الرئيسية / أخبار / الحرب الإلكترونية ضد إيران: كيف دخلت المدارس الخمس المعركة من بوابة اليورو فايتر EK

الحرب الإلكترونية ضد إيران: كيف دخلت المدارس الخمس المعركة من بوابة اليورو فايتر EK

د. شهاب المكاحله

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة وحدها. نحن أمام انتقال واضح من منطق الحرب التقليدية إلى ما يمكن تسميته صراحةً حربا إلكترونية مركبة، تقودها الولايات المتحدة وتستعين فيها بشكل غير مسبوق بأوروبا وإسرائيل، عبر خمس مدارس مختلفة للحرب الإلكترونية تعمل في آنٍ واحد ضد إيران. استدعاء طائرات  Eurofighter Typhoon EK / IK منفرنسا وألمانيا وبريطانيا، وتموضعها في عدة دول عربية وقبرص، ليس خطوة تكتيكية عابرة، بل إعلان عملي عن دخول مرحلة جديدة من الصراع.

الولايات المتحدة، بعد ما سُمي بـ«الأربعاء الأسود»، أدركت أن الاعتماد على أدواتها التقليدية في الحرب الإلكترونية لم يعد كافيا. أنظمة التشويش الأمريكية والإسرائيلية، بما فيها تلك المستخدمة على منصات مثلF‑18 المعدلة للحرب الإلكترونية أو عبر الأقمار الصناعية، أظهرت مردودا محدودا أمام التعقيد الإيراني. من هنا جاء القرار باللجوء إلى المدرسة الأوروبية، لا بوصفها داعمًا ثانويا، بل كعنصر حاسم في إعادة صياغة ساحة المعركة الكهرومغناطيسية.

طائرات اليورو فايتر EK ليست مقاتلات بالمعنى الكلاسيكي. هي منصات متخصصة في الهجوم الإلكتروني (Electronic Attack)، قادرة على رصد وتحديد وتشويش وتحييد رادارات الدفاع الجوي بالجملة. النسخ المستدعاة مزودة بأنظمة ألمانية مثل ARSIS وICE، وهي امتداد طبيعي لتجربة Tornado ECR الألمانية، مع دمج رادارات AESA وقدرات IR / CRM Mk1 للحربالإلكترونية الممتدة. هذه الأنظمة لا تعمل بشكل منفصل، بل تُدار عبر معالجة بالذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي، ما يسمح بالتفاعل الفوري مع أي تغيير في البيئة الإلكترونية الإيرانية.

الدور الألماني هنا يتمثل في العمود الفقري للحرب الإلكترونية المنهجية: تصنيف الإشارات، إدارة الطيف الكهرومغناطيسي، وبناء بنك أهداف رادارية قابل للتحديث اللحظي. فرنسا، عبر إضافات Dassault Systems، تقدم مدرسة مختلفة تركز على الدمج العميق بين الاستشعار والتشويش والخداع الإلكتروني، مع قدرة عالية على العمل متعدد المنصات. بريطانيا تضيف طبقة ثالثة، قائمة على تشويش تكيفي معقد، مبني على خبرة طويلة في دمج الأنظمة الأمريكية مع إضافات وطنية مستقلة.

أما الولايات المتحدة، فهي القائد العام لهذا الجهد، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد. دورها يتمثل في الضرب المزدوج: تشويش أمريكي–إسرائيلي تقليدي، يُعزز بتشويش أوروبي مركب. إسرائيل بدورها تشكل مختبرا عمليا، بخبرتها في إعادة توجيه الصواريخ، والتعامل مع التهديدات الفردية، والعمل على تحويل مسارات الصواريخ نحو البحر أو مناطق أقل كثافة سكانية. هنا لا نتحدث عن دفاع سلبي، بل عن دفاع يُدار بأسلوب هجومي.

جغرافيًا، تشكل دول مجاورة لإيران الدرع الأمامي، حيث يمكن التأثير على الصاروخ الإيراني من لحظة الانطلاق، قبل أن يستقر مساره. قبرص تمثل الدرع الخلفي، ما يخلق جدارين إلكترونيين حول إسرائيل. هذا التموضع يحوّل المعركة من اعتراض في الجو إلى هجوم إلكتروني داخل العمق الإيراني نفسه، عبر التأثير على شبكات القيادة والسيطرة والرادارات من المهد.

الفارق الجوهري بين هذه المرحلة وحرب الأيام الاثني عشر السابقة هو أن الحرب الإلكترونية لم تعد مساندة للنيران، بل بديلًا عنها. الهجوم اليوم لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بعدد الصواريخ التي تفشل في العمل أصلا. خمس مدارس، خمسة أنماط تشويش، وخمسة تكتيكات متزامنة تُستخدم لإغراق الدفاعات الإيرانية، وجعل التعامل معها شبه مستحيل.

ما نشهده يمكن اعتباره أول حرب إلكترونية حقيقية ومستمرة في التاريخ الحديث. تمامًا كما كانت حرب الاثني عشر يوما أول حرب فضائية، فإن هذه المرحلة تمثل لحظة تحول. اللافت أن الغرب، الذي لا يزال يحتفظ بأوراقه الإلكترونية في مواجهة روسيا، يختار هنا لعب كل الأوراق ضد إيران. وهذا وحده كفيل بإدراك حجم الرهان، وخطورة ما يجري خلف الشاشات، حيث تُحسم المعارك قبل أن تُسمع أصوات الانفجارات.