اللواء المتقاعد رفعت حامد
في خطوة تحمل دلالات سياسية ودستورية عميقة، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على المضي قدماً في قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، في محاولة واضحة لوضع حدود لتحركات الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران. ورغم أن القرار لا يزال بعيداً عن أن يصبح نافذاً، إلا أن رمزيته تتجاوز مضمونه القانوني، ليعكس توتراً متصاعداً داخل المؤسسة الأمريكية حول إدارة الحرب والسلم.
هذا التطور لا يمكن قراءته فقط كإجراء تشريعي عابر، بل كإشارة نادرة على استعداد الكونغرس—حتى بوجود أغلبية أو نفوذ جمهوري—لمواجهة البيت الأبيض في واحدة من أكثر القضايا حساسية: قرار الحرب. فمنذ عقود، شهدت الولايات المتحدة توسعاً تدريجياً في صلاحيات الرئيس العسكرية، غالباً على حساب الدور الرقابي للكونغرس. واليوم، يبدو أن هذه المعادلة تتعرض لاختبار جديد.
قرار “صلاحيات الحرب” في جوهره محاولة لإعادة التوازن إلى النظام الدستوري، عبر اشتراط حصول الرئيس على تفويض صريح من الكونغرس قبل الاستمرار في أي عمل عسكري واسع ضد إيران. هذه الخطوة تعكس قلقاً متزايداً لدى المشرعين من أن الانزلاق إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط قد يحدث دون نقاش وطني كافٍ، أو دون تقدير كامل لتبعاته.
لكن المفارقة تكمن في أن هذا القرار، رغم أهميته، يواجه عقبات كبيرة قبل أن يصبح واقعاً. فالمسار التشريعي يتطلب موافقة مجلس النواب، ثم تجاوز احتمال استخدام الفيتو الرئاسي، وهو أمر غير مضمون في ظل الاستقطاب السياسي الحاد. بمعنى آخر، قد يكون القرار أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى أداة تنفيذية فورية.
مع ذلك، لا ينبغي التقليل من أثر هذه الرسالة. فهي تعكس انقساماً داخل واشنطن حول كيفية التعامل مع إيران، بين من يرى في التصعيد العسكري وسيلة للضغط، ومن يحذر من تكرار سيناريوهات مكلفة شهدتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. كما أنها تشير إلى إدراك متزايد بأن أي مواجهة مع إيران لن تكون محدودة أو قصيرة، بل قد تمتد لتشمل ساحات إقليمية متعددة.
في هذا السياق، يأتي القرار أيضاً كرد فعل على أسلوب إدارة الأزمات من قبل البيت الأبيض، الذي يعتمد في كثير من الأحيان على التهديد والتصعيد كأدوات تفاوضية. غير أن هذا النهج، وإن نجح أحياناً في تحقيق مكاسب تكتيكية، يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة بحجم وتأثير إيران.
الأهم من ذلك أن النقاش حول صلاحيات الحرب يعيد طرح سؤال جوهري: من يملك قرار إدخال الولايات المتحدة في حرب؟ الدستور يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، لكن الواقع العملي خلال العقود الماضية أظهر ميلاً متزايداً نحو تركيز هذه السلطة في يد الرئيس. واليوم، يبدو أن هناك محاولة—ولو متأخرة—لتصحيح هذا المسار.
إقليمياً، تتابع دول الشرق الأوسط هذه التطورات بقلق وحذر. فالتصعيد الأمريكي الإيراني لا يبقى محصوراً بين الطرفين، بل ينعكس على استقرار المنطقة بأكملها، من أسواق الطاقة إلى الأمن البحري والتحالفات السياسية. وبالتالي، فإن أي كبح للاندفاع نحو الحرب يُنظر إليه كعامل تهدئة، حتى وإن كان مؤقتاً.
في النهاية، قد لا يوقف هذا القرار الحرب بشكل مباشر، لكنه يعيد فتح النقاش حولها داخل الولايات المتحدة. وهو بحد ذاته تطور مهم، لأن أخطر الحروب هي تلك التي تُخاض دون نقاش، ودون مساءلة، ودون إدراك كامل لتكلفتها.
يبقى السؤال: هل يتحول هذا التحرك التشريعي إلى قيد فعلي على السلطة التنفيذية، أم يظل مجرد إشارة رمزية في صراع أعمق على من يحدد مسار الحرب والسلام في واشنطن؟
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
