الرئيسية / أخبار / 5 أهداف إسرائيلية ملغمة من التفاوض مع لبنان

5 أهداف إسرائيلية ملغمة من التفاوض مع لبنان

دخلت “إسرائيل” ولبنان مسارًا تفاوضيًا غير مسبوق بواشنطن في 14 نيسان/أبريل 2026 برعاية أمريكية، وذلك بعد أسابيع من تجدد الحرب بين الطرفين ومن اضطرابات إقليمية واسعة كان عنوانها الأبرز: الحرب على إيران.

ولكن، لماذا تقبل “إسرائيل” التفاوض الآن بينما تستمر المعارك مع حزب الله في لبنان؟ وهل تسعى فعلًا إلى التهدئة أم أن لها غايات وأهداف أخرى؟

ماذا جرى في واشنطن؟

تحت قيادة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، انعقد لقاء مباشر هو الأول منذ عقود بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض وسفير “إسرائيل” لدى واشنطن يحيئيل لَيْتِر.

حضر الاجتماع السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى ومستشارون في الخارجية الأمريكية، واستمر لأكثر من ساعتين، ووصفته وزارة الخارجية الأمريكية بأنه “مناقشات بناءة حول خطوات نحو إطلاق مفاوضات مباشرة”، مؤكدة أن الأطراف وافقت على ذلك في زمان ومكان سيتفق عليه لاحقًا.

لكن جدول الأعمال كشف فجوة واسعة، فقد أعلن السفير الإسرائيلي أن حكومته لن تناقش وقف إطلاق النار بل تطالب بنزع سلاح “حزب الله” وإنشاء حدود واضحة مع لبنان.

وزير الخارجية الأمريكي لدى استقباله السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي في واشنطن (AFP)
وزير الخارجية الأمريكي لدى استقباله السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي في واشنطن (AFP)

وقبيل اللقاء، صرّح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنَّه وجّه ببدء مفاوضات مباشرة على “نزع سلاح حزب الله وتنظيم العلاقات السلمية”.

في المقابل، أكدت السفيرة اللبنانية أنها دعت إلى وقف إطلاق نار يسمح بعودة النازحين ومعالجة الأزمة الإنسانية.

وأوضحت مصادر قريبة من المفاوضات لصحيفة “هآرتس” أن الوفد اللبناني لا يملك تفويضًا للبحث في نزع سلاح “حزب الله” وأن أي نقاش في هذا الملف يفترض انسحابًا إسرائيليًا مسبقًا.

وسعت الولايات المتحدة بدورها إلى تصوير اللقاء كمحاولة لبلورة “إطار سلام دائم” وتخفيف الضغط عن الجبهة اللبنانية، إلا أن “إسرائيل” استبقت الاجتماع بالتأكيد على أن “العمليات العسكرية ستستمر”.

وأشار تقرير لصحيفة “زمان إسرائيل” إلى أن بيروت أعلنت رسميًا أن المباحثات ستتناول إعلان وقف إطلاق النار وتحديد موعد لمفاوضات حول اتفاق دائم، بينما رد لَيْتِر بأن “تل أبيب” غير مستعدة لمناقشة وقف النار بل “ترغب في التقدم نحو اتفاق سلام”.

ونقل التقرير حالة من التشكيك الواسع، حيث يُنظر في “تل أبيب” إلى فتح المفاوضات كوسيلة لشراء الوقت مع استمرار القصف، وإظهار حسن نية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب دون تغيير جوهري في السياسة.

ما أهداف “إسرائيل” الحقيقية؟

الأهداف المعلنة لحكومة الاحتلال تبدو واضحة: نزع سلاح “حزب الله”، إنشاء “حزام أمني” شمال الحدود، وترسيم حدود واضحة، لكن التغطية العبرية والتحليلات الإسرائيلية تكشف أجندة أعمق وأكثر تعقيدًا.

إذ أعلن نتنياهو أن المفاوضات يفترض أن تقود إلى نزع سلاح “حزب الله” وفتح مسار نحو “علاقات سلمية”، بينما أكدتوسائل إعلام عبرية أن “إسرائيل” بدأت التفاوض وهي تستبعد أصلًا بحث وقف النار وتتعامل مع ملف السلاح بوصفه المدخل الذي يجب أن يسبق أي شيء آخر.

1- إبقاء التفاوض استمرارًا للحرب لا بديلًا منها

عن هذا الهدف، قالت صحيفة هآرتس إن المحادثات في القراءة الإسرائيلية ليست خروجًا من الحرب بقدر ما هي إدارة لها بأدوات أخرى.

وبينت أن لبنان جاء إلى واشنطن وهو يريد وقف النار وعودة النازحين وتخفيف الكارثة الإنسانية، بينما أصرت “إسرائيل” على التفاوض تحت النار والفصل بين المسار الدبلوماسي ووقف “العمليات العسكرية”.

بهذا المعنى، لا تبدو الطاولة في نظر “تل أبيب” ممرًّا لوقف الحرب، بل وسيلةً لانتزاع مكاسب سياسية فيما يستمر الضغط العسكري على الأرض.

2- فرض شروط “اليوم التالي” على لبنان

الهدف الثاني أعمق من مجرد السعي إلى تهدئة أو ترسيم حدود، فكما لخصت “جيروزاليم بوست”، تكمن العقدة الحقيقية في أن لبنان يريد وقف النار ثم الانسحاب وترسيم الحدود.

بينما تريد “إسرائيل” نقل النقاش إلى سؤال مختلف: من يسيطر على الجنوب؟ ومن ينزع سلاح “حزب الله”؟ وما الترتيب الأمني والسياسي الذي سيحكم لبنان بعد الحرب؟

لهذا السبب لا تتحدث القراءة الإسرائيلية فقط عن نزع السلاح، بل أيضًا عن حدود واضحة واتفاق أمني، واحتمال مسار طويل يتجاوز الحرب الحالية إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك والسيادة في الجنوب اللبناني.

3- فصل الدولة اللبنانية عن “حزب الله”

تراهن “إسرائيل” على تعميق الشرخ بين الدولة اللبنانية و”حزب الله” وتحويل التفاوض إلى اختبار لقدرة بيروت على تقديم نفسها شريكًا منفصلًا عن الحزب.

وعرضت صحيفة يديعوت أحرونوت هذه الفكرة مباشرة حين اعتبرت أن مجرد فتح المحادثات قد يراكم ضغطًا داخليًّا ودوليًّا على “حزب الله” حتى لو لم يُنزع سلاحه فورًا، لأن الحزب سيُقدَّم بوصفه الجهة التي تمنع أي “تسوية”.

ويعزز ذلك ما قاله السفير يحيئيل ليتر بعد اللقاء عن أن الحكومة اللبنانية لا تريد أن تبقى “محتلة” من قبل من وصفها بـ”المليشيا”.

وهي صياغة إسرائيلية مقصودة هدفها تصوير الحزب كقوة غريبة عن الدولة اللبنانية، وبالتالي دفع المجتمع الدولي إلى التعامل مع تفكيكه بوصفه شرطًا لأي تقدم بالمفاوضات.

4- شراء الوقت وكسب الشرعية والضغط

لا تقف القراءة الإسرائيلية عند مسألة السلاح أو الدولة، بل ترى أيضًا في فتح المسار مكسبًا بحد ذاته، إذ أشارت “هآرتس” إلى احتمال أن يكون نتنياهو يستخدم المحادثات لشراء الوقت.

بينما ذهبت يديعوت أحرونوت إلى أن الخطوة قد تكون “رابحة” بالنسبة إلى “إسرائيل” حتى من دون اتفاق نهائي.

وذلك لأنها “تحسن صورتها أمام واشنطن والعواصم الغربية، وتُظهرها طرفًا منخرطًا في التفاوض”، وتحوّل “حزب الله” إلى الجهة التي تتحمل مسؤولية إفشال المسار إذا تعثر.

5- ربط المسار بالمواجهة الأوسع مع إيران

أخيرًا، من الواضح أن لهذه المفاوضات بُعدًا إقليميًّا يتجاوز لبنان نفسه، إذ قدمت “هآرتس” المسار بوصفه أداة ضد إيران و”حزب الله”، لا مجرد محاولة لصناعة شراكة مع بيروت.

ويدعم هذا الفهم السياق الذي عرضته رويترز و”واشنطن بوست” من أن المحادثات جاءت في ظل هدنة أمريكية-إيرانية هشة، وفي لحظة أرادت فيها أمريكا منع انفجار إقليمي أوسع، بينما استمرت “إسرائيل” في إدارة الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءًا من صراع أكبر مع طهران ونفوذها.

لذلك، فإن التفاوض هنا لا يُستخدم فقط لإعادة ترتيب الجنوب اللبناني بل أيضًا لتقليص نفوذ إيران، وتثبيت فكرة أن مستقبل لبنان يجب أن يُعاد بناؤه خارج معادلة السلاح التابعة لها.

3 سيناريوهات لمسار التفاوض

1- شراء الوقت دون اختراق فعلي: يتوقع هذا السيناريو استمرار المحادثات على مستوى السفراء في واشنطن مع غياب تقدم ملموس. ومن هنا ستواصل “إسرائيل” قصف الأراضي اللبنانية وتستخدم اللقاءات لتخفيف الضغوط الأمريكية والدولية.

يستند هذا الاحتمال إلى تأكيدات المسؤولين الإسرائيليين بأن الحرب ستستمر وأن وقف النار غير مطروح، وإلى التحليلات التي ترى المسار أداة لكسب الوقت، وهنا يتوقع أن تكون النتيجة مفاوضات شكلية تقضي على الوقت دون نتائج سياسية.

جنود إسرائيليون يقفون بين مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان، 14 أبريل/نيسان 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون بين مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان، 14 أبريل/نيسان 2026 (رويترز)

2- تفاهم محدود حول وقف النار ومساعدات إنسانية: قد ينجح الضغط الأمريكي في دفع الطرفين إلى تفاهم محدود يركز على وقف إطلاق النار وعودة النازحين، من دون التطرق إلى نزع سلاح “حزب الله” أو اتفاق سلام شامل.

وتشير تصريحات السفيرة اللبنانية إلى أن هذا هو هدف بيروت المباشر، كما أن واشنطن بوست وصفت الاجتماع بأنه مجموعة عمل تهدف للتوصل إلى وقف إطلاق النار.

في هذا السيناريو، تقبل “إسرائيل” وقفًا مؤقتًا للنار مقابل ترتيبات أمنية على الحدود، بينما يُرحل موضوع سلاح الحزب إلى مرحلة لاحقة.

3- توسيع المسار إلى ترتيب سياسي أوسع: إذا تصاعد الضغط الدولي وازدادت خسائر الحرب، قد يجد الطرفان نفسيهما مجبرين على الدخول في مفاوضات أوسع تشمل ترسيم الحدود، إعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وربما إنشاء قوة متعددة الجنسية تراقب نزع السلاح.

وأشارت صحيفة “هآرتس” إلى أن لبنان يعتبر المفاوضات اختبارًا لسيادته، مبينة أن نجاحه في إثبات قدرته على إدارة الجنوب قد يفتح الباب لشراكة أوسع مع “إسرائيل” برعاية أمريكية، خاصة إذا تمت ممارسة ضغوط على إيران لتقليص دعمها للحزب، وفق وصفها.

لكن هذا السيناريو يظل مرهونًا بإرادة سياسية غير واضحة في “تل أبيب”، حيث ترى قيادة الاحتلال المكاسب الاستراتيجية محدودة.