الرئيسية / أخبار / واشنطن بين انتخابات الكونغرس وإسرائيل: من سيرسم ملامح الشرق الأوسط؟

واشنطن بين انتخابات الكونغرس وإسرائيل: من سيرسم ملامح الشرق الأوسط؟

بقلم د. شهاب المكاحله

في العاصمة الأميركية، لا تبدو الانتخابات النصفية المقبلة في الثالث من نوفمبر مجرد استحقاق داخلي أميركي آخر، ولا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر مجرد منافسة حزبية على رئاسة الحكومة. كلا الاستحقاقين قد يصبحان، بدرجات مختلفة، من أكثر الأحداث تأثيراً في رسم ملامح الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحرب الأميركية ـ الإيرانية المستمرة، والتوترات الممتدة من لبنان وسوريا إلى غزة والضفة الغربية، وإعادة واشنطن النظر في شكل وجودها والتزاماتها الأمنية في المنطقة.

وفي هذا السياق، شاركت قبل أيام في حديث مغلق الأبواب في العاصمة الأميركية تناول تداعيات انتخابات التجديد النصفي للكونغرس على مستقبل الشرق الأوسط، وما الذي يمكن أن يحدث إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على الكونغرس، وما الذي قد يتغير إذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على أحد مجلسيه أو كليهما. وكان السؤال الأوسع الذي حكم النقاش هو: هل تستطيع واشنطن أن تفصل السياسة الخارجية عن الحسابات الانتخابية الداخلية، أم أن الشرق الأوسط سيدفع مجدداً ثمن التحولات السياسية في واشنطن؟

المسألة ليست نظرية. فالولايات المتحدة تتجه إلى انتخابات الثالث من نوفمبر في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، فيما تشير التقديرات الحالية إلى أن الجمهوريين يدخلون المعركة بأغلبية ضيقة في مجلسي النواب والشيوخ، بينما يمتلك الديمقراطيون فرصة قوية لاستعادة مجلس النواب. وفي المقابل، لا يزال مجلس الشيوخ أكثر ميلاً إلى الجمهوريين، ما يعني أن السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام قد لا يكون “جمهوريون ضد ديمقراطيين” بصورة مطلقة، بل احتمال انقسام السلطة بين مجلسي الكونغرس والبيت الأبيض.

إذا نجح الجمهوريون في الحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس، فمن المرجح أن يشعر الرئيس دونالد ترامب بقدر أكبر من الحرية في مواصلة سياسته الشرق أوسطية القائمة على الضغط الأقصى، واستخدام القوة العسكرية كأداة تفاوضية، ومحاولة فرض ترتيبات جديدة على إيران، مع إعطاء إسرائيل مساحة واسعة في إدارة ملفات الأمن الإقليمي. وسيكون من الصعب في هذه الحالة على الكونغرس أن يشكل عائقاً سياسياً كبيراً أمام البيت الأبيض في الملفات التي يعتبرها الأمن القومي الأميركي جزءاً من مواجهة إيران وحلفائها. لكن استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط والتضخم قد يحولان الشرق الأوسط من ورقة انتخابية خارجية إلى عبء داخلي أميركي؛ وهو ما بدأ يظهر بالفعل مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالحرب مع إيران. وقد قال ترامب في التاسع من سبتمبر إن الحرب قد تنتهي مباشرة بعد انتخابات نوفمبر، في تصريح يعكس بوضوح التداخل بين الحسابات العسكرية والسياسية الداخلية.

أما إذا تمكن الديمقراطيون من استعادة مجلس النواب، أو إذا نجحوا في السيطرة على المجلسين، فإن البيئة السياسية المحيطة بالرئيس ستتغير بصورة كبيرة. لن يعني ذلك بالضرورة انقلاباً في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل أو إيران، لأن السياسة الخارجية الأميركية أكثر تعقيداً من أن تتبدل بمجرد تغير الأغلبية في الكونغرس، لكن هامش الحركة لدى الإدارة سيتقلص. ستزداد الرقابة على القرارات العسكرية والإنفاق الدفاعي، وستصبح صفقات السلاح والمساعدات الخارجية والعمليات العسكرية موضع نقاش سياسي أكثر حدة، كما قد يستخدم الديمقراطيون لجان الكونغرس للتحقيق في إدارة الحرب والسياسة تجاه إيران وإسرائيل، وربما في طبيعة القرارات التي أدت إلى استمرار الصراع وتداعياته الاقتصادية.

لكن الأهم أن فوز الديمقراطيين، إذا حدث، قد يعيد إحياء نقاش داخل واشنطن حول معنى القوة الأميركية في الشرق الأوسط. فبدلاً من النظر إلى المنطقة باعتبارها مسرحاً دائماً للردع العسكري، قد تتزايد الدعوات إلى الدبلوماسية، وخفض الانخراط العسكري المباشر، وربط المساعدات والدعم السياسي الأميركي لإسرائيل بمواقف أكثر وضوحاً بشأن الضفة الغربية وحل الدولتين. ولن يكون هذا بالضرورة تحولاً سريعاً أو جذرياً، لكنه قد يخلق توازناً جديداً بين البيت الأبيض والكونغرس، ويجعل السياسة الأميركية تجاه المنطقة أكثر قابلية للنقاش والمراجعة.

وهنا تصل المسألة الأميركية إلى محطتها الإسرائيلية. فالانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من أكتوبر قد تسبق الانتخابات الأميركية بأيام قليلة، ما يجعل نتائجها جزءاً من السياق السياسي الذي ستدخل به واشنطن إلى انتخابات الثالث من نوفمبر. وهذه المرة، لن تكون الانتخابات الإسرائيلية مجرد استفتاء على شخص بنيامين نتنياهو، بل على الاتجاه الاستراتيجي الذي ستسلكه إسرائيل بعد سنوات من الحرب في غزة ولبنان وإيران، وعلى مستقبل العلاقة مع واشنطن، وعلى شكل الدولة الفلسطينية إن بقي حل الدولتين مطروحاً أصلاً، وعلى طبيعة الدور الإسرائيلي في الإقليم. وتظهر الاستطلاعات الحالية أن نتنياهو يواجه معركة صعبة، وأن حزبه وائتلافه اليميني والديني يواجهان خطر خسارة الأغلبية، إلا أن طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي وتعدد الأحزاب يجعلان التنبؤ بالنتيجة النهائية أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة أرقام الاستطلاعات.

وإذا تمكن نتنياهو من العودة إلى رئاسة الحكومة، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة مختلفة تماماً. فنتنياهو السياسي الذي سيخرج من انتخابات أكتوبر لن يكون بالضرورة هو نتنياهو الذي دخل حرب غزة في 2023. سيكون أكثر ارتباطاً بإرث الحرب، وأكثر حاجة إلى إثبات أن إسرائيل خرجت منها بمكاسب استراتيجية، وأكثر اعتماداً على اليمين القومي والديني الذي يشكل جزءاً مهماً من قاعدته السياسية. وفي مثل هذه الحالة، سيكون ملف الدولة الفلسطينية أول اختبار حقيقي. ومن الصعب تصور أن حكومة يقودها نتنياهو، إذا احتاجت إلى دعم أحزاب يمينية متشددة، ستقدم بسهولة على قبول صيغة سياسية تقود إلى دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة. وقد يتحول الحديث عن “حل الدولتين” من مشروع سياسي قابل للتنفيذ إلى صيغة دبلوماسية تستخدمها واشنطن والعواصم الأوروبية من دون أن تجد طريقها إلى الواقع.

وهنا تكمن خطورة الملف بالنسبة إلى الأردن تحديداً. فالمسألة الفلسطينية ليست بالنسبة إلى عمّان قضية خارجية منفصلة عن الأمن الوطني، وأي تغيير جذري في الوضع السياسي أو الديموغرافي في الضفة الغربية قد تكون له انعكاسات مباشرة على المملكة. وإذا اتجهت إسرائيل بعد الانتخابات إلى توسيع الاستيطان، أو فرض ترتيبات جديدة على الأرض، أو الدفع نحو ضم فعلي وإن لم يكن معلناً، فإن الضفة الغربية قد تتحول تدريجياً إلى مساحة سياسية مختلفة تماماً. وهذا هو السيناريو الذي تخشاه عمّان أكثر من أي خطاب سياسي إسرائيلي عابر: أن يتحول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من قضية تبحث عن حل إلى أزمة يتم نقل أثمانها السياسية والديموغرافية إلى الدول المجاورة.

أما لبنان، فقد يكون أحد الاختبارات المبكرة لأي حكومة إسرائيلية جديدة. فإذا عاد نتنياهو إلى السلطة، فإن احتمالات استمرار سياسة الاحتواء العسكري لحزب الله، أو الضغط على الدولة اللبنانية لإعادة تشكيل التوازن الأمني في الجنوب، ستبقى مرتفعة. وقد يكون لبنان أمام خيار صعب بين إعادة بناء الدولة ومؤسساتها من جهة، وبين استمرار وجود بنية عسكرية مستقلة لحزب الله من جهة أخرى. وفي حال غياب تسوية سياسية أوسع، يمكن أن يتحول الجنوب اللبناني مرة أخرى إلى نقطة احتكاك دائمة بين إسرائيل وإيران، حتى إذا توقفت العمليات العسكرية المباشرة.

وفي سوريا، ستكون الصورة أكثر تعقيداً. فإسرائيل لن تنظر إلى سوريا فقط من منظور الدولة السورية نفسها، بل من منظور شبكة التوازنات التي تضم تركيا وإيران والولايات المتحدة وروسيا والقوى المحلية. وقد تحاول أي حكومة إسرائيلية جديدة تثبيت واقع أمني طويل الأمد في الجنوب السوري، ومنع عودة النفوذ الإيراني، وفي الوقت نفسه مراقبة الدور التركي المتزايد. وإذا بقيت واشنطن منخرطة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب مع إيران، فإن سوريا قد تصبح إحدى ساحات اختبار التفاهم الأميركي ـ الإسرائيلي الجديد حول شكل النظام الإقليمي.

أما إيران، فستكون العقدة الأكبر. فالمشكلة لم تعد فقط في البرنامج النووي الإيراني أو في الصواريخ والطائرات المسيّرة أو في النفوذ الإقليمي لطهران، بل في السؤال الأكثر عمقاً: هل تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل تغيير سلوك إيران من دون الدخول في حرب مفتوحة وطويلة؟ وإذا بقي ترامب في موقع القوة بعد انتخابات نوفمبر، مع كونغرس جمهوري، فقد تستمر سياسة الضغط العسكري والاقتصادي ومحاولة فرض اتفاق جديد على طهران. أما إذا تغير ميزان القوى في الكونغرس، فقد يصبح هناك ضغط أكبر باتجاه مسار دبلوماسي، لكن من غير المرجح أن تتخلى واشنطن بسهولة عن سياسة احتواء إيران، خصوصاً بعد أشهر من الحرب والتكاليف السياسية والاستراتيجية التي ترتبت عليها.

والسؤال الذي طرحته في النقاش المغلق في واشنطن لم يكن، في الحقيقة، من سيفوز في الانتخابات الأميركية أو الإسرائيلية بقدر ما كان: ماذا سيحدث للشرق الأوسط إذا فاز كل طرف؟ المنطقة لم تعد تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة خارجية يمكنها أن تتراجع إلى الخلف وتترك الآخرين يديرون أزماتهم. فالحرب مع إيران أعادت تعريف معنى الوجود الأميركي، وأسعار النفط أعادت تعريف معنى الأمن الاقتصادي، والانتخابات الإسرائيلية أعادت فتح السؤال الفلسطيني، فيما باتت دول الخليج تبحث بصورة متزايدة عن توازن بين الشراكة الأمنية مع واشنطن والحفاظ على هامش أوسع من الاستقلال الاستراتيجي.

وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى. قد يفوز الجمهوريون ويواصلون سياسة القوة والضغط، لكن استمرار الحرب قد يجعل هذه السياسة مكلفة داخلياً. وقد يفوز الديمقراطيون ويطالبون بالرقابة وخفض التصعيد والدبلوماسية، لكنهم سيجدون أنفسهم أمام شرق أوسط أكثر اضطراباً مما كان عليه قبل سنوات. وقد يعود نتنياهو إلى الحكم، فيفتح الباب أمام مرحلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى حل الدولتين، أو قد يخسر، فتدخل إسرائيل في تجربة سياسية جديدة لا تضمن بالضرورة أن تكون أكثر اعتدالاً تجاه الفلسطينيين أو إيران أو لبنان.

لهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على اسم الفائز في واشنطن أو القدس وحدهما، بل على نوع النظام الإقليمي الذي سيولد بعد الانتخابات. فالشرق الأوسط يقف أمام لحظة انتقالية يمكن أن تنتهي بإعادة إنتاج نفوذ أميركي أكبر، أو بظهور توازن إقليمي أكثر تعددية تتقاسم فيه واشنطن نفوذها مع قوى أخرى، من تركيا والخليج إلى الصين وأوروبا. وفي الحالتين، ستكون انتخابات نوفمبر الأميركية وانتخابات أكتوبر الإسرائيلية أكثر من مجرد استحقاقات انتخابية؛ ستكونان اختباراً لمستقبل الشرق الأوسط نفسه.