في نوفمبر الماضي، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأحد الطلاب خلال حفل تسليم جوائز الجمعية الجغرافية الروسية إن حدود روسيا «لا نهاية لها». وسأل الطفل ميروسلاف أوسكيركو، الذي يبلغ تسع سنوات، عن نهاية الحدود الروسية، فأجاب أنها «تنتهي عند مضيق بيرينغ مع الولايات المتحدة». بوتين ضحك وأكد أنه «يمزح»، لكن ما أثار التوجس في أوروبا هو الرسالة الكامنة وراء المزاح، في ظل التوسعات الروسية في أوكرانيا والمقاطعات المرتبطة بها، وتساؤلات حول حلم روسيا بإقامة «القارة الأوراسية».
هذا القلق دفع دول شرق أوروبا وفنلندا والسويد وإستونيا ولاتفيا وبولندا وبلغاريا ورومانيا وليتوانيا إلى إصدار بيان مشترك يؤكد أن «روسيا هي التهديد الأكبر والمباشر وطويل الأمد للأمن والسلام في منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي»، ودعوة التكتل إلى جعل الدفاع عن الحدود أولوية.
بوتين يدرك أهمية ترسيم الحدود واستقرارها، كما ظهر في توقيع اتفاقية خوجند في 31 مارس الماضي لتسوية النزاعات الحدودية بين قيرغزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. هذه الاتفاقيات تعطي روسيا مساحة للتركيز على واجهتها الأوروبية الأكثر سخونة، بدءاً من أوكرانيا وصولاً إلى الحدود الشرقية لأوروبا، حيث ترفض هذه الدول أي تغييرات غير مقبولة.
في الوقت نفسه، يسعى بوتين لتثبيت وجوده في المقاطعات الأوكرانية الأربع وضم جزيرة القرم رسميًا، مستفيدًا من الثقة المفقودة بين إدارة ترامب وأوروبا، ومن انقسام مواقف القارة القديمة. وحتى مع اتفاقات الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، يظل بوتين يمتلك أوراق قوة مهمة، بما في ذلك النفوذ الأمريكي على الرئيس الأوكراني زيلينسكي عبر خطط ترامب، التي تتقاطع جزئيًا مع أهداف روسيا.
التوسع الروسي، الذي يصفه بوتين أحيانًا بالمزاح، يرتكز في الواقع على خطة عسكرية مدروسة تهدف إلى إزالة تهديد الناتو، وضمان النفوذ الروسي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة رسم خرائط القوة القارية. ومع تحالف روسيا مع الصين، والفجوة المتنامية بين أوروبا وأمريكا، تبدو الحدود الروسية اليوم متأرجحة بين المزاح والجد، بين العمليات العسكرية على الأرض وخطط التسوية السياسية، التي قد تمتد آثارها إلى ما وراء أوروبا، لتصل إلى مناطق مثل فنزويلا وكولومبيا.
في النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل يمكن التوصل إلى تسوية في أوكرانيا قريبًا؟ أم أن الحدود الروسية ستظل، كما يقول بوتين، بلا نهاية واضحة، متأرجحة بين الواقع والمزاح، وبين التاريخ والمستقبل الجيوسياسي؟
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
