الرئيسية / أخبار / جدل مستمر حول الرواتب “الفلكية” في الأردن لا يلقى ردا حكوميا

جدل مستمر حول الرواتب “الفلكية” في الأردن لا يلقى ردا حكوميا

تشغل قضية الرواتب المرتفعة الرأي العام الأردني، في غياب إرادة حكومية لإعادة النظر في هذا الملف، رغم الصعوبات الاقتصادية التي تواجه المملكة، وتعاظم الفوارق الاجتماعية.

عمان – تثير الرواتب المرتفعة والتي يصفها البعض بـ”الفلكية” إلى جانب الامتيازات التي يحصل عليها موظفون حكوميون أو في هيئات ومؤسسات ذات صبغة حكومية جدلا مستمرا في الأردن في ظل تجاهل حكومي.

ويعد سلم الرواتب في الأردن منخفضا إلى حدّ مّا مقارنة بالتكاليف المعيشية، فيما لا يتجاوز الحد الأدنى من الأجور سقف الـ280 دينارا (394 دولارا)، وفي مقابل ذلك تحصل فئة من المسؤولين على رواتب ضخمة، الأمر الذي يشكل عبئا اقتصاديا على الدولة في وقت تواجه فيه صعوبات، فضلا عن كونه يقوض مفهوم العدالة الاجتماعية.

وتجنبت الحكومات المتعاقبة على الأردن، مراجعة هذا الملف رغم ما يثيره من انتقادات في الشارع الأردني، ولم تملك أيّ منها الجرأة للاقتراب منه، وسط اتهامات لقوى نافذة بالحيلولة دون ذلك.

وكان الأردنيون يأملون في أن يقود مسار الإصلاح الذي أطلقته الإرادة الملكية، إلى تفكيك قضية الرواتب وإعادة النظر فيها، وهو ما لم يتحقق سواء من قبل الحكومة الحالية بقيادة جعفر حسان، أو التي سبقتها برئاسة بشر الخصاونة.

وخلال جلسة حوارية عقدها ملتقى “النخبة” مؤخرا، قال النائب السابق هايل ودعان الدعجة “لا شك أن موضوع الرواتب المرتفعة في الأردن الذي يعاني أوضاعا اقتصادية ومالية صعبة، ويعتمد على المساعدات والقروض الخارجية، هو أكثر ما يبعث على الحيرة ويشغل شارعنا الأردني، وكأننا دولة خليجية أو أوروبية أو الولايات المتحدة، خاصة عندما يؤكد لنا أصحاب الاختصاص بأن مثل هذه الرواتب غير متوفرة حتى في الدول الأكثر تقدما وتطورا.”

وأضاف الدعجة في مداخلته التي نقلتها وكالة “عمون” المحلية “تزداد الغرابة عندما لا تجد أيّا من الحكومات الأردنية مع كثرتها تتعاطى مع هذه القضية الهامة بمسؤولية وجدية.”

وتساءل “هل إلى هذا الحد بلغ الاستهتار بالمال العام مثلا؟ ماذا لو فكرت الدولة بتخفيض هذه الرواتب بنسب كبيرة أو تخصص سقفا ماليا لهذه الرواتب بحيث لا يتجاوز خمسة آلاف دينار مثلا أو أكثر بقليل.. هل هذا يعني أننا لن نجد من يقبل بها.. بما في ذلك من يشغلها براتب عال.. خاصة أن التعيينات في هذه المواقع في الغالب لا يراعى فيها موضوع الكفاءة والاختصاص بقدر ما هي مواقع للترضية وتتحكم بها المحسوبيات، كما هو الحال في مجالس الإدارات على سبيل المثال.”

وتطرق الدعجة إلى “الوظائف العليا في المؤسسات والوحدات الحكومية المستقلة، وما يتقاضاه أصحابها من رواتب خيالية، والتي تم إنشاؤها لتسهيل عملية اتخاذ القرار وتبسيط الإجراءات بعيدا عن البيروقراطية الحكومية، فإذا بهذه المؤسسات التي تم تفصيلها للبعض تفشل في المهمة وتتحول إلى عبء مالي وتسهم مساهمة مباشرة في زيادة مديونية الدولة بسبب هذه الرواتب العالية.”

من جهته اعتبر النائب السابق عيد النعيمات أن “الرواتب الفلكية في الأردن تشكل تحديا كبيرا للاقتصاد الوطني، حيث تسهم في زيادة العجز المالي، فمثلا بلغت رواتب كبار المسؤولين في الحكومة الأردنية الملايين من الدنانير سنويا، ما يزيد العبء على الموازنة العامة.”

وقال النعيمات بحسب ما نقلت عنه “عمون” هذه الرواتب المرتفعة تُعتبر مؤشرًا على غياب العدالة الاجتماعية وتزيد من حدة الفوارق الطبقية، ففي حين يتقاضى بعض المسؤولين رواتب عالية يعاني الكثير من المواطنين من تدني مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الفقر.

ووفق تقارير رسمية، بلغت رواتب بعض المسؤولين في القطاع العام أكثر من 100 ألف دينار شهريًا، بينما يبلغ متوسط الراتب الشهري للمواطن الأردني حوالي 400 دينار هذا التفاوت الكبير يثير الكثير من التساؤلات حول العدالة في توزيع الدخل العام، وهذه الفروقات الواضحة في الرواتب وملحقاتها من مكافآت وسفريات خلقت طبقة برجوازية في الأردن تحت قاعدة التنفيع وبغطاء قانوني لا يمكن لأحد الاعتراض عليه .

وتشير الدراسات أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى 700 – 800 دينار شهرياً من دون إيجار مسكن وأن تكلفة الفرد الواحد 506 دينارات من دون إيجار أيضاً، كما تشير تقارير مؤسسة الضمان الاجتماعي أن 33000 متقاعد يتقاضون أقل من 200 دينار شهرياً، من جهة أخرى فإن 280 دينارا كحد أدنى للأجور لا يتناسب مع الحياة وتكاليفها وهذا بالتأكيد يعبر عن حالة سياسية تنعدم فيها الرقابة والشفافية وهو في الوقت ذاته مؤشر لضعف الثقة بمنظومة الإدارة العامة لدينا كما تؤثر في الحاكمية وتقلل من عناصر رشدها وتؤدي إلى نقمة حادة من الجماهير عليها.

ويرى النعيمات أنه من غير المنطقي أن تكون دولة متلقية للمنح والمساعدات وما تزال دوائر النفوذ العليا توظف فئات معينة متجاهلة أصحاب الكفاءات لغياب النية الحقيقة للإصلاح أو بسبب اختلاف وجهات النظر فتذهب خبراتهم وكفاءاتهم سدى.

ويشدد النائب السابق على ضرورة إعادة النظر في سياسات الرواتب والحوافز وضمان تطبيق معايير واضحة وعادلة، بما يضمن توزيعًا عادلًا للموارد ويعزز الثقة بين المواطنين والدولة.

وبحسب الكثيرين، فإن مجلس النواب الأردني وباقي المؤسسات الرقابية بتحملان جزءا كبيرا من المسؤولية في مسألة الفوارق الكبيرة في الرواتب، كذلك الشأن بالنسبة إلى القوى المحسوبة على المعارضة التي لا تقوم بدورها هي الأخرى وتتلطى خلف المزايدات السياسية مع الحكومة دون إيلاء هذا الملف الأولوية التي يستحقها.

وتضع الفوارق الاجتماعية الكبيرة في الأردن مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، الذي أطلق قبل سنوات قليلة، قيد المساءلة، حيث أنه يتجاهل قضية جوهرية لطالما شغلت الرأي العام الأردني.

واعتبر حسام مضاعين أن رواتب كبار موظفي القطاع العام والامتيازات الممنوحة لهم من أكثر المواضيع التي يتناولها المواطنون عند الحديث عن الإصلاح المالي والإداري في مؤسسات الدولة، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات حول عدالة التوزيع والهدر الكبير في الأموال العامة دون أيّ ضوابط محكمة.

ولفت إلى أنه في الأنظمة المتقدمة يتم اعتماد أسس واضحة لرواتب الموظف بشكل عام، وغالبيتها تعتمد على الكفاءة والإنجاز حيث أن الموظف الذي يستطيع أن يصنع فارقا ملموسا في مؤسسته، سواء عبر رفع كفاءتها، أو تطوير خدماتها، أو تعظيم عوائدها المالية، هو الذي يستحق الامتيازات المالية والمعنوية معا.

واستدرك مضاعين “أما في حالتنا، فما زلنا نرى أن دخل بعض موظفي القطاع العام يتجاوز كل الحدود والأعراف الممكنة، فنجد السقوف المرتفعة للرواتب بالرغم من وجود خسائر مالية في المؤسسة التي يديرونها، وفي بعض الحالات يكون قد تمت الإشارة لها بوجود مخالفات وفساد مالي في تقارير ديوان المحاسبة.”

وقال “الواقع يشير إلى أن الرواتب المرتفعة لا تقابلها نتائج حقيقية توازي هذه الرواتب والامتيازات، لذلك أرى أنه يجب وضع معادلة متوازنة تحت إشراف الرقابة التشريعية تربط بين دخل موظف القطاع العام وإنتاجيته، وأن يتم تقييمه ومساءلته على ضوء تلك المعادلة، وفي حال تحقيق المعايير المطلوبة منه فله عند ذلك كل الحق بالحصول على الدخل الذي يستحقه مهما كان مرتفعا.”