الطاهر الطويل
«ميلوني ميلوني ميلوني»… والكل يردّد «ميلوني»، لدرجة أن اسمها ملأ الدنيا وشغل الناس!
مهلاً، يا سادة ويا سيدات! لا يشطح خيالكم بعيدًا، فالأمر لا يتعلق بنجمة من نجوم السينما، ولا بعارضة أزياء شهيرة، كما أن الاسم لا يدلّ على «ماركة» ملابس عالمية، أو حتى على قطّة مدللة، وإنّما هو بكل بساطة لرئيسة وزراء إيطاليا الحالية، جورجيا ميلوني.
وسبب كل هذه الضجة، أن السيدة إياها ينطبق عليها قول الشاعر العربي القديم «وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى…»، إلى حد أن وسائل الإعلام تركت القضايا الأساس التي تشغل بال الناس، وصارت تطارد ميلوني، وهي «تهطل» عليها عبارات الغزل من كل حدب وصوت، لا سيما من لدن رؤساء دول عدة. وتجرأت بعض القنوات أكثر، فطفقت تحصي عدد القُبل التي انطبعت على خدّ رئيسة الوزراء الإيطالية أو على يديها من طرف ساسة العالم أو حتى بعض النواب البرلمانيين في بلادها.
فهذا دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي غريب الأطوار، استغلّ وجوده بقمة «شرم الشيخ»، ولم يجد حرجًا في وصف ميلوني بـ«الجميلة». واعترف بعظمة لسانه أنه لو فعل ذلك في بلاده، لحكم على نفسه بنهاية المشوار السياسي، لأن المسألة تندرج في إطار التحرش!
وذاك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي يبدو عليه الوقار والاتزان، خرج عن طوره إثر مصافحة السيدة المذكورة، وخاطبها مازحًا: «تبدين جيدة، ربما عليّ مساعدتك في التوقف عن التدخين». ولا نعلم كيف كان حاله، بعد ذلك، حين عاد إلى قصره، حيث توجد سيدة تركيا الأولى!
أما أطرف المواقف فهي تلك التي ظهر فيها رئيس وزراء ألبانيا، مستقبلاً نظيرته الإيطالية القادمة نحوه على بساط أحمر، إذ فاجأ الجميع بأن جثا على ركبتيه، وهو يحييها عن بعد جامعًا يديه، في مشهد أشبه بحركات العشاق المتيّمين أو الممثلين فوق الخشبة!
ولو واصلتُ سرد القصص المشابهة عن سلوك قادة عالميين وحتى عرب مع السيدة ميلوني، لما كفاني هذا الحيز المحدود من العمود، ولكنتُ انسقتُ بدوري مع الهدف من وراء ترويج هذه المشاهد والقصص.
أما ما يثير التأمل حقًّا، فهو سلوك جورجيا ميلوني نفسها في تلك المشاهد، إذ كثيرًا ما تستغلّ وجود الكاميرات للقيام بحركات غريبة، لا سيما بعينيها وملامح وجهها؛ ربّما من أجل لفت الأنظار والتركيز عليها أكثر أثناء اللقاءات السياسية.
الظاهر أن قصص هذه السيدة المثيرة للجدل تندرج ضمن استراتيجية إعلامية سياسية، هدفها الجوهري صرف أنظار العالم عن الأحداث الجارية، وفي مقدمتها مأساة أهالي غزة وانتهاكات الكيان الصهيوني بهذا الخصوص.
كما أن التركيز على عنصر «الليبيدو» (أو الجانب الغرائزي) في تلك المشاهد، والبعيد كل البعد عن «بروتوكولات» الاستقبال واللقاءات السياسية، هدفه المحوري الرفع من معنويات تلك المسؤولة الإيطالية ومحاولة «تبييض» سيرتها، مقابل ما تُظهره من انحياز مكشوف لإسرائيل ومعاكسة للحقوق الفلسطينية المشروعة. الشيء الذي جعلها أمام امتحان عسير في بلادها، أقرب إلى الجَلد، أمام نواب برلمانيين يتهمونها بالتواطؤ مع الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني في غزة.
وأمام سيل الاتهامات المتلاحقة، ترصد الكاميرات جورجيا ميلوني وهي «تبحلق» عينيها، في مشهد أقرب إلى الصبي الذي تضبطه أمه وهو يقوم بفعل ذميم. أجل، فقد أكد سياسيون أن ميلوني ارتكبت عملاً ذميمًا يستوجب الملاحقة أمام محكمة العدل الدولية، أي مساندة إسرائيل في حرب الإبادة والتصفية العرقية.
ومع ذلك، وبعيدًا عن هذا الصوت النشاز المُخزي، سيُسجّل التاريخ للشعب الإيطالي موقفًا مشرّفًا جدًّا، يتمثل في تنظيم مسيرة ضخمة بمختلف المدن الإيطالية، قُدّر عدد المشاركين فيها بمليون شخص، تضامنًا مع غزة، ومُساندةًَ لمبادرة «أسطول الصمود العالمي».
وزير التعليم و«الشعبوية»!
نودّع إيطاليا التي يتجاذب مركبها مجذافان، أحدهما مع الخير والثاني مع الشر، ونحطّ الرحال في المغرب، حيث ابتُلي المواطنون بحكومة يُخاصِم رئيسُها اللغة العربية، لغة البلاد الدستورية، جهارًا نهارًا. وقد شُوهد خلال آخر ظهور تلفزيوني له في حالة «لا يرثى لها» (كما يقول أمّيون يحاولون الظهور بمظهر المتعلم للغة الضاد)، إذ كان يتهجّى معاليه الخطاب المكتوب له بطريقة تلميذ الابتدائي. وماذا كان يضير السيد عزيز أخنوش لو خصص لنفسه حصصًا تدريبية في الكلام الفصيح، تمامًا كما استعان سابقًا هو وبعض وزراء حزبه (مثلما ذكرت بعض المواقع الإلكترونية) بخبراء مختصين في تطوير مهارات التحدث أمام الناس، لا سيما على المستوى الحركي؟ ومع ذلك، كان مصيره الفشل، حينما أدلى بتصريحات وخطب جلبت عليه نقمة الجمهور. ولذلك، نجده يفضل الاكتفاء بأحاديث تلفزيونية في الإعلام الرسمي على ندرتها، لكونها مهيّأة على مقاسه، بعيدًا عن الإحراج ووجع الدماغ، لا سيما وأنها تكون مسجّلة وغير مباشرة. وبالمقابل، «يهرب» معاليه من إعطاء الحوارات للصحف والمواقع الإلكترونية، خلافًا لسابقيه من رؤساء الحكومات المغربية.
ومن بين وزراء أخنوش الذي تحوّل ظهوره الإعلامي إلى «بهدلة»، وزير التعليم محمد سعيد برادة، الوافد على السياسة والوزارة من مجال صناعة الحلويات والأدوية. والذين شاهدوا الرجل أثناء النقل التلفزيوني المباشر لجلسات البرلمان، أشفقوا عليه الإشفاق كله، وتمنّوا لو أنه تجنب الاقتراب من مجال خطير وحساس، يتعلق بمستقبل أبناء المغرب، وظلّ في مجال المال والأعمال الذي يتقنه ويحقق فيه الأرباح. كما تمنّوا لو أنه بقي بعيدًا عن «وجع» الدماغ والإحراج الذي يتسبب له فيه بعض النواب البرلمانيين. ذلك أن الرجل خرج عن هدوئه و»خجله» الظاهر أثناء تقديم الأجوبة المهيأة له سلفًا، خاصة حينما حاصرته نائبة برلمانية بالسؤال والانتقاد، فخاطبها باللهجة العامية بما مفاده: «لن أجيبك، ولن أدخل معك في الشعبوية»! والأرجح أن كلمة «الشعبوية» لُقّنت لمعاليه من طرف بطانته المقربة. وكيف له أن يعرفها، وهو الآخر «متخاصم» مع «الضاد» ومتصالح مع لغة المستعمر القديم فرنسا؟!
الفيلق الأفريقي!
وجد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، نفسه في مواجهة صحافية جزائرية خلال مؤتمر إعلامي عقد في موسكو، حيث طرحت عليه سؤالا حول اتهامات لروسيا بارتكاب جرائم ضد المدنيين في مالي ضمن قوات «الفيلق الأفريقي» التي حلت محل مجموعة «فاغنر»، فأجابها بأن السؤال كُتب لها مسبقًا، وقال «إذا كانت هيئتكم التحريرية أو مَن طلب منكم طرح هذا الموضوع يمتلك أدلة أو حقائق فعليهم تقديمها، لأن ما يحدث هو توجيه اتهامات لروسيا بلا أي أساس». وأثار مشكلة الحدود المتوارثة عن الاستعمار الغربي لأفريقيا، ومنها تلك القائمة بين الجزائر ومالي، مشيرا إلى وجود محاولات روسية للتقارب بين هذين البلدين.
الآراء اختلفت بين الإشادة بجرأة الصحافية الجزائرية وبين «إحراجها» من طرف رئيس الدبلوماسية الروسية، فيما انتشر مقطع السؤال والجواب عبر القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية كالنار في الهشيم!
كاتب من المغرب
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
