كشفت بيانات توصل إليها وحلّلها ” الموقع عن خريطة مراكز ومناطق الخدمات السحابية Data Center في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن دول المنطقة تعتمد بشكل كبير على الشركات الأمريكية في الخدمات السحابية؛ إذ تُظهر البيانات وجود نحو 31 مركزاً أمريكياً معظمها في دول الخليج، فيما بلغ عدد المراكز التي تملكها شركات صينية نحو 7.
وعلى مستوى العينة محل التحليل (22 دولة/89 مركزاً سحابياً)، تستحوذ الشركات الأمريكية على نحو 35% من التواجدات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلى مستوى دول الخليج، فإن أكثر من 53٪ من البنية السحابية المرصودة هناك هي أمريكية. فيما تبدو إيران في حالة استثنائية بين جميع دول المنطقة، حيث تعتمد بالكامل على منظومة سحابية محلية بنسبة 100٪.
الخريطة التفاعلية لمراكز الخدمات السحابية في المنطقة
89 مركزاً ومنطقة خدمات سحابية في 22 دولة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. اضغط على أي نقطة لعرض تفاصيل المركز والشركة المشغّلة وجنسيتها وسنة الإطلاق. استخدم عوامل التصفية للتركيز على جنسية محددة أو ابحث عن مركز أو دولة بعينها.

مراكز الخدمات السحابية.. لأي درجة تعتمد دول المنطقة على الشركات الأمريكية، وما أهمية ذلك؟
خلال سنوات قليلة تحولت مراكز الخدمات السحابية من “خيار تقني” لتقليل كلفة الخوادم إلى بنية تحتية حرِجة للدولة والاقتصاد: بوابات الحكومة الإلكترونية، أنظمة الدفع والبنوك، منصات الصحة والتعليم، وتشغيل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وغيرها. لكن حرب إيران الأخيرة (2026) أظهرت وجهاً جديداً: السحابة نفسها قد تُستهدف بشكل مباشر ومادي، كما حدث في ضربات طائرات مسيّرة إيرانية ألحقت أضراراً بمراكز Data Center للخدمات السحابية تابعة لشركة أمازون AWS في الإمارات والبحرين وأدت إلى اضطرابات وتعطيل خدمات. وهو ما كشف مدى ضعف هذا القطاع الذي تصل قيمته العالمية نحو تريليون دولار، أمام الهجمات البشرية أو الكوارث الطبيعية، وكشف كذلك مدى اعتماد دول المنطقة على الشركات الأمريكية التي تقدم خدمات سحابية.
لكن لا تتوقف دلالة الشركات الأمريكية والأجنبية عند المنافسة التقنية أو جودة الخدمات، بل تمتد إلى السيادة الرقمية وأسئلة السيطرة على البيانات لهذه الدول وقطاعاتها المختلفة الحساسة، فالشركات الأمريكية تخضع لقوانين أمريكية تنظّم الوصول القانوني للبيانات مثل CLOUD Act، ما يطرح أسئلة حول حدود الطلبات القضائية للبيانات حتى عندما تكون مخزّنة خارج الولايات المتحدة.


كما يتقاطع هذا الاعتماد مع سياق جمع المعلومات الاستخبارية العابرة للحدود ضمن أطر مثل قانون FISA Section 702 (قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية 702) كما تقدّمه الجهات الحكومية الأمريكية. وفي الوقت نفسه، يحذّر خبراء تواصل معهم “عربي بوست” من مخاطر حصر العقود لدى مزوّدي الخدمات السحابية الأمريكية، وأثر “الولاية القضائية الأجنبية” على الخصوصية والأمن. وبين هاجس السيادة وحاجة السوق إلى بنية جاهزة، تتصاعد أهمية سياسات توطين البيانات وحدود تدفقها عبر الحدود، كما تناقشها تقارير دولية مثل OECD.
تقول ابتهال أبو السعد، المبرمجة والموظفة السابقة في شركة مايكروسوفت لـ”عربي بوست” بأنه بناء على قوانين مثل “FISA Section 702″ و”CLOUD Act” يوجد مخاطر قانونية من ناحية التجسس على هذه الدول أو مواطنيها أو حتى مواطنين أمريكيين أو مقيمين بأمريكا يتعاملون مع أشخاص أو هيئات في هذه الدول التي تحتوي على مراكز بيانات تابعة لشركات أمريكية يتم تخزين عليها كل بيانات هذه الدول ومواطنيها.
ولفهم أبعاد هذه الخطورة، يجب النظر أولاً في القوانين الفيدرالية الأمريكية مثل “FISA Section 702″ و”قانون السحابة” (CLOUD Act)، والذي يُعنى بتنظيم وصول السلطات الأمريكية إلى البيانات المخزنة في خوادم الشركات التكنولوجية داخل وخارج الولايات المتحدة. ورغم أن “قانون السحابة” يمنح واشنطن صلاحيات واسعة للاطلاع على البيانات المخزنة في مراكز البيانات (Data Centers) – وهي البنية التحتية الضخمة التي تستخدمها الشركات لتخزين ومعالجة المعلومات – إلا أنه في بعض الأحيان، وتحت هذا القانون، قد تضطر السلطات الأمريكية إلى إخطار حكومة الدولة المعنية بوجود مسوغ قانوني يجبرها على الوصول إلى تلك البيانات.
وتضرب أبو السعد مثالاً على ذلك، بأنه إذا حدث في المستقبل نزاع بين دولة خليجية ما والولايات المتحدة، فيمكن للأخيرة فرض عقوبات – مثل العقوبات المفروضة على إيران – على هذه الدولة ومواطنيها وفرض عقوبات على شخصيات ما بناء على ما وصلت إليه من بيانات، كما بإمكان الحكومة الأمريكية معاقبة أو استهداف أي مواطن أمريكي يتعامل مالياً مع هذه الدولة أو قام بإرسال حوالات مالية لأشخاص في هناك.
وتقول أبو السعد إنه إذا حدث نزاع بين هذه الدولة وواشنطن، فيمكن للأخيرة قطع خدماتها في تخزين البيانات عن هذه الدولة وإيجاد تبريرات لذلك، وهو ما يعني انقطاع للخدمات لفترات طويلة، وربما كلفة ضخمة ووقت طويل في نقل البيانات على سبيل المثال لمراكز سحابية أخرى محلية حتى لا تتوقف الخدمات أو تنهار، وهذا يخص كل شيء بما فيه الخدمات المالية والمصرفية.
اختراق صامت وسرية تامة: كيف تهدد “خطابات الأمن القومي” الأمريكية السيادة الرقمية للدول؟
في سياق المخاطر الأمنية المرتبطة باعتماد الدول على مراكز البيانات الأمريكية، تبرز أيضاً نقطة تُعد الأهم والأكثر خطورة بحسب ابتهال أبو السعد، وتتمثل في الأداة القانونية والاستخباراتية الأمريكية المعروفة بـ”خطابات الأمن القومي” (National Security Letters – NSL).
وتُعد هذه الخطابات بمثابة أوامر استدعاء إدارية سرية تُصدرها وكالات الاستخبارات والأمن الفيدرالية الأمريكية. وبموجب هذه الخطابات، تملك السلطات الأمريكية القدرة على إجبار شركات التقنية الكبرى على تسليم بيانات حساسة تتعلق بمواطنين أو دول، حيث تستطيع واشنطن إجبار شركة “أمازون” على سبيل المثال، على فتح سجلات بيانات تعود لمستخدمين في السعودية أو قطر أو البحرين أو غيرها، مع “فرض حظر إفشاء صارم يمنع الشركة التقنية من إخطار الحكومة البحرينية أو الأفراد المستهدفين بوقوع هذا الاطلاع. وتضمن هذه الآلية تحقيق مراقبة وتجسس بسرية مطلقة وجدية قصوى”.
“خطابات الأمن القومي تلغي أي التزام بالشفافية أو الإخطار المسبق عند الوصول لأي بيانات.. تعمل كغطاء يضمن عدم تسرب أي معلومة عن عمليات المراقبة والتجسس”.
— ابتهال أبو السعد، مبرمجة وموظفة سابقة في مايكروسوفت
بمعنى أن هذه الخطابات NSLs تلغي أي التزام بالشفافية أو الإخطار المسبق عند الوصول لأي بيانات. فبينما قد يترك “قانون السحابة” مساحة ضئيلة لعلم الحكومات الأجنبية بأن بيانات مواطنيها تُفحص، فإن “خطابات الأمن القومي” تعمل كغطاء يضمن عدم تسرب أي معلومة عن عمليات المراقبة والتجسس هذه. وهذا ما يجعل تسليط الضوء على هذه الثغرة القانونية أمراً بالغ الأهمية عند تقييم المخاطر السيادية لاعتماد الحكومات في المنطقة على البنى التحتية السحابية الأجنبية.
من جانبها تشرح وزارة العدل الأمريكية أن CLOUD Act أتاح اتفاقيات تنفيذية ثنائية لتسهيل الوصول للبيانات في قضايا “جرائم خطيرة” ضمن ضوابط حماية حقوقية. وفي المقابل، مزوّدون مثل AWS يطرحون تفسيراً دفاعياً حول نقطة الخصوصية، إذ تقول شركة أمازون إنه “لا يوجد وصول تلقائي للبيانات”، وتذكر أنه لم يُفصح عن محتوى عملاء حكوميين/مؤسساتيين مخزن خارج أمريكا للحكومة الأمريكية (وفق صفحة الامتثال الخاصة به)، مع الإشارة إلى وجود “طبقات حماية تقنية وقانونية” من وجهة نظر الشركة.
تحليل البيانات.. ماذا تقول هذه الجداول؟
- نحو 35٪ من مراكز الخدمات السحابية في المنطقة تابعة لشركات أمريكية بإجمالي 31 مركزاً، فيما بلغت نسبة المراكز الصينية نحو 8٪ بإجمالي 7 مراكز. أما إيران فتعتمد على شركات محلية عددها 4 بنسبة 100٪. فيما تعتمد دول المنطقة في الخدمات السحابية على شركات محلية أو متعددة الجنسيات مختلفة بنسبة 42٪.
- دول الخليج العربي تعتمد بنسبة 53٪ على شركات أمريكية في الخدمات السحابية ونحو 12٪ على شركات صينية، وإجمالاً، فإن جميع دول الخليج لديها حضور سحابي أمريكي.
- تعتمد دولة الاحتلال الإسرائيلية بنسبة 100٪ على المزودين الأمريكيين مثل مايكروسوفت وجوجل وأمازون وأوراكل.
- إيران: المنظومة محلية عملياً في توطين الخدمات السحابية. حيث أثبت البحث بشكل واضح أن الدولة الإيرانية بنت خلال سنوات “بنية تحتية” تُبقي الخدمات الحيوية داخل البلاد عند قطع الاتصال بالخارج (شبكة المعلومات الوطنية NIN)، ما يعني أن العمود الفقري للخدمات السيادية مُصمَّم ليعمل محلياً من خلال شركات مثل Arvancloud التي تتعرض لعقوبات أمريكية.
- أكثر من نصف التواجدات السحابية في المنطقة (51%) تم إطلاقها بعد عام 2020 بواقع 46 مركزًا من أصل 89.
توزيع المراكز بحسب جنسية الشركة
الشركات الأعلى حصة من المراكز
عدد المراكز في كل دولة
توزيع المراكز بحسب القطاعات
عدد مراكز البيانات في كل دولة وتوزيعها بحسب الجنسية
ركز التحقيق على دراسة جميع مراكز الخدمات السحابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بتصنيفاتها الثلاث من حيث الحجم والقدرة على تقديم الخدمات:
- سحابة كبرى / هايبرسكيل (Hyperscaler).
- سحابة محلية / مركز بيانات محلي.
- نقطة تسريع وربط سحابي.
جميع مراكز Hyperscaler تديرها شركات عالمية مثل AWS وAzure وGoogle وOracle ومعظمها يتواجد في دول الخليج و”إسرائيل”. فيما تخزن دول أخرى بياناتها ضمن مراكز بيانات حكومية محلية أو مراكز شركات اتصالات محلية، والتي تأتي ضمن الطبقة الثانية والثالثة من التصنيفات.
وتشير مؤسسات دولية مثل “البنك الدولي” إلى أن استثمارات مراكز “الهايبرسكيل” – المُصممة لأحمال معالجة وتخزين هائلة وقابلة للتوسع بشكل كبير – في دولة ما، تشترط عدة أمور أبرزها: طلب سوقي كبير، وكهرباء مستقرة ورخيصة نسبياً وأنظمة تبريد كبيرة، واتصال دولي عالي الاعتمادية بالألياف والكابلات البحرية، إضافة إلى استقرار سياسي وأمني وبيئة أعمال تسمح باسترداد استثمار ضخم، وأطر تنظيمية واضحة تبني الثقة في الخدمات السحابية. وفي حالات النزاع أو وجود العقوبات – كما في سوريا واليمن – تزداد العوائق بسبب قيود الامتثال وتضرر البنية التحتية.
ما هي مراكز الخدمات السحابية؟
خدمات الحوسبة السحابية هي نموذج يتيح وصولاً “عند الطلب” إلى موارد حوسبة مشتركة (شبكات، خوادم، تخزين، تطبيقات وخدمات) يمكن توفيرها وتحريرها سريعاً مع حد أدنى من الجهد الإداري. وعملياً، تقوم “السحابة” على مراكز بيانات (Data Centers) مُجمّعة ضمن:
- مناطق/أقاليم سحابية (Regions): نطاق جغرافي داخل دولة/مدينة غالباً.
- مناطق توافر (Availability Zones): عدة مواقع/مراكز بيانات منفصلة داخل الإقليم، تُصمم لتقليل نقطة الفشل الواحدة، مع فصل في الطاقة والتبريد والأمن الفيزيائي وربط شبكي منخفض الكمون.
وهناك طبقات من الخدمات السحابية أو نماذج تقديم الخدمة (IaaS/PaaS/SaaS) ونماذج النشر والاستخدام (عام/خاص/هجين/مجتمعي)، وهي جزئية مهمة لفهم وتقييم المخاطر والسيادة على مراكز الخدمات السحابية في الدول التي تحتضنها.
بماذا توظفها الدول والحكومات؟
الدول تستخدم مراكز الخدمات السحابية عادة لثلاثة أهداف كبرى:
- تحديث الخدمات العامة (Digital Government): نقل الخدمات إلى منصات مرنة قابلة للتوسع، مثل البوابات الحكومية، الهوية الرقمية، الجمارك والضرائب، وخدمات البلديات، مع تحسين سرعة الإطلاق واستمرارية الخدمة.
- تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي: توفر المراكز السحابية قدرة على حوسبة وتخزين ضخمة لتشغيل تحليلات البيانات لدى الدول والحكومات، التعلم الآلي، وأحمال الذكاء الاصطناعي التي تحتاج أجهزة متخصصة وضخمة. وعلى سبيل المثال، هذا أحد أسباب سباق مراكز البيانات والـAI على التواجد في الخليج وتقديم الخدمات فيها.
- المرونة واستمرارية الأعمال (BC/DR): تشغيل النسخ الاحتياطية والحفاظ على ديمومتها والتعافي من الكوارث وتوزيع الخدمات للبنى التحتية (للقطاعين الخاص والعام) عبر أكثر من موقع، وهو منطق تصميم مناطق التوافر داخل الإقليم، أو عبر أقاليم متعددة حين تسمح القوانين.
ما نوع البيانات التي تُخزن في مراكز الخدمات السحابية عادة؟
يتوقف نوع استخدام الخدمات السحابية على سياسة كل دولة وتصنيفها للبيانات، لكن أكثر الأنماط شيوعاً في القطاع العام تشمل:
- بيانات الهوية والسجل المدني: بيانات شخصية، وثائق، سجلات إقامة.
- البيانات المالية العامة: الضرائب والجمارك والمشتريات الحكومية.
- الخدمات الصحية والتعليمية: ملفات المرضى، أنظمة المواعيد، منصات التعليم.
- البيانات التشغيلية للمدن والبنية التحتية: إنترنت الأشياء، الاستشعار، المرور، الطاقة/المياه.
- بيانات الجهات الأمنية والقضائية وحتى العسكرية: غالباً تُقيّد بشدة وتُعزل أو تُبنى لها بيئات خاصة/سيادية حسب حساسية التصنيف.
تظهر هنا أهمية نماذج النشر (سحابة خاصة/هجينة): كثير من الحكومات تميل إلى الهجين: جزء على سحابة عامة لأحمال أقل حساسية، وجزء على سحابة خاصة/سيادية للأعلى حساسية. كما تؤكد إرشادات الأمن السيبراني (مثل NCSC البريطاني) أن الاستخدام الآمن يعتمد على اختيار المزوّد وضبط الاستخدام وفق “نموذج المسؤولية المشتركة” (جزء على المزوّد وجزء على العميل أي الحكومة).
هل وجود مراكز سحابية أمريكية في المنطقة والخليج يرفع خطر “الاستهداف” من قبل إيران؟
يقول مركز RUSI البحثي إن استهداف مراكز البيانات في الخليج في 1 مارس/آذار 2026 خلق شكوكاً عالمية حول المرونة والسيادة والأمن وهشاشة هذه المراكز، مشيراً إلى أن مراكز البيانات قد تُعامل كأصول استراتيجية و”بنية تحتية حرِجة”، خاصة إذا اعتُقد أنها تدعم قدرات دفاعية/استخبارية إلى جانب الخدمات المدنية.
وهددت إيران باستهداف “مراكز اقتصادية وبنوك” مرتبطة بكيانات أمريكية/إسرائيلية، وتناولت قائمة تضم شركات تقنية كبرى ضمن إطار “أهداف جديدة” بحسب وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري.
استهدفت ضربات أمريكية-إسرائيلية مواقع داخل إيران، بينها مراكز بيانات خدمات سحابية في طهران، وهذا ما شكّل سياقاً للتصعيد.
تعرضت ثلاث منشآت للخدمات السحابية تملكها شركة أمازون الأمريكية AWS في الإمارات والبحرين، لأضرار نتيجة ضربات مسيّرة إيرانية. وسببت الضربات أضراراً هيكلية، عطّلت توصيل الطاقة، وفي بعض الحالات أدت أنظمة إطفاء الحريق إلى أضرار مائية داخل المنشآت. وقالت Amazon بعد استهداف مراكزها إنها عملت مع السلطات المحلية لاحتواء القصف الإيراني وقامت بإخراج موظفيها إلى مناطق أخرى.
تهديد إيران باستهداف 29 موقعاً في المنطقة تمثل البنية التحتية لعملاقة التكنولوجيا الأمريكية في المنطقة بما في ذلك مراكز الخدمات السحابية.
ما خطورة استهداف مراكز الخدمات السحابية؟
الخطورة ليست في “فقدان ملفات” فقط، بل في تعطيل الدول رقمياً وشلها. ويمكن تلخيصها في خمس نقاط:
- انقطاع الخدمات الحرِجة (Availability Shock): إذا كانت البنوك، المدفوعات، منصات الخدمات العامة، أو شركات كبرى تعتمد على الإقليم المتضرر، فإن التعطل ينعكس سريعاً على الجمهور والاقتصاد. RUSI أشار إلى اضطراب خدمات مالية واستهلاكية على نطاق أوسع بعد ضربات الخليج.
- تأثير الدومينو (Concentration Risk): السحابة تُغري بتجميع خدمات كثيرة في مكان واحد. فإذا ضُرب “المكان”، تتأثر قطاعات عديدة في الوقت نفسه. حذرت وكالة AP من أن النمو السريع لمراكز البيانات يقابله تعرضها لمخاطر في مناطق نزاع.
- “الهجرة السريعة” بسبب قوانين الإقامة والسيادة: نظرياً يمكنك نقل الأحمال إلى إقليم آخر، لكن عملياً قد تمنع القوانين خروج بعض البيانات خارج البلد. Euronews نقلت عن خبراء أن قابلية نقل المعالجة تتقيّد بقواعد “توطين البيانات/السيادة”.
- الهشاشة أمام نقاط الاختناق غير السحابية: حتى لو لم تُقصف مراكز البيانات، فإن الكابلات البحرية والربط الدولي قد يسبب اختناقاً/تدهوراً حاداً للخدمات السحابية. مثال: قطع كابلات في البحر الأحمر أثّر على مسارات Azure ورفع الكمون في جنوب آسيا والخليج.
ما حجم الإنفاق على صناعة الخدمات السحابية عالمياً وإقليمياً؟
تمثل صناعة الخدمات السحابية سوقاً ضخماً عالمياً ويزداد الإنفاق عليه بشكل مضطرد عاماً بعد عام مع تطور خدمات الذكاء الاصطناعي وتوسعها، حيث تتوقع مؤسسة IDC الرائدة عالمياً في تقديم أبحاث السوق وتحليلات البيانات، أن يتجاوز الإنفاق العالمي على السحابة العامة تريليون دولار في 2026 وأن يتضاعف هذا الرقم تقريباً بحلول عام 2029.
أما في الإطار الإقليمي تتوقع مؤسسة Gartner للأبحاث والاستشارات وتقنية المعلومات أن يصل إنفاق تكنولوجيا المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 169 مليار دولار في 2026، وتذكر أن “أنظمة مراكز البيانات” Data Center هي الصناعة الأعلى نمواً وتُقدَّر بـ 12.984 مليار دولار في 2026. فيما تصف شركة ماكنزي مراكز السحابة العامة في الشرق الأوسط بأنها “فرصة بمليارات الدولارات” مرتبطة بالتحول الرقمي وهي قابلة للتوسع بشكل كبير.
عقود دول الخليج مع شركات الخدمات السحابية الأمريكية
بالنسبة للعقود التي تمضيها دول الخليج مع شركات الخدمات السحابية الأمريكية، ففي معظم الحالات قيمة العقود الحكومية التفصيلية مع مزودي السحابة لا تُنشر، إما لأنها عقود استهلاك (Consumption) متغيرة، أو لأنها اتفاقيات إطارية، أو لأنها تقع ضمن محافظ مشتريات أوسع (تحول رقمي) لا تُفصَّل علناً. لكن يمكن رصد التالي:
السعودية
يستند تقرير صحفي نشرته صحيفة Arab News العام الماضي إلى أن قيمة عقود الحكومة في قطاع ICT (تكنولوجيا المعلومات والاتصالات) بلغت 38 مليار ريال سعودي في عام 2024 (حوالي 10.13 مليار دولار)، مع تركيز على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ضمن الأولويات. تعطي هذه الأرقام مؤشراً على “الإنفاق الحكومي الرقمي” في السعودية كمظلّة (ليست عقود سحابة فقط).
وأعلنت شركة أمازون في عام 2024 بناء منطقتين للخدمات السحابية في السعودية بكلفة تجاوزت 5.3 مليار دولار. وفي العام نفسه، أعلنت شركة Oracle أوراكلالأمريكية للخدمات السحابية افتتاح منطقة سحابية عامة ثانية في السعودية “تعزز اقتصاد الذكاء الاصطناعي” بقيمة 1.5 مليار دولار.
الإمارات
أعلنت حكومة أبوظبي في مارس 2025 أن الحكومة تهدف لأتمتة 100% من العمليات الحكومية، مدعومة باستثمار يصل إلى 13 مليار درهم (3.54 مليار دولار أمريكي) في البنية الرقمية ضمن خطة “Digital Strategy 2025–2027″، بالتوازي مع عقد اتفاقات السحابة السيادية مع شركتي Microsoft وCore42.
وفي نوفمبر 2025 أعلنت شركة Microsoft أنها تستثمر في الإمارات ما بين عامي 2023 – 2029 بأكثر من 15.2 مليار دولار، بما يشمل تكاليف بناء وتشغيل مراكز البيانات المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
قطر
في نوفمبر 2025 أعلنت شركة qnbn التابعة للدولة توقيع عقد مع شركة مايكروسوفت الأمريكية “متعدد السنوات” لتقديم خدمات الحوسبة السحابية بهدف “تسريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي” لكنها لم تذكر قيمة العقد. سبق ذلك إعلان وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في قطر توقيع عقد مع Microsoft Azure – لا يعلم قيمته على وجه التحديد – في عام 2024 بهدف نقل جميع الخدمات الحكومية على هذه الخدمات السحابية.
شركات الخدمات السحابية الأمريكية في خدمة الجيش الإسرائيلي
يتمحور حضور “مشروع نيمبوس” وهو عقد حوسبة سحابية وذكاء اصطناعي بين الحكومة الإسرائيلية وكل من شركتي Google Cloud وAmazon Web Services. أُعلن عنه عام 2021، وقيمته نحو 1.2 مليار دولار، حول تقديم خدمات خاصة للحكومة والجيش الإسرائيليين، حيث أُعلن عن جاهزيته العامة في أغسطس/آب 2023 (ثلاث مناطق توافر).
اختارت الحكومة الإسرائيلية AWS وGoogle لمشروع نيمبوس كبرنامج “متعدد السنوات” لتقديم حل سحابي شامل للقطاع العام، وذكرت صراحةً أنه موجّه بشكل أساسي إلى القطاع العسكري والمنظومة الدفاعية، مع إنشاء “مواقع سحابية محلية” تُبقي البيانات داخل حدود إسرائيل وفق إرشادات أمنية.
وعلى مستوى الاستخدامات العسكرية المعلنة/الموثقة، تعترف شركة Microsoft بعلاقة تجارية مع وزارة الدفاع الإسرائيلية تشمل تقديم خدمات Azure وAzure AI، وتقول إنها “أجرت مراجعات داخلية وخارجية” بعد حرب الإبادة الجماعية على غزة. وفي تحديث رسمي لاحق أعلنت الشركة أنها “عطّلت مجموعة خدمات/اشتراكات لوحدة داخل وزارة الدفاع بعد مراجعة مزاعم مرتبطة باستخدام التخزين السحابي وخدمات الذكاء الاصطناعي”.
وكانت صحيفة الغارديان قد ذكرت في مايو/أيار 2025 أن الجيش الإسرائيلي يستخدم أزور لتخزين ملفات بيانات المكالمات الهاتفية التي تم الحصول عليها من خلال عمليات مراقبة واسعة النطاق أو جماعية للمدنيين في غزة والضفة الغربية. وتحظر شروط خدمة مايكروسوفت القياسية هذا النوع من الاستخدام.
المصدر: قاعدة بيانات وتحليل “عربي بوست” لمراكز الخدمات السحابية (Data Center) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — عيّنة من 22 دولة و89 مركزاً سحابياً. تستند الأرقام إلى صفحات المزوّدين الرسمية (AWS، Microsoft Azure، Google Cloud، Oracle OCI وغيرها)، وتقارير مؤسسات مثل البنك الدولي، IDC، Gartner، McKinsey، RUSI، OECD، إلى جانب مقابلات أجراها “عربي بوست”.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.