أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / السباق للحصول على البيانات: الغاز البحري السوري الأهمية الاستراتيجية لحوض بلاد الشام في الصراع الرقمي  

السباق للحصول على البيانات: الغاز البحري السوري الأهمية الاستراتيجية لحوض بلاد الشام في الصراع الرقمي  

د. نسرين مستو اسعد 

مع بروز أهمية الذكاء الاصطناعي وسعي رأس المال العالمي ومؤخراً الدول العُظمى لبناء مراكز بيانات ضخمة حول العالم والعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي، برز الغاز الطبيعي كركيزة أساسية في عملية توليد الطاقة لمراكز البيانات وتمكين خوادم الذكاء الاصطناعي من مُعالجة كميات البيانات الهائلة بسرعة فائقة ودون توقف أبداً 24/7 . تتطلب الخوادم العملاقة للذكاء الاصطناعي طاقة موثوقة غير مُتقطعة حتى تتمكن هذه الخوادم من حفظ وأرشفة البيانات المُجمّعة وتدريب وتطوير النماذج اللغوية الضخمة. على الرُغم من استحداث طاقة مُتجددة قادرة على تشغيل مراكز البيانات الضخمة، إلا أن هذه الطاقة لم تُثبت كفاءتها لجهة الترابط التشغيلي والاستمرارية. لذلك برز الغاز الطبيعي كطاقة تشغيلية فائقة الأهمية في عملية توليد الكهرباء لمراكز البيانات.

مع بداية عام 2026 أصدر الاتحاد الدولي للغاز IGU تقريراً مفصلاً حول دور الغاز في تلبية احتياجات مراكز البيانات من الكهرباء. يُشير تقرير IGU إلى أن الطلب المتزايد على الكهرباء لمراكز البيانات سيؤدي إلى زيادة الطلب على الغاز الطبيعي العالمي، كما أن توليد الطاقة لمراكز البيانات باستخدام الغاز سوف يتضاعف مع حلول عام 2035 توافقاً مع توقعات ازدياد أعداد مراكز البيانات حول العالم. من هنا برز دور الغاز الطبيعي كعامل اقتصادي مُهم وموازي للنفط. كما برزت أهميته كمادة أساسية في تشغيل مراكز البيانات للوصول إلى التسلح الرقمي والحوكمة العالمية.

مراكز البيانات وحجم الطاقة المُستخدمة والمتوقعة في المستقبل

تحتاج مراكز البيانات إلى خوادم عملاقة تعمل على تأمين المعلومات الفورية للمستخدمين كما تعمل على تخزين وأرشفة كُل البيانات، الأنماط، التفاعلات، وسلوكيّات المستخدمين. تعمل هذه الخوادم بلا توقف وتتطلب آلية تبريد عالية لتفادى ارتفاع الحرارة والأعطال. عملية التشغيل كما عملية التبريد تتطلب طاقة كهرباء ثابتة وآمنة. لذلك مُعظم مراكز البيانات الحديثة يتم بناؤها مع محطات للغاز مُرافقة لأن محطات الكهرباء العادية لا تستطيع تلبية احتياجات الطاقة العالية لهذه المراكز.

استهلكت مراكز البيانات في الولايات المتحدة حوالي 4.4% من مجمل استهلاك الكهرباء خلال عام 2023 وتزايد هذا العدد حتى وصل إلى 6.7% خلال عام 2025 (تقرير مركز الطاقة المستخدمة لمراكز البيانات). تُشير دراسات مركز الطاقة والبحوث الأمريكية إلى احتمالية ارتفاع الاستهلاك ليصل إلى 12% خلال عام 2028.

تستهلك مراكز البيانات في الصين 3.7% من مجمل الاستهلاك العام للكهرباء. تُشير التوقعات الى أن استهلاك مراكز البيانات للطاقة سوف يرتفع مع حلول عام 2030 إلى 19% توافقاً مع مشروع الصين التنموي لبناء مراكز بيانات عملاقة (مركز دراسات البيانات الصيني). أما مُجمل استهلاك مراكز البيانات حول العالم للكهرباء نسبةً إلى حجم الاستهلاك العالمي للطاقة فيُقدر بحوالي 2~3 % مع احتمالية أن يصل الاستهلاك إلى 10% مع حلول عام 2030. لذلك، لم يعد الغاز مادة مُكملة في التبادل التجاري، بل أصبح مادة أساسية وإستراتيجية في الحرب الرقمية القائمة.

الصين تستورد والولايات المتحدة تُصَّدر

مع بداية عام 2017, أصبحت الولايات المتحدة المُصّدر الأول للغاز الطبيعي السائل لكل أنحاء العالم وذلك بفضل حقول الغاز الصخري وحوض بيرمان في ولاية Texas وNew Mexico. تُصدر الولايات المتحدة الغاز السائل عبر الناقلات البحرية، المُجَهزة بآلية تبريد عالي، إلى الهند، تركيا، دول أميركا الجنوبية، اليابان، معظم دول أوروبا، ومُعظم دول أفريقيا. مؤخراً أبرمت الولايات المتحدة صفقات توريد مع مصر والكويت والبحرين لشحن فائض الغاز من الإنتاج المحلي.  خلال عام 2024, صدّرت الولايات المتحدة ما يُعادل 8.9 تريليون قدم مُكعب tcf من الغاز الطبيعي إلى العالم، لذلك فهي تُغطي احتياجات مُعظم دول أوروبا وأفريقيا (إدارة معلومات الطاقة الأميركية).

يُغطي إنتاج الغاز الطبيعي المحلي في الصين حوالي 58% من إمداداتها الحيوية وما تبقى من احتياجاتها تستورده من استراليا، روسيا، قطر وسابقاً الولايات المتحدة.بينما يُنقل الغاز المُسال عبر ناقلات بحرية عملاقة من أستراليا وقطر إلى محطات الاستقبال في الموانئ على سواحل الصين الشرقية والجنوبية الشرقية. يُنقل الغاز الروسي إلى الصين عبر مسارين متوازيين: الأول عبر خطوط “قوة سيبيريا” وهي الأنابيب البرية العملاقة العابرة للحدود التي يُنقل عبرها الغاز الطبيعي من الحقول الروسية في مُقاطعة “ياكوتيا” ويمر بمحطات ضخ ضخمة على طول الطريق إلى الصين للحفاظ على عملية التدفق لمسافات طويلة. والمسار الثاني هو الشحن البحري عبر ناقلات الغاز البحرية العملاقة. أتمت الصين وروسيا في الأشهر الماضية مُحادثات حول شبكة “الشرق الأقصى” الروسية التي ستسمح بضخ الغاز عبر ممر مائي وبري مُترابط يبدأ من جزيرة “ساخالين” الروسية وينتهي في مدينة “هولين” الصينية. كما تسعى روسيا إلى استحداث أنابيب برية جديدة “قوة سيبيريا ٢” لضخ كميات أكبر إلى الصين.

بالإضافة إلى أنابيب النفط والغاز الروسية، تعتمد الصين بشكل متزايد على أنابيب الغاز القادمة من تركمنستان. تمر هذه الأنابيب العملاقة عبر أوزباكستان وكازاخستان وتضُخ ما يُقارب 40 بليون متر مُكعب سنوياً للصين. تُشكل خطوط النفط والغاز في تركمنستان حجر الزاوية في مشروع الحزام والطريق. ويدعم هذا الامتداد الجغرافي الذي يربط تركمنستان بالصين نهجها التوسعي ويفرض معادلة جديدة للوصول إلى حوض بلاد الشام في الشرق الأوسط.

خطة الحزام والطريق

تهدف الصين الى إعادة إحياء خط الحرير التجاري وتمكينه من الوصول إلى الشرق الأوسط وأوراسيا وأفريقيا، وفي الوقت نفسه توفير مصادر طاقة مستقرة لتلبية احتياجات الغاز والنفط المتزايدة. ووفقا للإدارة الوطنية للطاقة، ستصل آبار النفط والغاز في الصين إلى ذروتها بين عامي 2035 و2040، وبعد ذلك سيبدأ الإنتاج في الانخفاض. ومن شأن هذا الواقع المتصور أن يساهم في خلق أزمة اقتصادية حقيقية، خاصة في قطاعات الإنتاج والنقل والصناعة.

تدرك الصين أهمية الغاز الطبيعي والحاجة إلى إبقاء هذا المورد النادر متاحا بسهولة. وبذلك تقوم ببناء ممر بري يربطها بروسيا ودول آسيا الوسطى (تركمنستان وكازاخستان…) والشرق الأوسط (قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة…) عبر خطوط أنابيب النفط والغاز.

ويشمل المشروع أيضًا الممر البحري على طول بحر الصين الغربي والمحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، والذي تأمل الصين في توسيع سيطرتها عليه للوصول إلى أفريقيا وأوروبا وبالتالي ضمان سلاسل التوريد للغاز المتوسطي الوفير. وبذلك، تستطيع الصين ضمان 60% من إجمالي النفط والغاز في العالم (دول غرب آسيا مع روسيا). تمكنت الصين من توقيع اتفاقيات غير ملزمة مع 149 دولة، بما في ذلك دول من أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، والتي انضمت جميعها إلى مشروع الحزام والطريق.

غاز شرق البحر الأبيض المتوسط – حوض بلاد الشام

لقد جذب غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، أو ما يسميه الجيولوجيون “حوض بلاد الشام”، اهتماما عالميا، وخاصة من الصين، في أعقاب ظهور أدلة جيولوجية وجيوفيزيائية تشير إلى وجود صدوع طبيعية تشكلت على مدى آلاف السنين وتحتوي على الغاز الطبيعي. وتشير تقارير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن منطقة حوض بلاد الشام تغطي مساحة تبلغ نحو 83 ألف كيلومتر مربع (كم2) وتشمل منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وصدع طرطوس (الذي يشمل اللاذقية وبانياس)، وفلسطين (ساحل غزة)، ودلتا النيل، وجبل إراتوستينس، وشواطئ إسرائيل. تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن حوض بلاد الشام يحتوي على حوالي 122 تريليون قدم مربع (tcf) من الغاز الطبيعي ولديه القدرة على إنتاج 1.7 مليار برميل من النفط (SEG).

تم اكتشاف وتطوير بعض آبار الغاز الطبيعي في إسرائيل (حقول كاريش وليفياثان)، ومصر (حقل الزُهر)، وقبرص (أفروديت، وكرونوس، وكاليبسو، وجلوكوس – قيد التطوير)، ولكن العديد من الآبار في حوض بلاد الشام لا تزال غير مستكشفة.

تتطلب عمليات التسييل والتبخير اللازمة لاستيراد وتصدير الغاز موانئ مجهزة ومختبرات حرارية حديثة. لا يزال تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط جاريا، وتتسابق شركات النفط العالمية للتوصل إلى اتفاقيات بشأن هذه البنى التحتية والآبار.

ابتداءً من عام ٢٠٢٥، بدأت مصر بتصدير الغاز الطبيعي المسال. وتستخدم إسرائيل البنية التحتية المصرية لتصدير إنتاجها من الغاز، الذي يُعتبر مهمًا في المنطقة. ويتم نقل الغاز الإسرائيلي عبر خطوط الأنابيب إلى مصر، ثم يتم شحنه إلى الدول الأوروبية. ويقدر حجم الغاز الإسرائيلي المكتشف بنحو 34 تريليون متر مكعب، وتتقاسم إسرائيل جزءا منه مع لبنان. تعاقدت قبرص مع شركة شيفرون الأمريكية وشركة إيني الإيطالية لتشغيل حقلي كرونوس وأفروديت، اللذين من المتوقع أن يحولا قبرص إلى مركز غاز إقليمي مهم في المستقبل. ومن المرجح أيضًا أن يدعم حقلا كاليبسو وجلوكوس هذا الاقتراح بقوة، نظرًا لكميات الغاز المتوقعة.

لا يزال الغاز البحري اللبناني غير مستكشف بشكل كاف بسبب الافتقار إلى البنية التحتية اللازمة لإنتاج وتصدير الغاز. إن ترسيم الحدود مع إسرائيل وتخفيف التوترات الجيوسياسية القائمة بين البلدين قد يمنح لبنان حرية أكبر في التعاقد مع شركات النفط. ولا يختلف الغاز البحري في غزة في حالته عن حقول الغاز في لبنان. إن الحروب المستمرة والصراعات الدائمة تمنع أي خطط لاستكشاف هذه الاحواض أو الاستثمار فيها.

سوريا، الدولة المُتصارع عليها

يُعتبر صدع طرطوس في سوريا الأكبر على الإطلاق. تُشير بعض الدراسات الأُولية إلى وجود ما يُقارب 80 تريليون متر مُكعب من الغاز الطبيعي الذي تتشارك قسم منه مع لبنان. ولكن USGS لم تعتمد هذا الرقم وأشارت الى أن هذه الدراسات قد تكون غير دقيقة. ولكنها أكدت بأن الساحل السوري يُعتبر أهم الإمدادات غير المُطورة في حوض بلاد الشام.

يعتبر صدع طرطوس الهدف الأول للصين، وهو ما تأمل حليفتها روسيا الاستثمار فيه، خاصة بعد عقد الاستثمار الذي وقعته شركة “سويوزنفتيغاز” الروسية مع الحكومة السورية السابقة، والذي يتطلب الاستثمار في الغاز الطبيعي في المياه الإقليمية لمدة 25 عاما.

وقد تناولت العديد من الدراسات الأكاديمية قضية غاز حوض بلاد الشام، وركزت جميعها على بوتقة واحدة: “الغاز هو أحد أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور الصراعات في الشرق الأوسط وهو الدافع الحقيقي وراء تحالفات تركيا وإسرائيل وقطر والولايات المتحدة للإطاحة بنظام الأسد” (Hüsnü Mahalli 2012, William Engdahl 2012) وخاصةً بعد معاهدة الغاز مع إيران والعراق.

في يوليو/تموز 2011، وقعت حكومات سوريا وإيران والعراق اتفاقية غاز تاريخية لتمديد خطوط أنابيب الغاز من الجزء الجنوبي من حقل بارس في إيران، مروراً بالعراق وسوريا، ثم إلى الموانئ اللبنانية، حيث سيتم شحن الغاز منها إلى الدول الأوروبية. وقد ساعدت قطر، التي تتقاسم حقل بارس للغاز مع إيران، والتي شعرت بتهديد المنافسة التجارية في الأسواق الأوروبية، خاصة بعد الاكتشافات في حوض بلاد الشام، بشكل غير مباشر في إحباط هذا الاتفاق من خلال زعزعة استقرار السلام في سوريا وتغيير الجغرافيا السياسية لسوق الغاز العالمية.

الاضطرابات السياسية وموجة الربيع العربي التي شهدتها المنطقة، إلى جانب توجه قطري اسرائيلي للتحكم في أسواق الغاز الأوروبية كانت العوامل التي أدت إلى دخول روسيا (بشكل مباشر) والصين (بشكل غير مباشر) في الصراع القائم وبسط نفوذ سياسي على سوريا من أجل الاستيلاء على الغاز.

وفي عام 2011، فرضت الولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، حواجز قانونية كبيرة حدت من الاستثمار المباشر وغير المباشر في أصول الطاقة السورية. وأثرت هذه العقوبات على كافة أشكال الاستثمار غير المباشر، بما في ذلك تقديم الخدمات الفنية، والتسهيلات المالية، والمعدات الأولية. وساهم هذا النهج في فرض العقوبات في تراجع الحماس بين شركات النفط والغاز وانخفاض الاستثمار في الموانئ السورية، باستثناء روسيا التي سيطرت على المنطقة الساحلية وأبرمت اتفاقيات بشأنها.

في عام 2015، قررت شركة “سويزنفتغاز” بالتعاون مع الشركة الإيطالية “إيني” نشر منصات حفر بحرية قبالة الساحل السوري، لكن تركيا أرسلت سفنها الحربية لوقف العمليات ومنع الشركات من إكمال عملها. وتصاعدت الحرب في سوريا، مما أدى إلى انهيار العديد من البنى التحتية لخطوط أنابيب النفط والغاز وتوقف مشاريع الاستكشاف. في عام 2019، وقعت إسرائيل ومصر واليونان وقبرص اتفاقية لترسيم الحدود البحرية وتمكين كل دولة من بدء عمليات المسح والحفر، بينما ظلت الحدود التركية والسورية واللبنانية غير مرّسمة وبدون أي اتفاق.

بعد التنقيب عن حوض ليفياثان العملاق واستكشاف المخزون الهائل من الغاز، أصبحت اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة أكثر إصراراً على عدم السماح لروسيا او الصين في الوصول إلى غاز شرق المتوسط. النتيجة كانت توترات دائمة في المنطقة وضغوطات سياسية أدت إلى عدم تمكن لبنان وسوريا من التعاقد مع أي من شركات النفط العالمية بالرغم من أن التوقعات الجيولوجية والمسح الزلزالي تُثبت وجود الغاز في هذه الصدوع وخاصةً مع وجود الاكتشافات الإقليمية في المياه المجاورة (إسرائيل وقبرص) ووحدة البنية الصخرية التي تنتمي الى ذات العصر الميسيني.

ظلت المساحة البحرية السورية خارج دورة الاستثمار العالمي في الطاقة عقدين من الزمن بسبب الصراعات الإقليمية، العقوبات الدولية، الحروب العنيفة، والانهيار المؤسساتي في سوريا. لكن هذه الديناميكية تغيرت في الآونة الأخيرة، وقد تتغير الجغرافيا السياسية الإقليمية للطاقة إذا أوفت الحكومة الانتقالية السورية الحالية بالتزاماتها.

عقود الغاز السوري الحديثة

في مايو 2026، وقعت شركة قطر للطاقة وتوتال إنرجايزر وكونوكو فيليبس اتفاقية مع شركة البترول السورية للتقييم الفني والتجاري والاستكشاف البحري للكتل الواقعة على طول الحدود البحرية السورية. وجاءت هذه الاتفاقية في أعقاب مذكرة تفاهم في فبراير/شباط 2026 بين شركة شيفرون الدولية وشركة باور إنترناشيونال القابضة من جهة، وشركة البترول السورية من جهة أخرى. وتنص الاتفاقية على أن شركة شيفرون مستعدة لتطوير كتلة بحرية محددة والبدء في التنفيذ على الفور، وهو ما من شأنه تسريع عمليات استخراج الغاز وتأمين الإيرادات.

ولكن ما مدى فعالية هذه المعاهدات، وهل ستتمكن هذه الشركات من البدء في تنفيذها؟

العقبات التي تواجه الشركات النفطية الأجنبية

تسعى شركة البترول السورية إلى تثبيت مذكرات التفاهم مع الشركاء الدوليين من اجل اجراء الدراسات اللازمة ووضع خطط عمل للتقييم والاستكشاف والحفر، ولكن هناك عوائق كثيرة تحد من طموح شركة البترول السورية وتُؤخر مساعيها.

1- العقوبات الدولية: استفادت الحكومة الانتقالية الحالية من تخفيف وإزالة بعض العقوبات الدولية، لكن سوريا لا تزال تعاني من تصنيفها الدولي كـ “دولة راعية للإرهاب” بسبب دعمها للجماعات الإرهابية العابرة للحدود. بعد تولي الحكومة الانتقالية السلطة في سوريا، ساعد الرئيس دونالد ترامب في رفع برنامج العقوبات المفروض على سوريا وساهم في إزالة أسم أحمد الشرع وأسعد الشيباني، وكذلك القادة العسكريين من جبهة النصرة وتنظيم داعش، من قوائم الإرهابيين. لكن الملف المتعلق بإزالة سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب لم يتم البت فيه بعد. ويتطلب القرار تشريعا فيدرالياً، وعملية إدارية معقدة، ومراقبة دورية لسوريا للتأكد من أنها لا تدعم أي كيان إرهابي. ويشكل هذا التصنيف أخطار قانونية تثني البنوك والشركات ومؤسسات الاستثمار التنموي الدولية من التعامل مع سوريا.

2- الحرب السورية: أثرت الحرب السورية بشكل كبير على استيراد وتصدير الغاز الطبيعي في سوريا وساهمت في خروج العديد من خطوط النفط والغاز عن الخدمة.  هذا بالإضافة إلى الموانئ التي تحتاج أولاً إلى الصيانة والتأهيل، وسيتم بعد ذلك تجهيزها بمختبرات حرارية لتحويل الغاز إلى سائل. ومن المرجح أن يتم نقل الغاز السائل إما عن طريق ناقلات الغاز البحرية أو عبر خطوط الأنابيب البحرية التي من المرجح أن يتم بناؤها لنقل الغاز المسال إلى قبرص ثم أوروبا. كل هذا يتطلب رأس مال ومستثمرين كبيرين

3- ترسيم الحدود البحرية: تتقاسم سوريا حقول الغاز الطبيعي مع لبنان من الجنوب ومع تركيا من الشمال. إن ترسيم الحدود مع هذه الدول أمر معقد ويتطلب اتفاقيات دولية والتزامات قانونية بموجب المعاهدات البحرية للأمم المتحدة. وتعمل تركيا على ترسيم الحدود البحرية مع سوريا منذ سيطرة الحكومة الانتقالية على البلاد. إلا أن هذه الحكومة لا تستوفي كافة المتطلبات الدستورية والتشريعية التي تمكنها من إبرام الاتفاقيات والمعاهدات السيادية الكبرى دون الاعتراف الدولي الكامل والغطاء الدستوري والقانوني المحلي. إن فشل الحكومة الانتقالية الحالية في إظهار الشرعية الدستورية الداخلية والخارجية الكاملة يقوّض جميع المعاهدات المبرمة خلال فترة وجودها في البلاد، وتعتبر المعاهدات التي توقعها غير ملزمة.

4– اليد العاملة المتخصصة: عمليات المسح الجيولوجي وعمليات الحفر والتنقيب تستلزم يد عاملة مُتخصصة. ساهمت الحرب السورية خلال العقد الماضي في هُجرة الاختصاصيين في مجال البترول والغاز إلى الدول المجاورة كالإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت. تسهيل عملية عودة اليد العاملة المتخصصة قد يتطلب تأمين بيئة آمنة واقتصاد مستقر. ايضاً تأمين يد عاملة متخصصة اجنبية سوف يتطلب رؤوس أموال إضافية.

5- البنية التحتية التشغيلية: يتطلب استخراج الغاز خطة تشغيلية مدعومة ببنية تحتية فعالة ومجهزة تجهيزاً جيداً وقادرة على استيعاب كميات كبيرة من الغاز. كما أنها قادرة على تغيير طبيعة الغاز وشحنه. ويتضمن المشروع خطوط أنابيب معتمدة، ومعاملات حرارية، ومعدات تشغيل، وأسطول شحن، وورش أنابيب في البحر الأبيض المتوسط، ومباني مجهزة لإدارة العمليات. ويتطلب تأمين هذه البنية التحتية مستثمرين ووكلاء على استعداد للاستثمار في سوريا. وبما أن البلاد لا تزال تعاني من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وأن اتجاهاتها المستقبلية محاطة بعدم اليقين، فإن عودة المستثمرين قد لا تكون مؤكدة، على الأقل ليس في الوقت الحاضر.

6- رأس المال: إن جلب رأس المال إلى بلد يفتقر إلى الاستقرار والأمن والتعايش السلمي بين المواطنين سيشكل عقبة رئيسية أمام الحكومة الجديدة. ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة الانتقالية الحالية لتأمين الدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية المجاورة، فإنها لم تتمكن من تعزيز ثقة الدول النشطة أو حتى تأمين ثقة صندوق النقد الدولي في جذب رأس المال أو الاستثمار الفعال والقيم.

7- الإسلام السياسي المتطرف: يُنظر إلى الحكومة الانتقالية الحالية على أنها امتداد للجماعات الإرهابية المتطرفة (جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام). وعلى الرغم من الأساليب والسلوكيات والتصريحات الإعلامية المعاد تدويرها، وعلى الرغم من الاعتراف الدولي المشروط، تظل هذه المجموعات تحت المراقبة الدولية ويتم إدراجها في برامج الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني التي تشرف عليها المنظمات الدولية.

8 الأمن والاستقرار: ما زالت سوريا تعاني من عدم الاستقرار وانعدام الأمان الاجتماعي. أضف الى ذلك التشرذم المجتمعي القائم على النعرات الطائفية والانقسامات. شهدت البلاد خلال العام الفائت مجزرتين مروعتين بحق أقليات دينية وعرقية (مجزرة بحق العلويين – اذار 2025 ومجزرة بحق الدروز ـ تموز 2025) هذا إلى جانب الاعتداءات الفردية المتكررة وحالات الخطف المستمرة.

مما لا شك فيه بأن النزاعات السياسية، النظام الإسلامي المتطرف، وجود داعش في سوريا، عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني، التصنيفات الدولية وتأمين رؤوس الأموال اللازمة سوف تُؤثر على عمليات استخراج وتصدير الغاز بالإضافة إلى عمليات القرصنة والأطماع السياسية والمحسوبيات والفوضى الأمنية التي تُعاني منها سوريا لعقود. إلا أن حجم الغاز الذي من المتوقع أن يُستخرج قد يكون كفيلاً بحث الدول المتنازعة على إيجاد حلول عملية لهذه العقبات.

حوض بلاد الشام – الصراع الرقمي

تواجه الصين صعوبة في إبقاء خطوط أنابيب الغاز الطبيعي مفتوحة عبر قنوات متعددة لتجنب الاحتكار وتنويع مصادر الاستيراد. مع تزايد حاجة الصين إلى الغاز الطبيعي لتشغيل مراكز البيانات والحاجة إلى ممر وموطئ قدم في آسيا يمكّنها من الانفتاح على أوروبا كسوق تجارية مهمة، زادت الحاجة الى تعزيز العلاقات مع دول وسط وغرب آسيا وتوسيع العلاقات التجارية والاقتصادية معها. تامل الصين ان تستخدم هذه الدول أيضًا كممر لخطوط أنابيب الغاز التي من المحتمل سحبها من الشرق الأوسط عبر إيران وأوزبكستان.

بينما تسعى الصين إلى الوصول إلى الغاز في حوض البحر الأبيض المتوسط بكل الطرق، تسعى الولايات المتحدة إلى عرقلة خطط الصين والحد من قدرتها على الوصول إلى هذا الغاز.

تنظر الصين إلى هذا الغاز باعتباره احتياطيًا استراتيجيًا يساعد في تلبية القدرة المتزايدة لمراكز البيانات، في حين تنظر الولايات المتحدة إلى هذا الغاز باعتباره عاملًا استراتيجيًا يمكن استخدامه لتقليل عدد مراكز البيانات التي يمكن للصين بناؤها وعرقلة وصول الصين إلى البيانات.

تسعى الصين إلى اعتماد خطة الحزام والطريق للحصول على ممر تجاري ونفطي يصلها بسوريا التي بدورها سوف تكون نقطة استيراد وتصدير مركزية وواجهة تجارية تُشرف على أوروبا. يوافق سعي الولايات المتحدة الصين في تحويل سوريا إلى نقطة محورية، ولكن لتستعملها هي كنقطة عبور للغاز والنفط والتقليل من الاعتماد على مضيق هُرمُز.

إلى جانب الصراع الاميركي الصيني في المنطقة، هُناك ايضاً مشروع إسرائيل التوسعي الذي أصبح ذات أهمية مُضاعفة بسبب الغاز. الاستحواذ على آبار الغاز الطبيعي على شواطئ سوريا، غزة ولبنان سوف يُؤمن لإسرائيل دور محوري هام جداً في تصدير الغاز إلى أوروبا. قطر ايضاً تأمل في أن تكون الراعية الرسمية لغاز سوريا وخاصة بعد المعاهدة الأخيرة مع شركة البترول السورية. طموح قطر يتعدى آليات التصدير والمُنافسة ليشمل مراكز البيانات التي بدأت بتنفيذها على أراضيها بالتعاقُد مع الولايات المتحدة ومن المُحتمل أن تتزايد أعداد هذه المراكز مما يستلزم استهلاك طاقة أعلى.

الصراع القائم في بلاد الشام ليس فقط صراعاً سياسياً، او حرباً على ممر تجاري بدافع اقتصادي، بل هو حرب تكنولوجية رقمية أبطالها الصين، روسيا، قطر، والولايات المتحدة.  من يسيطر على هذا الغاز سوف يتحكم بالجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي.

واخيراً، في عالم تتحكم به الطاقة بالبيانات وتتحكم البيانات بالقوة السياسية والنفوذ العالمي، يبرُز الغاز الطبيعي كأداة تحكُّم عالمي من شأنه ان يُشعل حروب ويُغير خرائط بلدان كثيرة. أما بالنسبة لغاز حوض المتوسط فإن القصة لم تبدأ بعد. من يمتلك مُستقبل حوض بلاد الشام سوف يمارس السلطة والنفوذ وسوف يتحكم في سلاسل توريد الغاز إلى كل من أوروبا والصين.

تعريف بالكاتبة: 

.د. نسرين مستو اسعد حاصلة على دكتوراه في إدارة اعمال هي باحثة متخصصة في أبحاث الحكومة الإلكترونية والملفات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي التوليدي (تطبيقات ChatGPT). يركز عملها على النوايا السلوكية لدافعي الضرائب لاستخدام الحكومة الإلكترونية، ونظام الملفات الإلكتروني، واعتماد أدوات المحادثة بالذكاء الاصطناعي عند تعبئة الملفات الضريبية. وتركز حاليًا على التقاطع بين التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على التفوق العالمي.