ابراهيم درويش
بعد ستة أشهر تحولت الحرب الأمريكية على إيران إلى نسخة أخرى من الحروب الأمريكية الأبدية وإن بمواصفات تنطبق على الرئيس دونالد ترامب وحده، فهي بدون هدف واضح وبدون أفق للنهاية.
وأشار بيتر بيكر مراسل شؤون البيت الأبيض في صحيفة «نيويورك تايمز» (28/8/2026) إلى الصورة البطولية التي نشرها ترامب لنفسه وهو محاط بحاملة طائرات وطائرات حربية وأعلام أمريكيةـ وظهرت في الزاوية السفلية اليسرى صورة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، مع لافتة كتب عليها: «المهمة لم تنجز 2001-2021». وفي الزاوية المقابلة، لافتة تشير إليه قائلة: «المهمة أُنجزت 2026». مع أن الأمر لم ينته بعد، فحرب ترامب على إيران، التي بلغت ستة أشهر يوم الجمعة، لم تحسم بعد. فقد تحولت إلى مستنقعٍ من صنع الرئيس نفسه، بلا أهداف واضحة ولا استراتيجية محددة ولا نهاية تلوح في الأفق. وكما يقول بيكر فقد راهن ترامب، الذي وصل إلى السلطة معارضا «حروب بوش الأبدية»، على رئاسته برؤيته الخاصة.
وبالنسبة لترامب، قد يكون هذا أسوأ ما في الحالتين. فهو يجد نفسه عالقا في حالة من الحيرة والضياع بين حرب شاملة وسلام حقيقي، وهو متردد في استئناف القصف الشامل رغم تهديداته المدوية، ولكنه لم يتمكن حتى الآن من التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بشروط مرضية، ليس لديه أي نصر ينسب إليه، ولكنه يدفع الثمن السياسي فيما يتعلق بالاقتصاد الأمريكي وحظوظ حزبه في انتخابات الخريف.
ومن الناحية النظرية، قد يمتد هذا النوع من الجمود المؤقت لفترة طويلة، وهو ما يختلف تماما عن الضربة الخاطفة التي توقعها ترامب وحددها بما بين أربعة وستة أسابيع، عندما أمر بعملية «الغضب الملحمي» في نهاية شباط/فبراير. ومع غياب أي انفراجة في الأفق، يختبر الجانبان قدرة الآخر على الصمود، وقد أوضح ترامب، رغم تاريخه في نفاد الصبر، أنه «ليس في عجلة من أمره»، كما قال في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقال للصحافيين يوم الخميس، معربا عن استغرابه من وجود أي اهتمام بالتفاوض مع إيران في هذه المرحلة: «لا يوجد الكثير للحديث عنه، لا نريد التحدث معهم ولا نسعى إلى لقاء أو أي شيء من هذا القبيل. المضيق مفتوح ونحن نستقبل الكثير من السفن، ملايين وملايين البراميل من النفط تخرج من المضيق يوميا».
وفي الواقع لا يزال مضيق هرمز ممرا متقلبا، حيث لا يمر عبره سوى جزء ضئيل من حركة الملاحة البحرية التي كانت عليه قبل الحرب، مما يبقي أسواق النفط في حالة اضطراب. رغم أن الحرب أودت بحياة المرشد الأعلى لإيران، إلا أنه خلفه ابنه، ولا يزال النظام الذي كان يحكم البلاد قبل ستة أشهر قائما حتى اليوم. ورغم تضرر البرنامج النووي الإيراني إلا أن طهران متمسكة به وترفض التخلي عنه. ويرى ريتشارد هاس، الذي كان مديرا لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية عندما غزا بوش العراق عام 2003: «لقد كانت هذه كارثة، هذه هي الحقيقة المرة. بإمكانه أن يعلن إنجاز المهمة. بإمكانه أن يسوق حجته كما يفعل غالبا، وكأنه يحاول خلق واقع. لكن سيكون من الصعب جدا إقناعه بذلك. لا يوجد ما يشير إلى أننا أصبحنا أفضل حالا أو أن الحرب كانت مجدية».
وأمام هذا التحليل لا يزال أنصار الحرب متأكدين من قدرة ترامب على هزيمة إيران، وما على الشعب الأمريكي الذي بعاني من تداعيات الحرب الاقتصادية إلا الصبر. ولديهم حجتهم الجاهزة لاستمرار الحرب واستنزاف قدرات أمريكا، ويقولون إن ترامب نجح في إضعاف إيران الراديكالية والخطيرة بشكل كبير، مع خسائر أمريكية أقل بكثير مما كانت عليه خلال حروب بوش البرية في العراق أو أفغانستان. ولو استمر بهذه الطريقة، فسيجبر ترامب إيران على التراجع بالقوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي، مما يجعل أمريكا أكثر أمانا على المدى البعيد. ويرى مارك دوبوفيتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية: «أعلم أن هذا يخالف الرأي السائد، لكنني أعتقد أن الرئيس ترامب يحقق انتصارا في المواجهة مع النظام الإيراني. لم تكن الجمهورية الإسلامية أضعف مما هي عليه الآن في تاريخها الممتد لـ 47 عاما. وقد اضطرت إلى استخدام أهم أوراقها، مضيق هرمز من موقع ضعف بالغ». ومهما كانت النتيجة، فقد أصبحت الحرب في إيران، بلا شك، أكبر مغامرة خاضها ترامب خلال فترة رئاسته، على الأقل في السياسة الخارجية، ودراسة حالة توضح كيف تعامل مع ولايته الثانية بشكل مختلف عن ولايته الأولى.
وبينما اتسمت سنوات حكمه الأربع الأولى بسياسة «أمريكا أولاً» الانعزالية كرد فعل على تدخلات بوش، عاد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي أكثر استعدادا لممارسة نفوذه في الخارج، ويبدو أكثر عزما على إعادة تشكيل العالم وفقاً لرؤيته. ومن هنا فاختطافه رئيس فنزويلا وتغيير البنية السياسية فيها وتهديداته بالسيطرة على غرينلاند وقناة بنما وكوبا، وحتى تغييره اسم بحيرة أونتاريو إلى بحيرة أمريكا هذا الأسبوع، كلها تشير إلى رئيس يسعى إلى ترك بصمته خارج حدود الولايات المتحدة. إلا أن أي آمال بتحقيق نجاح سريع وحاسم في إيران قد تبددت منذ زمن، والهدف الرئيسي الآن هو إيجاد مخرج يمكن تصويره كنوع من النصر. ويعتقد سييفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية أن الحرب الأمريكية على إيران هي عملية ترامب «بامتياز» حيث يديرها بطريقة ارتجالية ومحرجة. ويعارض فيكتور ديفيس هانسون، الباحث البارز في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، هذا الرأي، قائلا إن استراتيجية ترامب ستؤتي ثمارها في نهاية المطاف، مضيفا أن الضغط الاقتصادي على إيران قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انتفاضات شعبية أو يزيد من إضعاف قدرات البلاد. وتساءل: «هل هذا نصر؟ لا أعلم». لكنه أضاف أن ذلك قد يمنع إيران من تطوير سلاح نووي بتكلفة في الأرواح والأموال أقل بكثير من حروب بوش.
وأيا كان هذا التحليل، ترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن هناك طريقة بسيطة يمكن من خلالها تلخيص حرب ترامب، أي الأرقام: 63، 12، 1.10، 18، و759. هذه هي أولى مؤشرات معارضة الرأي العام للحرب. فبحسب أحدث استطلاع رأي أجرته مؤسسة إيبسوس، يؤيدها 31 في المئة فقط، بينما يعارضها 63 في المئة، وهي أرقام تذكر بأحلك أيام حرب فيتنام. أما الرقم الثاني، فيعكس عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز يوميا، بمتوسط 12 سفينة تقريبا، مقارنةً بـ 130 سفينة قبل الحرب. ويعكس الرقم الثالث متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة، والذي يبلغ حوالي 4.09 دولار للغالون، أي بزيادة قدرها 1.10 دولار عما كان عليه عند بدء القتال. والرقم الرابع يشير إلى عدد القتلى من العسكريين الأمريكيين في الحرب، والبالغ 18 قتيلا حتى الآن. والخامس هو العدد التقديري لطائرات باتريوت الاعتراضية المتبقية في الترسانة الأمريكية، والذي انخفض من 2,330 إلى 759 طائرة قبل شهر، وفقا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
أما بالنسبة للأهداف التي حددها ترامب في البداية، فمعظمها لم يتحقق. فهو يتباهى بتدميره للقوات الجوية والبحرية الإيرانية، لكن طهران لا تزال قادرة على قصف القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة. ولم يأت يوم التحرير الذي تنبأ به للشعب الإيراني للتخلص من ظالميه. صحيح أن قدرة إيران على دعم الجماعات الإرهابية بالوكالة في المنطقة قد تضاءلت، لكنها لم تُقضَ عليها تماما. كما أن برنامجها النووي قد تضرر بشدة، لكن النظام يرفض التخلي عنه، بل قد يعيد بناءه. ويرى هاس، الذي كان متشككا في بوش لغزو العراق أثناء عمله في إدارته، والذي ألّف لاحقا كتابا عن فشلها بعنوان «حرب الضرورة، حرب الاختيار»، إنه من المفارقات أن كلا الحربين، سواء حرب العراق أم حرب ترامب قد زادا من قوة إيران. ففي حالة العراق، أصبحت إيران قوة مهيمنة داخل جارتها بعد هزيمة صدام حسين. والآن أثبتت إيران قدرتها على استغلال أسواق الطاقة العالمية من خلال خنق الملاحة عبر المضيق. وأضاف: «إيران هي المستفيد الاستراتيجي من كلا الحربين».
وتقول «نيويورك تايمز» أن ترامب سيرفض بالتأكيد هذا التوصيف، فقد زعم أكثر من مرة أنه قد انتصر بالفعل على إيران. وأعلن 7 آذار/مارس، بعد أسبوع واحد فقط من بدء الحرب: «لقد انتصرنا بالفعل». وقال في 25 نيسان/أبريل: «لقد فزنا بكل شيء؛ لدينا كل الأوراق الرابحة». وفي 4 أيار/مايو قال: «لقد فزنا بذلك بالفعل». وفي 11 حزيران/يونيو، احتفالا بوقف إطلاق نار لم يدم طويلًا، قال: «لا أعرف إن كنتم قد سمعتم، لكننا أنهينا الحرب مع إيران اليوم». وكان منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع، والذي حمل عبارة «تمت المهمة»، بمثابة محاكاة ساخرة لخطاب بوش المشؤوم أمام لافتة تحمل هذه الكلمات على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن» بعد أسابيع قليلة من الغزو الأول للعراق عام 2003، وهو تصريح فسر لاحقا على أنه استعارة لإعلان النصر قبل الأوان. وإذا كان ترامب قد أدرك المفارقة في استحضارها بنفسه، فإنه لم يشر إلى ذلك، لكن الكثيرين أدركوها.
يقدم تقرير «نيويورك تايمز» صورة عن حالة الحرب وحالة ترامب نفسه الذي يحاول الخروج منها بدون أي نجاح، فهو عالق في مستنقع حرب اختيارية بدون استراتيجية واضحة ويغير مواقفه في كل يوم، فهو يهدد إيران بالدمار ثم يتراجع. وحربه الاقتصادية أو «حرب المنبوذ» الاقتصادي ويوم الإنزال الاقتصادي «دي داي» الذي أعلن عنه وزير الخزانة سكوت بيسنت هي محاولة لتدمير إيران ونظامها حيث فشلت قصف 38 يوما مستمرا. وكما قالت مجلة «إيكونوميست» (27/8/2026) لن تسقط النظام على ما يبدو، مشيرة إلى أن واشنطن لم تهدد حتى الآن إلا باستخدام أقوى أسلحتها الاقتصادية: العقوبات الثانوية، على الدول التي تتاجر مع إيران أو تساعد نظامها في تحويل الأموال. وهناك ما يدعو للاعتقاد بأنها قد لا تستخدم هذا السلاح بكامل قوته أبدا. وقالت إن قادة إيران لن ينهاروا جراء هذا الهجوم غير المدروس. فقد عانت بلادهم من حملة «أقصى ضغط» في ولاية ترامب الأولى، وكذا حملات القصف في ولايته الثانية. وستفاقم العقوبات والحصار الأمريكي لمضيق هرمز، معاناة الإيرانيين العاديين. وتوقعت أن تتراجع أمريكا عن موقفها، فرغم حديثه عن القضاء على التهديد الإيراني، قد يسعى ترامب في الحقيقة إلى إبعاده عن صدارة الأخبار. وربما حاولت إيران أن تجعل الموضوع حاضرا في أذهان الأمريكيين لمعاقبة ترامب. وربما منحت الحرب الاقتصادية أمريكا راحة قصيرة من دوامة الهجمات والتصريحات التي هيمنت على الأشهر الأخيرة. لكن التهديد بنهاية العالم ثم التراجع عنه سيلحق الضرر بمصداقية أمريكا، بشكل يضعفها عن تحقيق أهدافها في المستقبل. وأهمها تسوية الملف النووي الإيراني التي ستكون أصعب، إلى جانب الجمود في منطقة الخليج، بسبب إصرار إيران على إدارة مضيق هرمز.
وقد لاحظت مجلة «ذي اتلانتك» (26/8/2026) أن الهدف من الحرب الاقتصادية هي إبعادها عن تفكير الناخبين الأمريكيين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. وسيتيح هذا للبيت الأبيض القول إنه يحاول شيئا ما، ثم، وهذا هو الأهم، التوقف عن الحديث عن الحرب. ويقول مستشارو ترامب وحلفاؤه إن جزءا من الخطة يتمثل في محاولة تهميش قضية إيران، على أمل أن تنخفض أسعار الغاز ولو قليلا بطريقة يستطيع فيها الجمهوريون تحويل انتباه الناخبين إلى قضايا أكثر قبولا سياسيا قبل انتخابات التجديد النصفي. وأشارت المجلة إلى أن الرئيس مل من الحرب حيث حثه مساعدوه على التركيز على الاقتصاد لدعم المرشحين الجمهوريين، لكنه استمر في التقليل من شأن تحديات القدرة على تحمل التكاليف التي تواجهها البلاد، الأمر الذي أثار استياء مساعديه. ولن تكون خطة الحرب الاقتصادية ترياقا نافعا لترامب، وخاصة إذا صمدت إيران وامتدت حملة الضغط إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، مما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة.
وربما كان لدى ترامب ثقة بأن إيران ستنهار بسبب ضغوطه، لكن السؤال هل يملك المفتاح ليعرف أن جهوده ناجعة؟ صحيح أن قدرة إيران على تحمل هذه المعاناة ليست بلا حدود، لكن هذا لا يعني أن الانهيار وشيك، ناهيك عن أن يحدث وفق الجدول الزمني لترامب، فحتى الانهيار الاقتصادي الحاد لن يجبر طهران بالضرورة على الاستسلام. وترى «فورين بوليسي» (25/8/2026) أن الضغوط الاقتصادية ستقود إلى إفقار الإيرانيين وتفضي في النهاية إلى انهيار اقتصادهم دون تحقيق مكاسب سياسية ملموسة لواشنطن. وإذا كان الهدف هو تغيير حسابات إيران ودفعها نحو التسوية، فلا بد من إقران الضغط بمسار للخروج وتوفير انفراجة اقتصادية ملموسة. ويتعين على الولايات المتحدة زيادة تكلفة المقاومة من خلال تقديم حوافز ذات مصداقية تجعل خيار ضبط النفس أكثر جاذبية لطهران، أي تقديم صفقة تكافئ خفض التصعيد، وتفتح أكبر الأسواق غير المستغلة في الشرق الأوسط أمام الشركات الأمريكية، وتقنع الإيرانيين بأن التسوية تنطوي على جدوى مادية ملموسة. من شأن هذا التخفيف الموثوق أن يغير ميزان الحوافز الداخلي في إيران، وذلك بتعزيز الحجة القائلة بأن ضبط النفس يحقق مكاسب تفوق ما تحققه المقاومة.
وكما أشار تيد سوانسون في «فورين أفيرز» (25/8/2026) فإن سياسة ترامب لممارسة أقصى ضغط ضد إيران ستفشل وتقود الإستراتيجية الأمريكية إلى طريق مسدود. وقال إنها تكرار لسياسة أمريكية عمرها 47 عاما لن تؤدي إلى نتائج. وعلى أمريكا أن تتعلم من هذه الحرب والتوقف عن التصرف بدون تفكير والتمعن في دروس الماضي. وبلا شك، ستضر الحملة الحالية بإيران واقتصادها، لكنها ستفشل حتما في إجبار طهران على الاستسلام. فبدلا من الاستسلام للضغوط، يشير التاريخ الحديث إلى أن إيران ستستخدم برنامجها الصاروخي وبرنامجها للطائرات المسيرة لفرض تكاليف اقتصادية باهظة على الاقتصاد العالمي، سواء في مضيق هرمز أو ضد دول الخليج، لتغيير حسابات ترامب للمخاطر مرة أخرى. ولن تكون حرب إدارة ترامب الحرب الإقتصادية بدون عواقب مثل تلك التداعيات للحرب العسكرية الفاشلة التي أدت إلى نضوب خزينة السلاح الحيوي والصواريخ الاعتراضية، فقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» (28/8/2026) أن استمرار إرسال الجيش الأمريكي الذخيرة إلى منطقة الخليج تعمل على تخفيض مخزون الجيش من أسلحة مهمة يحتاجها للدفاع عن مصالح أمريكا في جنوب شرق آسيا. وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» (26/8/2026) أن الإنفاق الأمريكي الهائل على الذخائر في الشرق الأوسط يثير قلقا متزايدا لدى الحلفاء الآسيويين، ويحبط مسؤولي البنتاغون المشرفين على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الذين يخشون أن تقوض الحرب المطولة مع إيران جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة الصين، في ظل استمرارها في تصعيد الضغط العسكري في المنطقة. وقد جاءت المخاوف بشأن استنزاف المخزون في الوقت الذي ألغت فيه الولايات المتحدة مناورة إنزال برمائي مع كوريا الجنوبية، كانت مقررة في أيلول/سبتمبر، مبررة ذلك بضغوط الحرب في إيران على القوات الأمريكية، وذلك بعد أسبوع من إعلان الرئيس دونالد ترامب تقليص المناورات العسكرية المشتركة مع الحليف الرئيسي.
وتخشى الدول الحليفة في آسيا من استفادة خصوم أمريكا من تورطها في حرب إيران. فرغم استفادة الصين اقتصاديا من الحرب في الخليج، إلا أن روسيا مستفيدة أو يبدو أنها تراقب عن كثب تورط الولايات المتحدة في إيران. وفي هذا السياق نظر إلى زيارة مدير الإستخبارات الأمريكي، سي آي إيه، جون راتكليف إلى موسكو على أنها محاولة من واشنطن لتحذير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم استغلال انشغال أمريكا في إيران وشن هجمات ضد الحلفاء في الناتو. بل وأشارت صحيفة «واشنطن بوست»(27/8/2026) إلى تقرير استخباراتي سبق زيارة راتكليف توصل إلى أن الكرملين يتعامل مع الولايات المتحدة كدولة أضعفتها الحرب ضد إيران، بشكل يمنح روسيا فرصة لتصعيد العمليات ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في أوروبا.
كل هذا يكشف وبشكل واضح كيف غيرت إيران العالم في مدى ستة أشهر، وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» (27/8/2028) فقد أعادت الحرب تشكيل اقتصاد العالم من أسعار النفط إلى التحالفات الإقليمية وزادت أسعار النفط لكنها لم تصل إلى معدلات قياسية. وفي الوقت نفسه زادت أسعار ناقلات النفط التي تكلف الواحدة منها 500,000 دولار في اليمن للرحلة بين الخليج والصين، وزادت طول الرحلة الآن وبخاصة بعد أن هدد الحوثيين مضيق باب المندب. ورغم تدمير قدرات إيران العسكرية إلا أنها تبنت موقف المتحدي في حرب غير متناسقة، وأجبرت الجيش الأمريكي على نقل مقر قيادة الأسطول الخامس من البحرين إلى تامبا في الولايات المتحدة، بعد تعطيل الصواريخ الإيرانية مركز القيادة للأسطول على ما كشفت صحيفة «التايمز» (27/8/2026). وبعيدا عن الخسائر الإيرانية، الاقتصادية والعسكرية وتأخير برنامجها النووي، فقد أدت الحرب إلى زيادة في كلفة المعيشة للمواطن العادي حول العالم، نظرا لتعطل سلاسل الإمداد وزيادة أسعار المواد الخام. وأجبرت الحرب حلفاء أمريكا إلى بناء تحالفات لحماية نفسها، على ما يظهر، كما في اتفاق مكة. والأهم من كل هذا، فقد استفادت دول منافسة من الحرب، حيث حققت روسيا 12.7 مليار دولارا في ذروة الحرب، ونتيجة لارتفاع أسعار النفط.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
