المهندس سليم البطاينه
قبل أكثر من 6 سنوات تم التحذير من قبل (المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني) بتقريره (حالة البلاد)، بأن الأردن يعيش أزمة مركبة متراكمة، متعددة الأوجه، ذات أبعاد متداخلة اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، تُنتجُ وتولد أزمات، تتطلب إجراءات فعالة ومسؤولة، تتجاوز ذاكرة التأجيل وتعطي للسياسات أفقاً آخر ! والتأخر في معالجتها سيتحول الى عبء كبير، يزيد من أزماتنا، ويؤثر سلبا على استقرارنا.
إن عبارة؛ حالة البلاد؛ تعني شعوراً بالقلق والإحباط، خاصة المرتبط منها بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل: الفقر والبطالة، والعنوسة، والضرائب والرسوم والمخالفات والكاميرات وفواتير الكهرباء التي فاقت حدود المعقول !
ناهيك عن تحديات سوق العمل، وتآكل الطبقة الوسطى من المجتمع، واهتراء البنية التحتية، وتراجع جودة الخدمات وانخفاض القدرة الشرائية للأردنيين، وإغلاق الكثير من الأنشطة الاقتصادية (الصغيرة والمتوسط)، واتساع فجوة الثقة بالمؤسسات.
لم يكتب إلا القليل في الأسباب التي أوصلتنا الى الحالة التي نعيشها اليوم ! ومع ان الزمن مرّ فإن سؤال المرحلة هو هو لم يتغير، هذا السؤال الذي لم يعد مؤجلاً،، ومن الصعب تركه دون اجابة : إلى أين يتجه الأردن ؟ وأي اردن نريد ؟ وعند اي محطة أخطأنا ؟
وكيف نحافظ على استقرارنا، و نسجل حضورنا في عالم يتغير كل يوم ؟
الأزمة قائمة وتكبر لحظة بعد لحظة ! لم يعد بالإمكان تركها وترك الوضع على ما هي عليه ؛ فنحن أمام رأي عام ناقم على كل الأوضاع، ما يعني أهمية وضعه في الاعتبار،، فالذي يُسند مؤسسات الدولة ليس الدستور والقوانين فقط، بل الرأي العام الذي هو أقوى من النصوص وأسبق من التشريعات.
لا يمكن لعمليات الإصلاح اياً كان شكلها ان تُختزل بعصا التشريع، وكانّها العصا السحرية القادرة على علاج أورام مستعصية !
فالفساد في القانون لا يعني اتهام النص القانوني في ذاته، وإنما التحذير من انحراف وظيفته الأصلية ؛ أي بمعنى الفعل في شكله قانونياً، لكنه غير مشروع في مضمونه، لأن أثره الاقتصادي والاجتماعي مُدمر احياناً.
الاقتصاد الأردني يستهلك أكثر ما يُنتج،، وارتفاع كلفة الدين العام يكشف عن تآكل في معنوياتنا الاقتصادية وعن فشل ذريع في بناء قاعدة إنتاجية، والانكماش الاقتصادي أصبح عميقاً وطال كل القطاعات دون استثناء.
لدينا أكثر من نصف مليون عاطل عن العمل ! وهذا يتطلب أكثر من ٤ مليارات دولار لاستثمارها في مشاريع منتجة ومولدة لفرص العمل ؛ أي بمعنى وجود رأس مال وطني قوي وفاعل، وشركات وطنية قادرةًعلى إدارة وتحفيز عمليات التنمية الاقتصادية.
الفقر هو الداء الذي لطالما فشلت اعتى الخطط التنموية في الشفاء منه : فأية حكومة تعلن نجاحها في أرقام بينما يزداد مواطنوها فقراً عبر التسلل الى ما تبقى في جيوبهم هي حكومة فاشلة في جوهر وظيفتها.
وهنا أدرك كما يدرك غيري من الأردنيين ان غياب الطبقة الوسطى ( التي تحفظ الاستقرار وتمثل التوازن ) لم يكن مجرد تحول اقتصادي ؛ فقد تعرضت تلك الطبقة خلال العشرين عاماً الماضية لأشرس هجوم أدى إلى تراجعها إلى الخلف وتنازلها عن السياسة مقابل الخبز.
ان الصوت والصورة والكلمة لا يمكنها التعبير عن كل شيء ؛ فهناك أشياء أعمق من ان تستطيع التعبير عنها ! فقد جنينا اختيارات خاطئة لم تستوعب ان أي خطوة الى الأمام تحتاج إلى قاعدة صلبة من الثقة، التي هي من أهم العوامل الأساسية في تعزيز التنمية الاقتصادية.
سيظل الحديث عن المستقبل والنهوض في الاردن موضوعاً للجدل والنقاش الدائم بالسؤال : إلى أين وصلنا ؟
في هذا الموضوع نحن بحاجة إلى عقل سياسي واقتصادي غير تقليدي ! يعيد وصل الفكر بالعقل، والمفهوم بالواقع، والتاريخ بالمستقبل،ويخلق تعريف حقيقي لمفهوم التحديث الاقتصادي يتجاوز مفردات ومصطلحات عفا عنها الزمن، ويجنح إلى عقلنة الفعل الاقتصادي خوفاً من انهيار مفاجئ،،، وهذا الشيء يتطلب قفزة نوعية في الإنتاج الفكري الجيوسياسي والاقتصادي.
بالنسبة لي ما زال الوضع مقلوبا !
اما ان تتحول الإصلاحات الاقتصادية إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية بفرض المعادلة الثابتة في ادارة الموارد بعدالة بالتوقف عن المغامرات العنترية بفرض الضرائب والرسوم والمخالفات بمسميات لا يقدر عليها إبليس !
أو تبقى الإصلاحات مجرد ارقام تعلن في المؤتمرات الصحفية،، بينما يواصل المواطن دفع الثمن من قوته ومستقبله ؛ بتضخم يلتهم دخله، وبطالة تقوض استقراره.
نائب اردني سابق
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
