تفاوض تحت الضغط لا من موقع قوة
داخل الكواليس اللبنانية، لا يخفي المسؤولون أن قرار الذهاب إلى واشنطن لم يكن خياراً مريحاً، وتصف مصادر حكومية لبنانية الأمر بأنه “دخول اضطراري إلى مسار لا يمكن تفاديه”، في ظل تقاطع ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية، تمارسها الولايات المتحدة وفرنسا ودول عربية.
وبحسب المصدر، فإن الواقع الذي واجهته بيروت كان واضحاً، وهو أن إسرائيل تصعّد ميدانياً، والولايات المتحدة تدفع نحو التفاوض، والعواصم العربية، خصوصاً الخليجية، تضغط لتثبيت الاستقرار بأي صيغة ممكنة.
في هذا السياق، حاول الوفد اللبناني خلال الجلسة التمسك بسقف منخفض نسبياً، يركز على وقف إطلاق النار، وعودة النازحين، واستعادة نوع من الاستقرار. لكن، وفق المصادر، لم يتمكن من انتزاع أي التزام واضح من الجانب الإسرائيلي، ما جعل النتيجة الفعلية للاجتماع مختلة منذ البداية، عبر إطلاق مسار تفاوضي من دون وقف النار.
وتقول المصادر إن هذا الواقع وضع الدولة اللبنانية في موقع دفاعي، حيث باتت مطالبة بإدارة مسار تفاوضي في ظل استمرار الحرب، لا بعدها.
التفاوض كأداة ميدانية لإسرائيل
في المقابل، تشير مصادر دبلوماسية غربية لـ”عربي بوست” إلى أن إسرائيل تنظر إلى التفاوض كجزء من إدارة المعركة، وليس بديلاً عنها.
ووافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق هذه المصادر، على إطلاق المسار التفاوضي لسببين أساسيين، الأول داخلي، لتقديم إنجاز سياسي يخفف الضغط عنه، والثاني خارجي، لإظهار استجابة للضغوط الأمريكية والإقليمية.
لكن في العمق، تضيف المصادر، فإن تل أبيب لا ترى في التفاوض مساراً ملزماً، بل أداة لكسب الوقت، واستكمال العمليات العسكرية، وفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً في جنوب لبنان. وبمعنى آخر، التفاوض بالنسبة إلى إسرائيل ليس طريقاً إلى وقف الحرب، بل وسيلة لتحسين شروطها قبل أي تسوية محتملة.
سيناريوهات صعبة بشأن سلاح حزب الله
في قلب هذا المسار، يبرز ملف سلاح حزب الله كالعنوان الأكثر حساسية وتعقيداً، وتؤكد مصادر دبلوماسية غربية أن واشنطن وتل أبيب تتعاملان مع هذا الملف كمدخل أساسي لأي اتفاق مستقبلي، وأن الطروحات التي يجري تداولها تشمل بشكل واضح تفكيك البنية العسكرية للحزب، وسحب سلاحه من الجنوب، وإخضاع هذه العملية لرقابة دولية.
لكن في المقابل، ترى مصادر حكومية لبنانية أن إدراج هذا الملف بهذا الشكل، وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يدفع نحو صدام داخلي، ويضع الدولة في مواجهة مباشرة مع الحزب من دون امتلاك أدوات هذا الصدام أو ضمان نتائجه.
وتشير المعطيات التي حصل عليها “عربي بوست” إلى أن إسرائيل تطرح عملياً خيارين أمام لبنان، حتى وإن لم يتم الإعلان عنهما رسمياً. الأول يقوم على فرض أمر واقع عسكري، يشبه نموذج الجولان، عبر تثبيت سيطرة إسرائيلية على شريط حدودي واسع، وتحويله إلى منطقة عازلة طويلة الأمد.
أما الثاني، فيقوم على نموذج أقرب إلى سيناء، أي التوصل إلى اتفاق أمني شامل، يتضمن نزع سلاح حزب الله من الجنوب، مقابل ترتيبات دولية تشمل رقابة أمريكية مباشرة، وربما إنشاء آلية إشراف ميدانية داخل الأراضي اللبنانية.
وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن هذا الطرح يحظى باهتمام أمريكي فعلي، وأن النقاشات بدأت بالفعل حول شكل هذه الآلية وحدود دورها.
انقسام بشأن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل
في بيروت، لم تمر نتائج لقاء واشنطن من دون ارتدادات داخلية. وتتحدث مصادر حكومية لبنانية لـ”عربي بوست” عن حالة إرباك واضحة داخل مؤسسات القرار، في ظل غياب موقف رسمي حاسم من المسار التفاوضي.
هذا الصمت، وفق المصادر، ليس دليلاً على غياب القرار، بل على حجم التعقيد، فالدولة، وفق المصدر، تدرك حساسية الخطوة، وتخشى من تفجير انقسام داخلي في لحظة شديدة الدقة.
في المقابل، تتصاعد الانتقادات السياسية، خصوصاً من القوى الرافضة للتفاوض المباشر، التي ترى أن لبنان دخل مساراً خطيراً من دون ضمانات، وفي ظل استمرار القصف.
على الضفة الأخرى، تعامل حزب الله مع ما جرى في واشنطن بوصفه مساراً مفروضاً على الدولة اللبنانية، لا يعكس توازن القوى الحقيقي.
وتقول مصادر مقربة من حزب الله لـ”عربي بوست” إن حزب الله لم يعول أساساً على هذا المسار، وهو يركز بشكل أكبر على مسار التفاوض الإيراني-الأمريكي، باعتباره المدخل الفعلي لأي وقف لإطلاق النار في لبنان.
كما يرفض الحزب بشكل قاطع أي نقاش حول سلاحه في ظل الظروف الحالية، ويعتبر أن “التفاوض تحت النار” ليس سوى محاولة لفرض شروط سياسية وأمنية على لبنان.
مقترح دمج المفاوضات مع سوريا وحوار مع إيران
بالتوازي، يشير مصدر دبلوماسي عربي إلى أنه طُرحت خلال الأيام التي سبقت لقاء واشنطن سلسلة نصائح إقليمية على رئيس الجمهورية جوزيف عون، تدعوه إلى عدم الذهاب منفرداً إلى مسار التفاوض مع إسرائيل، بل التنسيق مع دمشق والدخول في مسار موازٍ أو متقاطع مع سوريا، بما يعزز الموقع التفاوضي للبنان ويمنع عزله على الطاولة.
وتكشف المصادر نفسها أن بعض هذه الجهات اقترح أيضاً فتح قناة تفاوض موازية، برعاية مصرية أو تركية، مع إيران تحديداً، بهدف البحث في ترتيبات مرتبطة بملف سلاح حزب الله، بما في ذلك طرح مبادرة تقضي بإعادة جزء من السلاح الثقيل إلى إيران ضمن صفقة أوسع تواكب أي تسوية إقليمية.
إلا أن عون، وفق المصادر، رفض السير بهذه الطروحات، لاعتبارات متعددة، أبرزها تخوفه من ردود فعل وضغوط أمريكية وإسرائيلية مباشرة قد تُفسَّر على أنها التفاف على المسار الذي ترعاه واشنطن، إضافة إلى حسابات داخلية ذات طابع طائفي وسياسي، تجعله حذراً من أي خطوة قد تُفسَّر داخلياً على أنها انحياز لمحور إقليمي دون آخر.
في المحصلة، يبدو أن لبنان دخل مرحلة جديدة عنوانها التفاوض تحت الضغط، حيث لا يوجد فصل واضح بين الميدان والسياسة، بل تداخل كامل بينهما.
وتجمع المصادر الحكومية اللبنانية والدبلوماسية الغربية على أن ما جرى في واشنطن ليس سوى البداية، وأن المسار المقبل سيكون طويلاً ومعقداً، ومحكوماً بتوازن دقيق بين قدرة الدبلوماسية على كبح التصعيد، وقدرة الميدان على فرض شروطه.
لكن المؤكد، وفق هذه المصادر، أن لبنان لم يعد أمام خيار واضح بين الحرب والسلام، بل أمام منطقة رمادية مفتوحة، قد تقود إما إلى تسوية شاملة، أو إلى جولة تصعيد أوسع تعيد خلط كل الأوراق في المنطقة.