الرئيسية / أخبار / السباق نحو البيانات: عصر التسلح الرقمي

السباق نحو البيانات: عصر التسلح الرقمي

  د. نسرين مستو أسعد

من خلال أول مؤتمر صحفي بتاريخ ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٥ ومن بعد تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الاميركية للدورة الثانية، أعلن الرئيس ترامب عن دعمه لأضخم مشروع للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي – Stargate Project The- بموجب أمر تنفيذي رقم 14179 بحضور ودعم الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان، ومؤسس شركة أوراكل لاري إليسون، والرئيس التنفيذي لشركة سوفت بنك مسايوشي سون. يعد مشروع Stargate أكبر مشروع في العالم من حيث التكلفة والنطاق والحجم، بميزانية تبدأ من 500 بليون دولار.

يهدف مشروع Stargate إلى توحيد الجهود بين عمالقة الشركات الكبرى من اجل انشاء وتطوير بنية تحتية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي فائقة الحجم. سيتم بناء وتجهيز هذه المرافق في جميع أنحاء العالم لأرشفة البيانات وتطوير جيل جديد من الذكاء الاصطناعي للدخول في مرحلة الذكاء الاصطناعي العام (AGI). وهذا سيفتح مجالات جديدة وتغييرات إيجابية في القطاع الصحي والمالي والتجاري والاقتصادي.  كما سيساهم في الاكتشافات الطبية وإيجاد حلول للعديد من الأمراض المستعصية. والأهم من ذلك أن امتلاك الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سيعزز دور الحوكمة العالمية ويفرض تحالفات جديدة تعتمد على البعد التكنولوجي وعملية تطوير الذكاء الاصطناعي من خلال تخزين المعلومات وامتلاكها. وفي الوقت نفسه، فإنه سيزيد من هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات من خلال تعقيد عملية المنافسة وعرقلة الطريق أمام الشركات الناشئة للابتكار والمنافسة. علاوة على ذلك، فإن هذا سيضيف أبعادًا جديدة للتبادلات التجارية والاقتصادية ويفتح الباب أمام الهيمنة الاقتصادية الرقمية العالمية والتفوق العالمي.

إعلان الرئيس ترامب آثار معه العديد من التساؤلات والتجاذبات السياسية، الاقتصادية، والتجارية. حيثُ جاء هذا الإعلان مناقضاً تماماً سياسة التطوير والاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي التي وقعها وأصدرها الرئيس جو بايدن بموجب الأمر التنفيذي رقم 14110 المؤرخ 30 أكتوبر 2023.  في حين أنشأ الرئيس جو بايدن أُطر قواعد آمنة لاستخدام وتطوير تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي بطريقة امنة ومدروسة، أكد الرئيس ترامب أن الأمر أقرب ما يكون إلى حالة الطوارئ، وأنه يجب تسريع وتيرة الابتكار في التكنولوجية الرقمية لتلبية احتياجات الأمة. لم يكن هذا البيان وهذا الخطاب التنافسي نتيجة لحملة انتخابية أو تحالفات تجارية، بل تبلور نتيجة صراعات دولية وسباق شبه علني لتغيير مراكز القوة والسيطرة في العالم. مَهَدَ Stargate الطريق للأزمة العالمية الحالية بجوهرها: الوصول إلى الغاز الطبيعي لتوفير الطاقة اللازمة لهذه المراكز وفرض الهيمنة الاقتصادية الرقمية والحوكمة العالمية. كما أنه أماطالغطاء عن الحرب الباردة الثانية (أو ما يعرف بحرب الرقائق) التي بدأت عام 2018 وعادت إلى الواجهة مع عودة الرئيس ترامب الى البيت الابيض. لذلك يمكننا القول بان القيود التجارية المفروضة على الصين لمنعها من استيراد أشباه الموصلات (أو الرقائق الدقيقة في شكلها النهائي بعد التصنيع)، فرض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة بالإضافة الى مشروع Stargate، حولت المنافسة إلى صراع وسباق شرس وعلني لتطوير التكنولوجية الرقمية وامتلاك البيانات، لأن من يمتلك البيانات يمتلك المستقبل.

 القوة المقابلة

            على المقلب الآخر من الكرة الأرضية كانت الصين تحُثُ خطواتها بتأنٍ وحكمة لاستحداث بنية تحتية متكاملة من خلال “خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي.” خطة شبيهة جداّ ب Stargate Project ولكن تختلف من حيث حجم التمويل، تعداد البنى التحتية، وحجم الاستثمار والتمويل.  تملك الصين ٥٦١ مركزاً للبيانات ٣٦٧ منها موزعة على الأراضي الوطنية والباقي موزع في دول حول العالم من خلال مراكز البيانات التابعة للشركات العملاقة علي بابا وهواوي العالمية. هذا الحجم ضئيل مقارنةً مع الولايات المتحدة الأميركية التي تملك ٤٠٨٨ مركزاً في أميركا فقط معظمها تابع لشركات عملاقة مثل Amazon, Google, and Microsoft، ولكن تتفوق الصين في انخفاض حجم التكلفة من حيث الإنشاء وأرشفة البيانات وتطويرها. هذا التفاوت هو نتيجة القيود المفروضة عام ٢٠١٨ على استيراد أشباه الموصلات والحد من قدرة الصين في تطوير التكنولوجية الرقمية. الحصار التكنولوجي وقطع الطريق على الصين لاستيراد أشباه الموصلات دفع الصين إلى استحداث استراتيجية الإنتاج المحلي وتفعيل الاكتفاء الذاتي.

أضفت هذه الصراعات التكنولوجية الصناعية الجديدة الشرعية على الحرب الاقتصادية والرقمية الاستراتيجية بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مع الأخذ في الاعتبار تزايد عدد الدول التي تسعى إلى فرض الهيمنة الرقمية أو الدخول في تحالفات اقتصادية وتكنولوجية للتمكين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، اللذان يسعيان جاهدين لتحقيق الهيمنة الرقمية وبناء مراكز البيانات الخاصة بهما. وتشتد المنافسة، وتحاول فرنسا أيضًا إيجاد مكانها بين الدول التي ستمتلك الاقتصاد الرقمي. علاوة على ذلك، طورت دولة الإمارات العربية المتحدة استراتيجيتها الخاصة لتصبح رائدة في عالم الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2031 من خلال الانضمام إلى مشروع Stargate وإنشاء HAIDCI على أراضيها.

أدوات المنافسة

الإعلان عن Stargate كان مدروساً ومُخططاً له بعناية لإبقاء القيادة والريادة في مجال التكنولوجيا المتطورة محصوراً بيد الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وإغلاق الطريق على الصين من حيث التحالفات والتكتلات الاقتصادية والسياسية. لقد استطاع الرئيس ترامب ان يوحّد جهود عمالقة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عالمياً، Open AI, Softbank, and Oracle ، Nvidia, ,MGX في مواجهة Dance Deep Seek and Byte اقوى شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي التوليدي الصيني. هذا التكتل والمواجهة التكنولوجية والاقتصادية أسفرت عن العديد من التحديات المباشرة وغير المباشرة لكلا الطرفين على صعيد تامين الطاقة والطاقة البديلة والنظام البيئي الذي يسمح بامتصاص غاز الكربون.

          تنظر الولايات المتحدة إلى الصين باعتبارها قوة تكنولوجية ومنافسًا شرسًا في تطوير التكنولوجيا الرقمية، ليس فقط من حيث الأعباء التشغيلية، ولكن أيضًا من حيث الأمن القومي، والأمن السيبراني، والأسلحة، والعملات المشفرة، والخدمات المصرفية العالمية، والاقتصاد الرقمي، والخدمات السحابية، والحوسبة الرقمية، والحصول على موارد الطاقة وترشيد استخدامها. إن هذه المنافسة والصراع على بيانات التسلح تستحق تحليل أدوات المنافسة المختلفة والعوامل التي تؤثر على هذه الحرب الرقمية بعمق.

نبذة عن الكاتبة: 

 . د. نسرين مستو أسعد حاصلة على شهادة الدتكوراة في إدارة الاعمال. 

باحث متخصص في أنظمة الحكومة الإلكترونية، وتقديم الإقرارات الضريبية الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتطبيقات ChatGPT
 وأسلحة التكنولوجيا الرقمية. يركز عملها على النوايا السلوكية لدافعي الضرائب لاستخدام الحكومة الإلكترونية، ونظام الملفات الإلكتروني، واعتماد روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. وهي تركز على التقاطع بين التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على التفوق العالمي.