د. شهاب المكاحله
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء كشف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي عن تفاصيل المقترح الإيراني الأخير للولايات المتحدة ليضع المشهد أمام مفترق طرق حقيقي: إما تسوية شاملة تعيد رسم قواعد الاشتباك، أو تصعيد قد يخرج عن السيطرة. غير أن قراءة هذا المقترح لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الأوسع، حيث تتداخل الحسابات النووية، والضغوط الاقتصادية، والتوازنات الإقليمية، في معادلة واحدة شديدة الحساسية.
المقترح الإيراني، كما تم عرضه أمام لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتجاوز ذلك إلى طرح رؤية متكاملة لإنهاء الحرب وإعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن. فطهران تؤكد مجدداً أن حقها في تخصيب اليورانيوم واستخدام الطاقة النووية السلمية ليس محل تفاوض، بل يمثل “خطاً أحمر” سيادياً. هذه النقطة تحديداً تكشف جوهر المأزق: فبينما ترى إيران أن هذا الحق غير قابل للمساومة، تعتبره الولايات المتحدة مدخلاً رئيسياً للضغط والاحتواء.
لكن اللافت في الطرح الإيراني هو اتساع نطاقه السياسي. فالمقترح لا يتحدث فقط عن الداخل الإيراني، بل يربط بين ساحات متعددة، من لبنان إلى الممرات البحرية، في محاولة لتحويل أي اتفاق محتمل إلى تسوية إقليمية شاملة. هذا الربط يعكس إدراكاً إيرانياً بأن الحرب لم تعد محصورة في جغرافيا واحدة، بل أصبحت شبكة مترابطة من الصراعات، لا يمكن تفكيكها إلا عبر صفقة كبرى.
في المقابل، تبدو واشنطن، بقيادة دونالد ترامب، مترددة بين خيارين متناقضين: التصعيد العسكري أو القبول بتسوية جزئية. فتصريحات ترامب الأخيرة، التي جمعت بين التهديد بـ“هجوم شامل” والتراجع المؤقت بطلب من حلفاء خليجيين، تعكس حالة من عدم الاستقرار في القرار الأمريكي. هذه الازدواجية ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر خطورة، لأنها تأتي في ظل بيئة إقليمية قابلة للاشتعال السريع.
الإشارات المتضاربة لا تقتصر على الخطاب السياسي، بل تمتد إلى مضمون المفاوضات نفسها. فالتقارير التي تتحدث عن استعداد أمريكي للإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية، أو القبول بأنشطة نووية محدودة تحت رقابة دولية، توحي بوجود هامش للمناورة. غير أن النفي الأمريكي المتكرر لأي تنازلات يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام تفاوض حقيقي، أم مجرد إدارة للأزمة دون نية لحلها؟
هنا تكمن المفارقة. فبينما تسعى إيران إلى اتفاق شامل يتضمن رفع العقوبات وانسحاب القوات الأمريكية من محيطها، تميل الولايات المتحدة إلى مقاربة تدريجية تركز على احتواء البرنامج النووي دون تقديم ضمانات سياسية أو اقتصادية واسعة. هذا التباين في سقف التوقعات يجعل من الصعب الوصول إلى نقطة التقاء سريعة.
إقليمياً، لا يمكن تجاهل دور الفاعلين الآخرين. فطلب السعودية وقطر والإمارات تأجيل الهجوم الأمريكي يعكس خشية واضحة من الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق. هذه الدول، رغم اختلاف مواقفها من إيران، تدرك أن أي مواجهة شاملة ستنعكس مباشرة على أمنها واستقرارها الاقتصادي، خاصة في ظل هشاشة أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية العالمية.
في المحصلة، يكشف المقترح الإيراني عن محاولة لفرض معادلة جديدة: الأمن مقابل الاعتراف، ووقف التصعيد مقابل رفع العقوبات. لكن نجاح هذه المعادلة يعتمد على مدى استعداد واشنطن للانتقال من سياسة الضغط إلى سياسة التسوية. وحتى الآن، لا يبدو أن هذا التحول قد نضج بالكامل.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتفاق ممكناً، بل ما إذا كان الطرفان مستعدين لدفع ثمنه. ففي عالم تحكمه الحسابات الانتخابية والضغوط الداخلية والتحالفات المتشابكة، قد تكون كلفة السلام أعلى من كلفة المواجهة—على الأقل في المدى القصير.
وبين هذه المعادلات المتناقضة، تبقى المنطقة معلقة على حافة قرار لم يُحسم بعد: هل تكون هذه المبادرة بداية النهاية للحرب، أم مجرد فصل جديد في صراع مفتوح؟
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
