عازر يعقوبيان
ليست الانتخابات الإسرائيلية مجرد منافسة بين أحزاب تسعى إلى تشكيل الحكومة، ولا هي استفتاء عابر على أداء بنيامين نتنياهو بعد سنوات طويلة من الهيمنة السياسية. إنها، في جوهرها، اختبار لطبيعة المشروع الذي يريد الإسرائيليون أن يحكم باسمهم، وللحدود التي يمكن أن يبلغها استخدام القوة في غياب أفق سياسي يعترف بحق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير. والسؤال الذي يتجاوز أسماء المرشحين وعدد المقاعد هو: هل تستطيع صناديق الاقتراع أن تفتح طريقاً مختلفاً، أم أن التنافس سيبقى محصوراً في إدارة الصراع نفسه، مع اختلاف في الأسلوب والخطاب؟
من السهل النظر إلى الانتخابات بوصفها فرصة لإنهاء عهد نتنياهو، أو بداية مرحلة سياسية أقل تصادماً مع الفلسطينيين والمنطقة. لكن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة السياسية التي حكمت العلاقة مع الفلسطينيين، كما أن صعود منافسين جدد لا يكفي وحده لإثبات أن إسرائيل تتجه نحو تسوية تاريخية. فالمعيار الحقيقي ليس هوية الفائز فحسب، بل السياسات التي سيتبناها: هل سيوقف التوسع الاستيطاني؟ هل سيضع حداً لعنف المستوطنين؟ هل سيقبل بمسار سياسي جدي يفضي إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة؟ وهل سيعيد تعريف الأمن باعتباره نتيجة لتسوية عادلة، لا ذريعة مفتوحة لتوسيع السيطرة؟
ما بعد 7 أكتوبر: حين يضيق المجال أمام السياسة
أعادت هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تشكيل الحياة السياسية والأمنية في إسرائيل، وعمّقت الشعور بالخوف وانعدام الثقة، لكنها لم تُلغِ الأسئلة التي سبقت تلك الهجمات بشأن الاحتلال والاستيطان ومستقبل الفلسطينيين. وبدلاً من أن تتحول الصدمة إلى مراجعة استراتيجية شاملة، اتسع المجال أمام خطاب يربط الأمن بالعمليات العسكرية المفتوحة، ويعامل التفاوض بوصفه تنازلاً، ويصور أي حديث عن التسوية السياسية باعتباره تهديداً للمشروع الوطني الإسرائيلي.
غير أن هذا الخطاب لا يمثل بالضرورة جميع الإسرائيليين بالدرجة نفسها، ولا يجوز التعامل مع المجتمع الإسرائيلي ككتلة واحدة متجانسة. ففيه تيارات قومية ودينية متشددة، وأخرى علمانية وليبرالية، وقوى سياسية تختلف بشأن القضاء والديمقراطية والمستوطنات والحرب ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين. لكن وجود هذه الاختلافات لا يغير حقيقة أن أي بديل سياسي سيُقاس بقدرته على ترجمة الاعتراضات إلى قرارات ملموسة، لا بمجرد استخدام لغة أكثر اعتدالاً في الحملات الانتخابية.
لقد أصبحت المعضلة الإسرائيلية أعمق من الخلاف حول شخص نتنياهو. إنها تتعلق بالتناقض بين السعي إلى فرض السيطرة على الأرض، وبين محاولة الاحتفاظ بصورة دولة ديمقراطية تحترم القانون وتضمن الحقوق. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية، ازدادت صعوبة إقناع العالم بأن المسألة تتعلق بالأمن وحده، لا ببنية سياسية تتعامل مع حقوق شعب آخر باعتبارها قضية مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
المعارضة ليست مشروعاً بديلاً بمجرد أنها تعارض نتنياهو
تكتسب المنافسة بين معسكر نتنياهو وخصومه أهمية كبيرة، لكنها لا تسمح وحدها بافتراض أن فوز المعارضة سيقود تلقائياً إلى سلام أو تسوية. فالمعارضة السياسية ليست برنامجاً واحداً، كما أن الاعتراض على إدارة الحرب أو على أسلوب نتنياهو لا يعني بالضرورة رفض الاستيطان أو قبول الانسحاب من الأراضي المحتلة أو الاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين تغيير القيادة وتغيير الاتجاه. فقد تنجح حكومة جديدة في إعادة بناء العلاقات مع واشنطن، أو تهدئة الخلافات مع بعض العواصم العربية، أو تحسين صورة إسرائيل في الخارج، من دون أن تتخلى عن السياسات التي تُبقي الصراع مفتوحاً. وقد تتغير لغة المسؤولين بينما تستمر الوقائع على الأرض في الاتجاه نفسه. لذلك، فإن الحكم على أي قيادة مقبلة يجب أن يستند إلى قراراتها بشأن الاستيطان والضم والقدس وحرية الحركة والأسرى وإعادة إعمار غزة، فضلاً عن موقفها من قيام دولة فلسطينية مستقلة.
إن الاعتدال الذي لا ينعكس على حياة الفلسطينيين اليومية يبقى اعتدالاً خطابياً. أما التحول السياسي الحقيقي، فيبدأ عندما يصبح وقف الاستيلاء على الأراضي وحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال جزءاً من برنامج الحكومة، لا مجرد عبارات تُستخدم لتخفيف الضغوط الدولية.
الضفة الغربية: الاختبار الذي لا يمكن تأجيله
في الضفة الغربية، لا تُقاس السياسة بالشعارات الانتخابية، بل بما يحدث في القرى والبلدات وعلى الطرق وحول المستوطنات. فالتوسع الاستيطاني، والاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، وتهديد سبل عيشهم وممتلكاتهم، كلها وقائع تؤثر مباشرة في إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقادرة على ممارسة سيادتها.
وتزداد خطورة هذه السياسات عندما تصدر عن مسؤولين يدفعون باتجاه ضم الأراضي أو تقويض مؤسسات السلطة الفلسطينية. فالضم، سواء أُعلن رسمياً أم فُرض تدريجياً من خلال تغيير الوقائع على الأرض، لا ينهي الصراع؛ بل يرسخ نظاماً من السيطرة وعدم المساواة، ويغلق أبواب التسوية ويزيد احتمالات المواجهة.
أما السلطة الفلسطينية، فعلى الرغم من أزماتها ومحدودية شرعيتها السياسية، فإن تفكيك مؤسساتها أو تقويضها من دون وجود بديل سياسي واضح لن يصنع الاستقرار. وقد يؤدي ذلك إلى فراغ أمني ومؤسسي تتحمل كلفته المجتمعات الفلسطينية والإقليم بأسره. إن التعامل مع هذه المسألة بوصفها فرصة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية يتجاهل أن الأمن المستدام لا يمكن بناؤه على إضعاف الطرف الآخر إلى الحد الذي تصبح معه الحياة السياسية والمدنية مستحيلة.
وعلى الناخب الإسرائيلي أن يواجه سؤالاً واضحاً: هل يريد استمرار إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، أم يريد مساراً يحدد الحقوق والالتزامات ويضع نهاية للاحتلال؟ ليس مطلوباً أن يتفق الجميع على كل تفاصيل التسوية، لكن تجاهل السؤال لن يؤدي إلا إلى تأجيل انفجار أزمات جديدة.
الأمن لا يصنعه التصعيد وحده
تتكرر في الخطاب السياسي الإسرائيلي وعود بالرد الحاسم والعمليات غير المسبوقة، خصوصاً بعد الهجمات التي توقع قتلى أو تثير صدمة في المجتمع. ومن الطبيعي أن تتحمل أي حكومة مسؤولية حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم. لكن حماية المدنيين لا تعني أن كل إجراء عسكري يصبح مشروعاً، ولا أن العقاب الجماعي أو توسيع العمليات بلا أفق سياسي يمكن أن ينتج أمناً دائماً.
إن استخدام القوة قد يحقق أهدافاً عسكرية محددة، لكنه لا يحل بمفرده القضايا التي تغذي الصراع. وكلما اتسع نطاق العمليات من دون تمييز صارم بين المسؤولين عن الهجمات والمدنيين، ازدادت الخسائر الإنسانية، وتعمقت مشاعر الغضب، وتراجعت فرص بناء تسوية قابلة للاستمرار. وهذا ليس دفاعاً عن استهداف المدنيين الإسرائيليين، ولا تبريراً للهجمات المسلحة؛ بل تأكيد لمبدأ لا يتغير بتغير هوية الضحايا: حماية المدنيين واجب، وقتلهم لا يصبح مقبولاً بسبب هويتهم أو جنسيتهم أو دينهم.
والقيادة التي تجعل الأمن مرادفاً للتصعيد الدائم تخاطر بتحويل حالة الطوارئ إلى أسلوب حكم، والحرب إلى بديل من السياسة. أما القيادة المسؤولة، فعليها أن تشرح ليس فقط كيف سترد على الهجمات، بل كيف ستمنع تكرارها، وكيف ستعالج الظروف السياسية التي تجعل العنف يتجدد، وكيف ستضمن ألا تتحول حماية المجتمع إلى غطاء لانتهاك حقوق مجتمع آخر.
إيران والمنطقة: خطر تحويل الانتخابات إلى موعد للحرب
لا تنحصر تداعيات السياسة الإسرائيلية في فلسطين. فالتوتر مع إيران، واحتمالات اتساع المواجهة، والعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، كلها عوامل تجعل أي قرار عسكري كبير ذا آثار تتجاوز الحدود الإسرائيلية. وفي أجواء انتخابية محتدمة، يصبح من الضروري التمييز بين المعلومات المؤكدة والتصريحات السياسية والتسريبات التي قد تُستخدم للضغط أو الردع أو التأثير في الرأي العام.
إن الحديث عن ضربة عسكرية محتملة لإيران، أو عن تنسيق بين واشنطن وتل أبيب، لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة ثابتة ما لم تدعمه أدلة موثوقة. لكن مجرد احتمال انتقال التنافس السياسي إلى تصعيد إقليمي يفرض على الأطراف المعنية مسؤولية تجنب الحسابات قصيرة الأجل. فالحروب لا تتوقف آثارها عند اللحظة التي تُتخذ فيها القرارات، ولا يمكن ضمان أن تبقى المواجهة محدودة بعد انطلاقها.
وتحتاج المنطقة إلى مقاربة أمنية تتعامل مع مخاطر الانتشار النووي والصواريخ والهجمات العابرة للحدود، لكنها لا تجعل الحرب الخيار الأول أو الوحيد. كما تحتاج إلى دور أميركي يوازن بين حماية المصالح الأمنية ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، بدلاً من ترك المنطقة رهينة لسياسات الردع المتبادل والتهديدات المفتوحة.
ومن الخطأ أيضاً افتراض أن كل تصعيد يأتي في توقيت انتخابي هدفه بالضرورة التأثير في نتائج الاقتراع. قد تكون للحوادث الأمنية أسبابها الميدانية، وقد تحاول أطراف سياسية توظيفها، لكن إثبات العلاقة بين الحدث والحسابات الانتخابية يحتاج إلى أدلة، لا إلى مجرد تزامن زمني. إن التحليل الجاد يبدأ بطرح الأسئلة، لكنه لا يستبدل البرهان بالاستنتاج المسبق.
ماذا تعني الانتخابات للفلسطينيين والعرب؟
تتابع العواصم العربية والفلسطينيون الانتخابات الإسرائيلية باهتمام مفهوم، لكن الرهان على تبدل الأسماء وحده لا يكفي. فالتجارب السابقة أظهرت أن العلاقات الإقليمية قد تتحسن في بعض المجالات بينما تستمر الخلافات الجوهرية بشأن الاحتلال والحقوق الفلسطينية. لذلك، ينبغي أن تُقاس أي حكومة مقبلة بأفعالها، وبمدى استعدادها للالتزام بالقانون الدولي وبناء مسار سياسي واضح.
ولا يعني ذلك أن الفروق بين الأحزاب الإسرائيلية بلا قيمة؛ فالاختلافات في السياسات والائتلافات ودرجة الاستعداد للتفاوض يمكن أن تكون مؤثرة. لكن المطلوب هو تجنب تحويل الأمل في تغيير الحكومة إلى تفويض مسبق، أو التعامل مع كل معارض لنتنياهو بوصفه شريكاً محتملاً في السلام قبل أن يُعلن برنامجاً واضحاً ويبدأ بتنفيذه.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن القضية الأساسية ليست من يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بل ما إذا كان التغيير السياسي سيؤدي إلى وقف الاستيطان والضم، وحماية المدنيين، ورفع القيود التي تخنق الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفتح أفق حقيقي للاستقلال. وبالنسبة إلى الدول العربية، فإن أي ترتيبات إقليمية مستدامة ستظل معرضة للاهتزاز ما لم تعالج القضية الفلسطينية معالجة عادلة، بدلاً من محاولة تجاوزها أو تأجيلها.
إن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم على افتراض أن الفلسطينيين سيقبلون إلى الأبد بواقع يُفرض عليهم بالقوة. كما أن الأمن الإسرائيلي لن يتحقق بصورة دائمة عبر إضعاف الفلسطينيين أو إنكار حقوقهم، بل من خلال ترتيبات سياسية وأمنية متبادلة، تستند إلى الاعتراف والحقوق والمساءلة.
بين الذئبين: هل تكفي المفاضلة في اللون؟
قد يبدو من المغري اختزال المنافسة الانتخابية في صورة ذئبين يتصارعان على الفريسة نفسها، أحدهما أكثر تشدداً والآخر أكثر قدرة على تقديم نفسه باعتباره بديلاً مقبولاً. لكن هذه الصورة، على الرغم من قوتها البلاغية، لا ينبغي أن تحجب الفروق السياسية الفعلية بين المرشحين أو أن تجعل النتيجة محسومة قبل أن تتضح البرامج والقرارات.
السؤال الأدق ليس ما إذا كان كل المتنافسين متشابهين تماماً، بل ما الذي يميز مشروعاً عن آخر، وأين تقف حدود الاختلاف بينهما. هل يتعلق الخلاف بإدارة الحرب أم بإنهائها؟ بإيقاع الاستيطان أم بمبدئه؟ بكيفية التعامل مع السلطة الفلسطينية أم بمستقبلها؟ وبالعلاقة مع الولايات المتحدة والعرب أم بالموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية ذاتها؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من الاكتفاء بتصنيف سياسي عام، لأنها تنقل النقاش من الانطباعات إلى السياسات القابلة للفحص. وهي تضع المسؤولية أمام الناخب الإسرائيلي كما تضعها أمام المجتمع الدولي: لا يكفي أن يتغير الخطاب إذا بقيت الوقائع على الأرض على حالها.
وفي المقابل، لا ينبغي للفلسطينيين والعرب أن يربطوا استراتيجياتهم السياسية بانتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع الإسرائيلية. المطلوب هو موقف واضح يستند إلى الحقوق والقانون الدولي، ودبلوماسية نشطة، ومحاسبة على الانتهاكات، وعمل سياسي يحافظ على وحدة الموقف الفلسطيني ويمنع استغلال الانقسامات الداخلية. فالتغيير في إسرائيل، إن وقع، قد يفتح فرصاً جديدة؛ لكنه لن يغني عن وجود رؤية فلسطينية وعربية قادرة على التعامل مع تلك الفرص.
الامتحان في السياسات لا في الأسماء
تكتسب الانتخابات الإسرائيلية أهميتها من أنها تأتي في ظل حرب وانقسام داخلي وأزمة ثقة، وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من توسع الاستيطان والضم ومن انتقال التوتر إلى جبهات إقليمية أخرى. لكنها لا تمنح، بحد ذاتها، إجابة عن مستقبل الصراع. الإجابة ستتحدد بما ستفعله الحكومة المقبلة، وبما إذا كانت ستتعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها أساساً لأي تسوية، أم ستواصل تأجيلها تحت عنوان الأمن.
ليس المطلوب افتراض أن جميع الأحزاب متطابقة، ولا منح المعارضة صك اعتدال مسبقاً. المطلوب هو اختبار كل مشروع سياسي على أساس ما يقترحه وما ينفذه، لا على أساس ما يقوله عن خصمه. فالديمقراطية لا تُقاس بالانتخابات وحدها، بل أيضاً بمدى احترام الحقوق، وحماية الأقليات، واستقلال المؤسسات، والقدرة على إنهاء الاحتلال وفتح طريق سياسي يمنح الفلسطينيين حقهم في الحرية وتقرير المصير.
قد تتبدل الوجوه في تل أبيب، وقد تتغير التحالفات داخل الكنيست، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً على إسرائيل والمنطقة هو نفسه: هل تستطيع السياسة أن تكسر دائرة الحرب، أم ستظل الانتخابات مجرد وسيلة لإعادة توزيع السلطة داخل منظومة الصراع؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي. أما صناديق الاقتراع، مهما كانت نتائجها، فلا تصنع السلام وحدها؛ السلام يبدأ عندما تتحول الحقوق من شعارات مؤجلة إلى التزامات سياسية وقانونية قابلة للتنفيذ.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
