ والقدرات الحيوية، بينما أي تحريك لحاملات الطائرات من المحيط الهادئ إلى الخليج قد يُفسّر كرسالة ضعف للصين، مفادها أن الولايات المتحدة غير قادرة على إدارة حروب متعددة المسار في آن واحد.
سادساً، دول الخليج تتحفظ على الانخراط المباشر. ليس رفضاً للهجوم على إيران، بل خوفاً من إدارة أمريكية غير قادرة على حماية شركائها، ومن تداعيات الرد الإيراني المحتمل على بنيتها التحتية ومصالحها.
ما كشفه الاجتماع يوم الجمعة يؤكد حقيقة صادمة: الحرب ليست مجرد اختبار للقوة العسكرية، بل هي اختبار للخطط، للثقة في التحالفات، ولمصداقية القيادة السياسية. وما يحدث الآن في الخليج والشرق الأوسط يثبت أن السياسات الأمريكية، التي كانت تتصور أنها قادرة على ضبط مسار الأحداث، أصبحت تتقاذفها موجات الحرب غير المحسوبة، وأن إيران هي من تتقن قراءة التوقيت والتصعيد.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن العالم يشهد اختباراً جديداً لمفهوم السيطرة والاستراتيجية، حيث تصبح الحسابات السياسية في واشنطن رهينة لردود الفعل على الأرض، ولسرعة الأحداث التي تجاوزت القدرة على الاحتواء والتوجيه. الحرب، كما يتضح، لم تبدأ بعد، لكنها بدأت بالفعل في تغيير قواعد اللعبة.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
