الرئيسية / أخبار / غزة في ظل إيران: سياسات النسيان وهندسة الحرب الدائمة

غزة في ظل إيران: سياسات النسيان وهندسة الحرب الدائمة

د. شهاب المكاحله

ثمة حروب تُخاض بالصواريخ والطائرات المسيَّرة والذخائر الدقيقة، وثمة حروب أخرى تُخاض بصمت وأدهى – حروب ضد الذاكرة ذاتها. إن مأساة غزة اليوم لا تكمن فقط في هدم شوارعها حجرًا حجرًا، ولا في انهيار مستشفياتها، ولا في محو بيوتها عن الوجود، ولا حتى في عدد الضحايا المدنيين الذي يعجز اللسان عن وصفه. هناك ما هو أخطر: الاختفاء التدريجي لغزة من مركز الخيال الأخلاقي للعالم. فبينما توسعت المواجهة بين إسرائيل وإيران لتصبح عرضًا إقليميًا ضخمًا من التبادلات الصاروخية، وعقيدة الردع، والتسريبات الاستخباراتية، والمناورات البحرية في مضيق هرمز، والمخاوف النووية المتجددة، صارت غزة ببطء ما يسميه المخططون الاستراتيجيون ببرودتهم المروِّعة “مسرحًا ثانويًا”. بيد أن التاريخ يُعلّم، بقسوته المألوفة، أن ساحات القتال المنسية هي بالضبط تلك التي تعود لتُشكّل المستقبل الجيوسياسي بأعنف قوة وأكثرها اضطرابًا.

يعاني العالم الحديث مما يمكن تسميته عجزًا استراتيجيًا عميقًا في الانتباه، وهو داء معرفي أصاب النظام الإعلامي العالمي. فلم يعد هذا النظام يعالج المعاناة وفقًا لثقلها الأخلاقي أو إلحاحها الإنساني، بل وفقًا لقيمتها السوقية الجيوسياسية: قدرتها على صنع العناوين الرئيسية، أو تحريك أسعار النفط، أو تهديد المصالح الغربية. وما إن تشبعت سماء طهران وتل أبيب ومضيق هرمز والبحر الأحمر بلغة التصعيد، وصدمات النفط، والحرب بالمسيرات، والاختراقات السيبرانية، والعتبات النووية، حتى دُفعت غزة إلى ضوضاء الخلفية من التاريخ. انتقلت الكاميرات إلى مكان آخر. أعاد الدبلوماسيون ترتيب أولوياتهم بصمت. أعادت أجهزة الاستخبارات معايرة مصفوفات التهديد لديها مبتعدة عن القطاع المحاصر. وفي ذلك الصمت المدوّي، دخلت غزة مرحلة أخطر من الحرب المكشوفة: مرحلة التطبيع عبر الإهمال.

أولًا: سياسات النسيان – كيف تحول العجز الاستراتيجي في الانتباه إلى أداة للمحو

سبق أن حذّر جورج أورويل باقتدار مرعب يناسب يومنا هذا: “إن أكثر الطرق فعالية لتدمير الشعوب هي حرمانها من فهم تاريخها ومحو وعيها به”. إن ما يتكشف اليوم في غزة ليس مجرد استنزاف عسكري، ولا الحساب العددي للضحايا، ولا انهيار البنى التحتية. ثمّة ما هو أكثر منهجية وأكثر بقاء: المحو السياسي البطيء والمنهجي لغزة من تسلسل الأولويات في الأزمات العالمية الملحّة. بلغة جيوسياسية باردة، أصبحت غزة محصورة بين مذهبين استراتيجيين متناقضين ومطلقين في آن. على جانب، تقف عقيدة إسرائيل في “الإدارة الأمنية الدائمة” – وهو نهج لا يبحث عن حل بل عن احتواء، لا عن سلام بل عن قمع التهديدات إلى أجل غير مسمى عبر التفوق التكنولوجي والحملات العسكرية الدورية. وعلى الجانب الآخر، تقف عقيدة محور “المقاومة الدائمة” – فلسفة ترفع النضال المسلح من مجرد تكتيك إلى مبدأ أبدي، وتجعل أي حل وسط سياسي خيانة لا تغتفر. بين هذين المطلقين، صارت الحياة المدنية نفسها قابلة للمساومة، وتحولت إلى متغير في معادلة القوة.

المفارقة قاسية بقدر ما هي مأساوية. لقد صُوِّرت الحرب مع إيران في البداية، على ألسنة العديد من المحللين والمعلقين الاستراتيجيين، على أنها لا تنفصل عن غزة، وكأن القضية الفلسطينية المهمّشة طويلًا قد أصبحت أخيرًا محوريةً في بنية الصراع الشرق أوسطي. لكن العكس تمامًا هو ما حدث. فقد ابتلعت غزة بعاصفة إقليمية كبرى، دوامة من التنافس بين القوى العظمى، جُردت فيها كارثتها الإنسانية الفريدة من أي خصوصية دبلوماسية. لقد انبهر العالم – بل كاد يُسحر – بإمكانية المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، بينما أصبح في الوقت نفسه متبلدًا نفسيًا إزاء واقع الدمار اليومي شبه الروتيني في غزة. إن أسطر شكسبير الخالدة من مسرحية “مكبث” تبدو الآن وكأنها تحدد نفسية جميع الأطراف المتورطة في هذا المستنقع: “لقد خُضْتُ في الدم إلى حد أن العودة منه أصبحت أصعب من المضي قدمًا”. لقد أصبحت إسرائيل وحماس وإيران وحزب الله، بل وحتى الجهات الفاعلة الدولية التي تدّعي الوساطة، محاصرة بدورات عنف ذاتية التغذية، أصبح فيها التراجع الاستراتيجي يبدو أخطر من استمرار المواجهة. والنتيجة، في جوهرها الأكثر خلاصة، هي عسكرة الشلل السياسي – حالة تُصقل فيها أدوات الحرب باستمرار بينما تُؤجل أهداف السلام إلى ما لا نهاية.

بالنسبة لحماس، الحسابات قاسية بلا رحمة. فالتخلي عن السلاح دون أفق سياسي ذي مصداقية لا يشبه الحكمة بقدر ما يشبه الاستسلام بلا تاريخ. إن الحركة تدرك، بوضوح ينبع من عقود من البقاء، أن السلاح ليس مجرد أداة عسكرية لإلحاق الأذى بالعدو، بل هو أداة وجودية للمساومة، العملة الوحيدة للنفوذ في سوق سياسي لا يقدم أي شيء آخر. فخلافًا للمؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، الذي تمكن في نهاية المطاف من مقايضة النضال المسلح بدولة ما بعد الفصل العنصري، أو الجيش الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا الشمالية، الذي استطاع أن ينزع سلاحه من أجل حكومة تقاسم السلطة، فإن حماس لا ترى أي بنية سياسية ذات مصداقية تنتظرها على الجانب الآخر من نزع السلاح. لا توجد دولة فلسطينية ذات سيادة في الأفق. لا توجد عملية سلام ذات معنى، ناهيك عن Process ملزمة. لا توجد ضمانات دولية قابلة للتطبيق في وجه إسرائيل التي أثبتت مرارًا استعدادها للعمل من جانب واحد. وفي ظل هذه الظروف، يتحول النضال المسلح من خيار استراتيجي إلى هوية وجودية – طريقة في الوجود لا يمكن التفاوض بشأنها. إن كلمات صامويل بيكيت المدمرة من مسرحية “في انتظار غودو” أصبحت مطابقة لحالة غزة ببراعة مرعبة: “لا شيء يحدث. لا أحد يأتي. لا أحد يذهب. هذا هو الرعب”. إن غزة اليوم تعيش داخل فراغ سياسي بيكيتي: مفاوضات بلا نهاية، دبلوماسية بلا سيادة، هدن بلا سلام. أجيال كاملة تنشأ الآن داخل تاريخ معلق، محصورة بين هدن مؤقتة ويقين دائم، طفولات تلتهمها ما كان يوصف ذات يوم بتفاؤل باسم “ترتيبات مرحلية” لكنها تحولت إلى نظام من الغياب اللامتناهي.

ثانيًا: هندسة الحرب الدائمة – كيف أصبح اللااستقرار المُدار نموذجًا مستدامًا

في الوقت نفسه، بات من الواضح أن إسرائيل تخلت عن لغة العمليات العسكرية المؤقتة – ذاكرة “الاجتياحات المحدودة” و”جز العشب” و”استعادة الردع” – إلى لغة الهندسة الأمنية-الإقليمية طويلة المدى. إن توسيع المناطق العازلة، والممرات الخاضعة للتقييد، وشبكات السيطرة العسكرية، وقطاعات المراقبة، والتجزئة الديموغرافية على طول محيط غزة، لم يعد يعكس تكتيكات زمن الحرب المطبقة على تهديدات عاجلة، بل يعكس ظهور عقيدة استراتيجية جديدة بهدوء: اللااستقرار المُدار كنموذج أمني مستدام. من منظور عسكري – استخباراتي بارد، تستند حسابات إسرائيل إلى دروس مؤلمة استخلصتها من ما يقرب من عقدين من التورط في جنوب لبنان، ومن الحملات غير الحاسمة في سوريا، ومن الصدمات النفسية التي أعقبت السابع من أكتوبر. يعتقد المخططون الإسرائيليون بشكل متزايد أن العمق الاستراتيجي الذي يتحقق عبر المناطق العازلة، والهيمنة التكنولوجية التي تصان بالابتكار المستمر، والخصوم المجزأين الذين يُبقون في حالة اختلال دائم، توفر أمنًا أكثر موثوقية من أي اتفاق سياسي على الإطلاق. وإن “الخط الأصفر” في غزة – ذاك الحد الغامض المتحرك القاتل – يخاطر بأن يصبح ما يسميه منظرو الاستخبارات “ديمومة مؤقتة”: حدود لم تُعلن رسميًا قط، ولم يعترف بها القانون الدولي، ولكنها تُطبّع تدريجيًا عبر الاستخدام المتواصل للقوة، والتراكم الصامت للتنظيم البيروقراطي، وتآكل الزمن المسموم.

لقد قال هنري كيسنجر، بمزيجه المعهود من السخرية والواقعية القاسية، جملته الشهيرة: “لا يمكن أن تكون هناك أزمة الأسبوع القادم، فجدول أعمالي ممتلئ بالفعل”. وراء سخرية هذه العبارة يكمن حكم واقعي مفاده أن الأزمات تُدار وتُرتب وفقًا لفائدتها الاستراتيجية بالنسبة للقوى العظمى. مأساة غزة اليوم أنها لم تعد قادرة على توليد قدر كافٍ من الإلحاح الاستراتيجي لدى مجتمع دولي منهك بسبب مواجهات متزامنة تمتد من خنادق أوكرانيا المتجمدة إلى التوترات المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي، ومن المخاوف النووية الإيرانية إلى الممرات البحرية المهددة في البحر الأحمر. وهذا الإرهاق الجيوسياسي خطر عميق، لأن الصراعات المهملة نادرًا ما تتجمد بسلام في توازنات مستقرة. بل إنها تنتشر خبيثة تحت سطح انتباه العالم. لقد حذّر زبيغنيو بريجنسكي مرارًا، بحكمة تنبؤية تكاد تكون الآن نبوءة، من أن الإذلال غير المحلول في الشرق الأوسط سينتج حتمًا انفجارات تمتد إلى ما وراء حدود المنطقة المصطنعة. لقد أدرك أن اللااستقرار المطول يولّد أنظمة بيئية نفسية من الغضب والعدمية والتطرف والانتقام لا يمكن احتواؤها جغرافيًا إلى الأبد. غزة اليوم لم تعد مجرد صراع إقليمي؛ إنها أصبحت مختبرًا لأجيال قادمة تُشكَّل بفعل سيكولوجيا الحصار، وصدمة التهجير، والتطرف الخوارزمي، وانهيار أي إيمان متبقٍ بالقانون الدولي.

لقد كتب إرنست همنغواي ذات مرة أن “العالم يحطّم الجميع، وبعد ذلك يصبح الكثيرون أقوياء في الأماكن المحطّمة”. لكن الشرق الأوسط دخل مرحلة أشد ظلمة وقسوة، حيث لم تعد المجتمعات بأكملها محطّمة فحسب، بل إنها تُعاد تنظيمها بشكل منهجي حول الانكسار نفسه. اقتصادات الحرب الدائمة، وحكم الميليشيات، ودول المراقبة، وأنظمة الأمن المخصخصة، وخوارزميات الاستهداف بالذكاء الاصطناعي، والتلاعب السيبراني، والهندسة الديموغرافية، كلها أصبحت هياكل طبيعية، وليس استثناءات طارئة. وفي الوقت نفسه، ينهار البناء الدبلوماسي المحيط بغزة في فوضى من التناقضات. إسرائيل ترفض أي دور ذي معنى لحماس بينما تمنع في الوقت نفسه ظهور بدائل سياسية قابلة للحياة على الأرض. “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” تبقى غائبة ماديًا وعاجزة سياسيًا، كيانًا شبحًا بلا جمهور. السلطة الفلسطينية تفتقر إلى الشرعية في عيون شعبها، يُنظر إليها كمقاول للاحتلال لا كطليعة للتحرير. الدول العربية منقسمة بين أجندات التطبيع مع إسرائيل، ومخاوف الاستقرار الداخلي، والحسابات الاستراتيجية المتعلقة بإيران وواشنطن. الحكومات الغربية تبقى محاصرة بين لغة الأخلاق الإنسانية وحقيقة التحالفات الاستراتيجية. والنتيجة فراغ استثنائي في السلطة لا يمتلك فيه أي فاعل شرعية سياسية وسيطرة عملياتية في آن واحد. إن ملاحظة ميكافيلي الباردة في كتاب “الأمير” أصبحت الآن ملخصًا لمصير كل اتفاق وقف إطلاق نار تقريبًا في سياسة الشرق الأوسط الحديثة: “الوعد المقطوع كان ضرورة الماضي؛ والوعد المكسور هو ضرورة الحاضر”. لقد أصبحت الاتفاقات المؤقتة تعمل بشكل متزايد ليس كطرق إلى السلام، بل كأدوات لإعادة المعايرة العسكرية – فهدن وقف إطلاق النار تتحول إلى فترات توقف لإعادة التسليح، وإعادة الانتشار، والعمليات النفسية، والمسرح الدبلوماسي، بدلًا من أن تكون حلًا حقيقيًا للصراع.

ومع ذلك، فإن الخطر الأعمق لا يكمن فقط في التصعيد العسكري، ولا حتى في الانهيار الدبلوماسي، بل في تحول نفسي عميق. إن حرب غزة، مقترنة بالمواجهة الإيرانية الأوسع، تعمل على تسريع emergence وعي إقليمي جديد تشكله ثلاثة معتقدات شديدة الخطورة: أن القانون الدولي يُنفَّذ بشكل انتقائي وفقًا لهوية المعتدي وقوة الضحية؛ وأن القوة العسكرية تبقى اللغة الوحيدة للبقاء الاستراتيجي في عالم أصبحت فيه الدبلوماسية بلا قوة مجرد خطابة احتفالية؛ وأن النظام العالمي لا يقدم العدالة إلا لمن يستطيع إجبارها بالقوة. هذا التحول سيكون له صداه لعقود. جيل كامل في الشرق الأوسط يشاهد الآن عالمًا تُغيّر فيه الحدود بالقوة دون عواقب، حيث يبدو القانون الإنساني مشروطًا بمصالح القوى العظمى، حيث تبدو المؤسسات العالمية عاجزة عن منع المعاناة الجماعية، وحيث يصبح الاهتمام الإعلامي نفسه سلاحًا جيوسياسيًا يُستخدم وفقًا للأهمية الاستراتيجية للضحية.

من منظور استخباراتي واستشرافي استراتيجي، ثمة مسارات مستقبلية متعددة تبدو معقولة بشكل متزايد. أولًا، غزة تخاطر بأن تتطور إلى منطقة أمنية مجزأة بشكل دائم تشبه هجينًا بين جنوب لبنان بعد 1982 والعراق بعد 2003 – إقليم تهيمن عليه هياكل مسلحة متداخلة، واختراقات استخباراتية أجنبية، وميليشيات محلية، وحرب منخفضة الشدة متكررة لا ترتفع أبدًا إلى مستوى الصراع الشامل ولا تهدأ أبدًا إلى سلام. ثانيًا، عقيدة إسرائيل الموسعة في المنطقة العازلة قد تطبع تدريجيًا بنية إقليمية أوسع من “الحدود المُدارة” تمتد عبر غزة وجنوب لبنان وأجزاء من سوريا والممرات البحرية المحتملة – نموذج يعطي أولوية للاحتواء على الحل، وللإدارة على العدالة. ثالثًا، كلما طال أمد بقاء غزة دون حل سياسي، زاد احتمال شبكات مسلحة لا مركزية – أقل انضباطًا، وأقل مساءلة سياسيًا، وأكثر توجهًا عبر الوطني من حماس نفسها – في المنطقة، لأن التاريخ يظهر باستمرار أنه عندما تُحرم الحركات السياسية من إمكانية التطور، فإن التشرذم يصبح حتميًا. رابعًا، حتى الأنظمة العربية نفسها قد تواجه ضغوطًا على شرعيتها على المدى الطويل: فبينما تستطيع الحكومات قمع الغضب الشعبي على المدى القصير، فإن الإذلال النفسي الجماعي يتراكم تحت السطح كضغط تكتوني، وقد تصبح ذكرى غزة قابلة للانفجار سياسيًا بعد سنوات من تلاشي الحرب نفسها من العناوين الرئيسية الغربية. أخيرًا، أعظم عاقبة استراتيجية قد لا تكون إقليمية أبدًا، بل حضارية: انهيار الإيمان بالنظام الدولي لما بعد الحرب الباردة. إن حروب غزة وأوكرانيا وإيران معًا تعمل على تسريع ميلاد عصر متعدد الأقطاب أكثر قسوة وأقل تسامحًا، تسلم فيه الأخلاق بشكل متزايد للمنافسة الجيوسياسية الخام، وتصبح لغة حقوق الإنسان زخرفة خطابية لا قيدًا ملزمًا.

ولعل هذه هي أعظم المفارقات قسوة على الإطلاق: بينما ينشغل العالم بوساوس حول إمكانية انفجار إقليمي في المستقبل – حرب عربية إسرائيلية خامسة، أو مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل، أو انهيار الممالك الخليجية – فإنه يتجاهل حقيقة أن الانفجار قد بدأ بالفعل. ببطء، نفسيًا، أخلاقيًا، وهيكليًا، داخل أنقاض غزة نفسها، تحترق نار قد تلتهم في النهاية أسس النظام الإقليمي ذاته. ربما يعتقد العالم أنه لم يؤجل القضية الفلسطينية سوى مرة أخرى، مضيفًا طبقة جديدة من التأجيل لعقود من التأجيل. لكن التاريخ، ذلك القاضي الذي لا يرحم، قد يخلص لاحقًا بفظاعة أن العالم لم يؤجلها قط. بل دفنها حية.