د. شهاب المكاحله
مرّ عام كامل منذ أن بدأت المجازر التي هزّت الساحل السوري في 6 آذار/مارس، عندما تحوّلت مدن وبلدات في طرطوس وبانياس وجبلة واللاذقية، إضافة إلى قرى عديدة في ريفها، إلى مسرح لواحدة من أكثر حلقات العنف دموية في السنوات الأخيرة. على مدى أسبوعين كاملين، عاشت مناطق يقطنها كثير من أبناء العلويون تحت وقع القتل والخوف والانتقام، في مشاهد أعادت إلى الأذهان أكثر الصفحات قتامة في الحرب السورية.
لكن ما يجعل هذه المجازر أكثر إيلامًا اليوم ليس فقط ما حدث خلالها، بل ما حدث بعدها: الصمت.
ففي عالم تتسابق فيه المآسي على العناوين الأولى، تبدو بعض الدماء أقل قيمة من غيرها. تُدان مجازر، وتُنسى أخرى. يُرفع الصوت عندما يتوافق الضحايا مع السرديات السياسية السائدة، بينما يسود الصمت عندما تصبح الحقيقة أكثر تعقيدًا أو إحراجًا.
ما جرى في الساحل السوري لم يكن مجرد حادثة أمنية عابرة، ولا اشتباكات محدودة في إطار الحرب الطويلة التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية. ما حدث كان موجة عنف جماعي استهدفت مدنيين، وترك وراءه عائلات مدمرة وقرى تعيش في ظل الخوف والصدمة.
خلال أسبوعين من الرعب، لم تكن خطوط الجبهات العسكرية هي التي تحدد من يعيش ومن يموت. كان الانتماء الطائفي في كثير من الأحيان هو الحكم الأخير. قُتل مدنيون لأنهم ينتمون إلى طائفة معينة، واستُهدفت عائلات كاملة لا لشيء سوى لهويتها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
عندما تتحول الحروب السياسية إلى صراعات طائفية، فإنها تفقد آخر ما تبقى من حدودها. لا يعود القتال بين جيوش أو فصائل مسلحة، بل يتحول المجتمع نفسه إلى ساحة حرب. الجار يصبح خصمًا، والهوية تصبح حكمًا بالإعدام.
الساحل السوري كان لسنوات طويلة يُنظر إليه على أنه منطقة أكثر استقرارًا مقارنة بمناطق أخرى من البلاد. لكنه في آذار الماضي اكتشف، مثل بقية سوريا، أن الحرب عندما تخرج عن السيطرة لا تعترف بأي مناطق آمنة.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف حدثت هذه المجازر؟
بل أيضًا: لماذا لم يُحاسب أحد؟
في كل الحروب، تُستخدم لغة العدالة والحقوق والإنصاف. لكن الواقع غالبًا ما يكون مختلفًا. عندما تتشابك السياسة مع الدم، تصبح الحقيقة أول الضحايا. وتصبح العدالة مسألة انتقائية تخضع لموازين القوة والمصالح.
وهذا بالضبط ما يجعل تذكر هذه المجازر ضرورة أخلاقية وسياسية في آن واحد.
لأن تجاهل المأساة لا يمحوها.
والصمت عنها لا يدفنها.
بل يتركها كامنة تحت السطح، تغذي الغضب والخوف والرغبة في الانتقام.
لقد دفعت سوريا ثمنًا هائلًا خلال أكثر من عقد من الحرب. ملايين النازحين، مدن مدمرة، مجتمع ممزق بين الهويات والخنادق. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا الألم هو أن يصبح القتل الجماعي أمرًا عاديًا في الوعي العام.
الذكرى السنوية لمجازر الساحل ليست مجرد مناسبة للحزن. إنها اختبار للضمير — السوري والدولي معًا.
فإما أن تُواجه الحقيقة كما هي، بكل تعقيداتها وآلامها،
وإما أن تستمر الحلقة نفسها من العنف، حيث تُمحى بعض المآسي من الذاكرة بينما تُستخدم أخرى كأدوات سياسية.
التاريخ علمنا درسًا قاسيًا:
المجتمعات التي تتجاهل مجازرها لا تتجاوزها، بل تورّثها إلى الأجيال القادمة.
وبعد عام على تلك الأيام السوداء التي بدأت في السادس من آذار، ما زال السؤال معلقًا في الهواء:
هل كانت تلك المجازر مجرد فصل عابر في مأساة سوريا الطويلة…
أم أنها جرس إنذار لم يسمعه أحد؟
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
