أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / الضربات الأمريكية على إيران: إعادة تعديل موازين القوى من بوابة تحرير «هرمز» وتحجيم «الأذرع الإقليمية»

الضربات الأمريكية على إيران: إعادة تعديل موازين القوى من بوابة تحرير «هرمز» وتحجيم «الأذرع الإقليمية»

رلى موفق

توازياً مع الضربات الأمريكية المتتالية لليال سبع على إيران والمستمرة مبدئياً، يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لا يزال للدبلوماسية مكان. لا يشي التصعيد الراهن، بالعين الأمريكية، بإمكانية الانتقال من ضربات مُحَدَّدة وهادفة على إيران إلى حرب مفتوحة معها. فحتى الساعة، لا مصلحة للطرفين بحرب طويلة الأمد ولا هما وصلا إلى تسوية مستقرة. الولايات المتحدة ليست في وارد الذهاب إلى حرب شاملة، كما أن طهران تدرك الكلفة الباهظة عليها. جاءت مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، التي جرى توقيعها عن بُعْد في مراسم ضمَّت ترامب ونظيره مسعود بزيشكيان في 18 حزيران/يونيو الماضي، لتُشكِّل هدنة هشّة. وخرج ترامب منها مقتنعاً بأن كلفتها جاءت مرتفعة بالنسبة إلى واشنطن، بعدما تمكنت طهران من قراءتها بطريقة تصبّ في مصلحتها.
فالوثيقة – المذكرة التي أعقبت وقف إطلاق نار لحرب الـ40 يوماً بين 28 شباط/فبراير- 8 نيسان/أبريل، تضمَّنت عبارات فضفاضة في كثير من بنودها، نتيجة التباعد بين مواقف الطرفين وعجز أي منهما عن فرض شروطه كاملة. لم تُنتج تلك الحرب منتصراً ومهزوماً بشكل جلي، فصيغت المذكرة تحت ضغط توازنات الميدان، وحملت من الغموض ما سمح لكل طرف بأن يقرأها وفق مصالحه. ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية وغاب الوضوح حول القضايا الجوهرية.
قرأت طهران الاتفاق باعتباره يُكرِّس حقها في استخدام مضيق هرمز كورقة سيادية واستراتيجية، ويضمن نفوذها عليه، فيما اكتشفت إدارة ترامب أن التسوية، بصيغتها الحالية، منحت طهران أكثر مما كانت واشنطن مستعدة لقبوله، ورأت أن حرية الملاحة في المضيق لا يمكن أن تصبح رهينة النفوذ الإيراني. تحوَّلت مذكرة التفاهم عملياً إلى «مذكرة اللاتفاهم»، بعدما فسَّرها كل طرف على هواه، وباتت تتطلب العودة إلى إسلام آباد لملاحق توضيحية.
لم تتعامل إيران مع مذكرة التفاهم بوصفها مدخلاً لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، كممر دولي تحكمه قواعد الملاحة التقليدية، بل سعت إلى تكريس معادلة جديدة تقوم على اعتبار أمن المضيق جزءاً من أمنها القومي، وبالتالي امتلاك دور أساسي في إدارة حركة العبور داخله. حاولت طهران تثبيت ما اعتبرته مكسباً استراتيجياً نتج عن الحرب، وتغاضت عن كون المذكرة «هدنة مؤقتة» قابلة للانهيار في أي لحظة. نَظَرت إلى قدرتها على التأثير في حركة الملاحة على أنها ورقة قوة يجب الحفاظ عليها ضمن أي تفاوض مقبل. وهذا حكماً ليس ما تريده واشنطن التي انطلقت من أن أي تسوية يجب أن تُعيد المضيق إلى وضعه كطريق ملاحي دولي لا يخضع لضغوط أو شروط طرف واحد. من وجهة النظر الأمريكية، فإن استمرار إيران في التعامل مع مضيق هرمز كأداة ضغط يعني أن مذكرة التفاهم لم تؤدِّ إلى تغيير جوهري في سلوك طهران، بل سمحت لها بالحفاظ على إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية.
ولذلك ذهبت واشنطن إلى محاولة تغيير المعادلة ميدانياً، عبر استهداف القدرات والبنى التي تمنح إيران القدرة على استخدام الجغرافيا البحرية كورقة تفاوضية، قبل العودة إلى أي تسوية جديدة. انتقلت الأولوية الأمريكية من تثبيت وقف إطلاق النار إلى تفكيك الورقة التي اعتقدت طهران أنها خرجت بها من الحرب، ما يريده ترامب هو تحويل مضيق هرمز من ورقة نفوذ إيرانية إلى ممر دولي لا تستطيع إيران استخدامه كورقة مساومة في أي تفاوض لاحق. لن تعود واشنطن إلى طاولة المفاوضات بالتوازنات نفسها التي أفرزتها حرب الـ40 يوماً، بل تعمل على إعادة تشكيل ميزان القوى، بما يسمح بالوصول إلى تسوية جديدة أكثر انسجاماً مع مصالحها.
ما تستهدفه الضربات الأمريكية هو «الجغرافيا الوظيفية الاستراتيجية» لإيران، التي تنتج النفوذ والقدرة. وتشمل هذه الجغرافيا الوظيفية الساحل الإيراني المطل على الخليج العربي وخليج عُمان، ومضيق هرمز، والقواعد البحرية والعسكرية، ومنظومات الصواريخ والطائرات المسيَّرة، إضافة إلى شبكات النقل والإمداد التي تربط هذه المواقع بالعمق الإيراني وبالأذرع الإقليمية. من هنا، يصبح كل ميناء أو قاعدة أو ممر نقل مهماً بقدر ما يسمح لإيران بتحويل موقعها الجغرافي إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري.
تُشير بيانات القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، التي تَعقبُ الضربات على إيران، إلى أن الأهداف المعلنة تتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية ومحاسبة طهران على الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في مضيق هرمز، لكن قراءة هذه الضربات ضمن الإطار الأوسع تكشف أن المسألة تتجاوز الرد على هجمات محددة، لتصل إلى محاولة ضرب الوظيفة الاستراتيجية التي تمنح هذه القدرات قيمتها.
وتذهب القراءة العسكرية إلى أن الضربات التي طالت الجسور ومحاور النقل والسكك الحديدية ومحطات الكهرباء وأبراج الاتصالات في جنوب إيران ليست ضربات عشوائية، إنما استهداف للشرايين التي تربط الموانئ الاستراتيجية على مضيق هرمز بعمق البلاد. فالجسور التي تربط بندر عباس بالمناطق الداخلية، ومحاور النقل التي تصل الساحل بالمركز، ومنشآت الطاقة والاتصالات، تمثل جزءاً من الجغرافيا اللوجستية التي تسمح بتحويل الموقع الجغرافي إلى قدرة عسكرية واقتصادية.
وبحسب هذه القراءة، فإن استهداف هذه الشبكات يهدف إلى تقليص قدرة إيران على تحريك الإمدادات والقوات بين أطرافها ومركزها، وعزل المناطق الحيوية القريبة من الخليج ومضيق هرمز عن مركز القرار. فالضربات لا تستهدف مواقع عسكرية متفرقة، بل تستهدف الأوصال التي تربط هذه المواقع وتجعلها قادرة على أداء وظيفتها، فقد تحوَّلت إلى حرب الجسور والبنى التحتية.
لم يأتِ رد إيران على الضربات الأمريكية على شاكلة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، على القوات الأمريكية أو على إسرائيل، ذلك أنها تدرك الفارق الكبير في القدرات الجوية والاستخباراتية والبحرية، بل عادت إلى توسيع دائرة الصراع ونقل جزء من كلفته إلى البيئة الإقليمية المحيطة. هو رد يقوم على محاولة تغيير معادلة المواجهة من حرب تستهدف الأراضي والقدرات الإيرانية إلى أزمة إقليمية واسعة تشمل المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة. ومن خلال استهداف دول الخليج، ولا سيما الكويت والبحرين وقطر، واستهداف الأردن وحتى سوريا، تسعى طهران مجدداً إلى إيصال رسالة متكررة مفادها أن الضغط على إيران لن يبقى محصوراً داخل حدودها، وأن أي محاولة لخنقها عسكرياً ستؤدي إلى زعزعة أمن المنطقة بأكملها.
بات واضحاً أن هدف هذا المسار هو رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، سواء عبر تهديد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، أو التأثير على أمن الطاقة وحركة التجارة، أو دفع الدول الحليفة لواشنطن إلى الضغط من أجل وقف التصعيد. تحاول إيران الحفاظ على ورقة مضيق هرمز باعتبارها إحدى أهم وظائف قوتها الاستراتيجية، عبر التأكيد أن أمن الممرات البحرية والطاقة لا يمكن فصله عن موقعها ودورها الإقليمي. تسعى بذلك إلى منع الولايات المتحدة من تحويل التفوُّق العسكري إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة على إيران. فتوسيع رقعة المواجهة لتشمل دول الخليج والأردن، وإقليم كردستان، يُشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فلم تعد المواجهة محصورة في إطار الردع المتبادل، بل أصبحت مرتبطة بمحاولة كل طرف تغيير البيئة التي يتحرَّك فيها الطرف الآخر. ما تفعله إيران بإعادة استهداف دول لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع سيؤدي إلى توحيد مواقف إقليمية ضدها، ويمنح الولايات المتحدة مبررات إضافية لتوسيع عملياتها العسكرية. وستتكتل حولها دول أوروبية متضررة. والأخطر أن محاولة تحويل الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تُفقد طهران القدرة على التحكم بمسار التصعيد، فتنتقل من استخدام «الجغرافيا الإقليمية» كورقة ضغط إلى مواجهة بيئة دولية أوسع ترى في سلوكها تهديدًا للأمن الجماعي.
وفي هذا السياق، يرى مؤيدو سياسة ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك أوراق قوة كبيرة في الخليج، وأن التحركات العسكرية الأخيرة تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى إضعاف إيران والتحكم في نفوذها العسكري والتفاوضي. ويتوقف أصحاب هذه القراءة عند استهداف مواقع مرتبطة بالحرس الثوري والباسيج داخل إيران والذي يمثل انتقالًا من سياسة احتواء النفوذ الإيراني إلى محاولة ضرب المؤسسات التي تنتج هذا النفوذ، وذلك بغية إضعاف قدرة هذه الجهات، التي تمتلك أدوات القوة، على التحكم بمسار المواجهة أو التأثير في أي مفاوضات مقبلة.
وفي الحد الأدنى، تسعى واشنطن إلى انتزاع ورقة مضيق هرمز من يد إيران، أو على الأقل منعها من تحويله إلى أداة سيادية تمنحها قدرة دائمة على التحكّم بأحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم. ويبدو أن إدارة ترامب تريد تحقيق هذا الهدف قبل الانتخابات النصفية الأمريكية، فيما تترك الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي والصواريخ وشبكة الأذرع الإقليمية، إلى مرحلة ما بعد الانتخابات. فهذا الاستحقاق، لن يؤثر على السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي بقدر ما يؤثر عليه داخلياً. ويقول مؤيدو ترامب إنه، حتى لو خسر الجمهوريون مجلس النواب (أحد غرفتَي الكونغرس) فذلك لن يشلَّ ترامب في الملفات الخارجية، حيث لديه صلاحيات ليستخدمها، لا بل إن ترامب سيتمسَّك أكثر بالوصول إلى تحقيق إنجاز كبير يتم ربطه باسمه. يرى هؤلاء أن أي خسارة قد تُشكِّل له حافزاً إضافياً لممارسة ضغوط أوسع للتوصل إلى التسوية. وإذا كان مضيق هرمز يمثل الجغرافيا الوظيفية الإيرانية في بُعدها البحري، فإن شبكة الأذرع الإقليمية تمثل بُعدها البري. يأتي «حزب الله»، في مقدمة هذه الشبكة، كونه إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية خارج حدودها وتدخل الساحة اللبنانية في معركة تعديل ميزان القوى. لا يُقرأ إضعاف «الحزب» أو تقليص قدرته العسكرية والسياسية في إطار لبناني داخلي، بل ضمن محاولة انتزاع إحدى أهم أوراق النفوذ من يد طهران.
نجحت واشنطن حتى الآن في فصل مسار لبنان عن مسار إسلام أباد، عبر الذهاب إلى مفاوضات لبنانية – إسرائيلية برعايتها أنتجت بدورها «الاتفاق الإطاري» بين البلدين الذي وُقّع في واشنطن في 2026 حزيران/يونيو، والذي هدف، بحسب الوثيقة، إلى إنهاء حالة الحرب القائمة رسمياً، والتمهيد لسلام دائم. نصَّ الاتفاق على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، وتولّي الجيش اللبناني السيطرة الكاملة على تلك المناطق، وأطلق آليات ميدانية لمواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية، وإنشاء ما يُعرف بـ«المناطق التجريبية» لضمان بسط سيادة الدولة اللبنانية. غير أن هذا الاتفاق لا يزال تحت الاختبار، وسط رفض علني من «حزب الله» وصل إلى حد تخوين السلطة اللبنانية. لا شك في أن مصير الاتفاق ومدى نجاحه يتوقف على المسار الذي سيسلكه «الحزب» ومن خلفه إيران، إذ إن القرار في ما يتعلق بوجهة «الحزب» يعود في النهاية إلى طهران.
في هذا السياق، يمكن فهم المساعي الأمريكية لاستمالة كل من سوريا وتركيا للانخراط في مسار يزيد الضغوط على «الحزب»، بما يؤدي إلى تقليص هامش حركته وإضعاف إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية بفعل أن الملف اللبناني أصبح جزءاً من المعادلة الإيرانية-الأمريكية الأوسع.
كل التقديرات تُشير إلى أن الصيف سيكون ساخناً على أكثر من جبهة من الداخل الإيراني إلى الخليج العربي والأردن وسوريا ولبنان، إلى اليمن حيث الحوثي يعلن استعداده للتحرُّك بناء على إشارة الحرس الثوري الإيراني، إلى إسرائيل التي تعمل كل من واشنطن وطهران على تحييدها في المدى المنظور.
حتى الساعة لم يستسلم الوسطاء، تستمر قطر وباكستان، بشق النفس، في البحث عن نقطة التقاء في مذكرة التفاهم يمكن من خلالها النفاذ لوقف التصعيد الحالي والعودة إلى المسار الدبلوماسي. فمذكرة التفاهم تبقى هي المتوفرة لإحداث اختراق يبدو صعباً في ظل إعلان ترامب أن الضربات ستستمر لأسابيع. لا يتحدث ترامب عن تغيير النظام ولا الاستسلام. إنه يريد التسوية بعد تقليم أظافر طهران، وبعد تعريف حدود القوة الإيرانية ودورها في النظام الإقليمي المقبل. فإيران تسعى إلى الحفاظ على الوظائف التي تمنحها نفوذها، وهي: الجغرافيا البحرية، والقدرات العسكرية، وشبكة الأذرع الإقليمية. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى إعادة ضبط هذه الوظائف قبل الانتقال إلى أي تسوية.
ولهذا فإن السؤال الأساسي لم يعد: هل ستندلع حرب شاملة؟ بل: مَن سيدخل التسوية المقبلة وهو يحمل الأوراق الأقوى؟ فالمعركة الحالية ليست على تغيير خريطة إيران أو نظامها، بل على تغيير الدور الذي تؤديه هذه الخريطة وهذا النظام الحالي، وعلى تحديد مَن يملك القدرة على رسم قواعد المرحلة المقبلة.
الورقتان اللتان تريدهما واشنطن راهناً هما تحرير مضيق هرمز وتحجيم «حزب الله».. إنهما وجهان لاستراتيجية واحدة: تعديل ميزان القوى قبل العودة إلى المفاوضات. فواشنطن لا تسعى إلى حسم عسكري شامل، بل إلى إعادة توزيع أوراق القوة بحيث تدخل أي تسوية مقبلة من موقع تفاوضي أقوى، بعدما اكتشفت أن التسوية السابقة منحت إيران هامشاً أوسع مما كانت تتوقع، وبعدما أخفقت طهران في الاستفادة من المذكرة بما يجعلها تحدّ من خسائرها وتذهب إلى تسوية تحفظ ما تبقّى من نظامها، وتفتح الطريق لها للعودة إلى النظام الإقليمي والنظام الدولي من موقع الحوار والتفاهم وبوابة الاقتصاد والاستثمار.